الاثنين 5 صفر 1424 هـ الموافق 7 ابريل 2003 طغت على بغداد، مؤخراً، أجواء يصعب تفسيرها، اقرب الى عدم اكتراث خادع. وبدا كأنه لم تكن هناك محاولة لاغلاق الطريق الرئيسي الذي يفضي الى المدينة. ولولا بضعة جنود في الشوارع وسيارة دورية للشرطة، لتبادر الى ذهن المرء، ان اليوم هو يوم عطلة. وطوال ذلك اليوم، وانا اسأل نفسي السؤال نفسه: أين كان الهجوم الأميركي المفترض على بغداد ؟ أين هي الحشود المذعورة؟ اين هي طوابير الناس على مراكز توزيع المواد الغذائية؟ أين هي الشوارع الخالية؟وما الذي يقوم به الأميركيون بالضبط؟ لقد كانوا يحيطون بالمدينة، هكذا أصرت جميع أجهزة الاذاعة والتلفزيون الاجنبية، ولكن المسافرين كانوا لايزالون يصلون من عمّان. وسلطات المدينة وضعت المزيد من حافلاتها الصينية الصنع ذات الطابقين في الشوارع ـ فالخدمة الاعتيادية استؤنفت كما يقولون ـ كما أن شركة السكك الحديدية ذكرت ان قطاراتها لاتزال تغادر الى شمالي العراقي. ثم قبيل منتصف نهار الرابع من ابريل، تسلل صوت هدير منخفض الى شعور جميع من كانوا في شوارع وسط بغداد، وكان صوتاً مطولاً ورتيباً ومتذبذباً قليلا، وهو صوت يتراوح ما بين صوت بعيد لجزارة العشب وصوت قط يختخر. وعندما تتبعت الاذرع الممتدة للعشرات من المتسوقين ورجال الشرطة في شارع الجمهورية، وقع بصري اخيراً على الآلة الشبيهة بالذبابة تتحرك ببطء في السماء الرمادية الساخنة فوق المدينة. لقد أرسل الأميركيون اول طائرة لهم بلا طيار فوق بغداد، وهي أول طائرة استطلاع بلا طيار شاهدها أحد هنا في هذه الحرب، وكانت تحلّق ببطء شديد بحيث أنه كان من السهل تتبعها بخلاف الطائرات النفاثة ذات السرعة الفائقة للصوت التي تغير على المدينة لاسقاط قنابلها. حلقت باتجاه الغرب نحو أكبر القصور الرئاسية واكثرها تعرضاً للقصف ثم انعطفت باتجاه الجنوب. لقد بدت مخلوقاً ضعيفاً جدا ووجوداً ضئيلاً جداً في السماء القاتمة الغاضبة، بحيث كان من الممكن نسيان العين شاملة الرؤية الموجودة في بطنها، والصور التي تريها للأميركيين خارج حدود المدينة والخيارات التي تساعد في اتخاذها بخصوص اي من الضواحي ينبغي قصفها. وفي مستشفى اليرموك يوم امس الاول، كان جندي يعاني من ألم شديد، أما رفيقه في ميليشيا فدائيي صدام حسين فكان يبكي تعاطفاً معه، بينما كان صديقه يتلوى من الألم. فلقد اصابته الرصاصات الاميركية في ساقيه، وكانت طبيبة تحاول ببطء وبحرص لامتناه ان تخلع الحذاء من قدمه اليمنى. وهو رفض ان يصيح وان يظهر معاناته الخاصة مع أن عينيه كانتا مغمضتين، بينما كانت الطبيبة تعمل على فك الحذاء بحل الأربطة متخوفة من قص ساق البنطال تحسباً لما قد تجده تحتها.وقال صديقه، الذي تتصبب جبهته عرقاً، ويرتجف من المعركة التي وقعت خارج مطار صدام الدولي: «نحن الفدائيون رجال الحميّة والأباء. كنا نواجه الاميركيين ونصدهم. وكان الاميركيون مبعثرين. ثم طلب ضابط من رفيقي ان يذهب ويحضر الغذاء وحصص الطعام للرجال. وعندما عاد اطلقت الرصاصات عليه واصابته». وفي احد الممرات في مستشفى اليرموك، مر بي جندي أشيب الشعر، في منتصف العمر، يرتدي زي كولونيل ويسير متكئاً على عكاز، ولكنه وقف منتصباً في الممر ونفض الغبار عن كتفيه المزينين بالأشرطة الذهبية والكتفيات. اذن اين هم الأميركيون؟ قبل 18 ساعة فقط، كنت قد طفت في قاعات المغادرة الخالية لمطار صدام وتسكعت عبر دائرة الجمارك المهجورة وتحدثت مع الحراس السبعة المسلحين من رجال الميليشيا، والتقيت بمدير المطار ووقفت بمحاذاة المدرج، حيث تربض طائرتان للركاب من طراز 727 يعلوهما الغبار وطائرة قديمة من طراز أنتونوف بشكل متوحد على المدرج المسفلت في مكان ليس ببعيد عن مروحية عسكرية لا تقل عن الاخريات في القدم وكل ما استطعت سماعه هو الهدير البعيد للطائرات النفاثة التي تحلق على ارتفاع عال وزقزقة اسراب الطيور التي بنت اعشاشها بالقرب من موقف السيارات بالمطار في هذا اليوم، الذي يعتبر اليوم الأول من الصيف الحقيقي في بغداد. كان هناك دليل جديد مؤخراً على استخدام القنابل العنقودية، وعلى بغداد نفسها هذه المرة، وليس فقط في القرى الواقعة خارجها ومن فرات في حي الدورة وحي الأمل ومناطق اخرى غربي بغداد، كان المدنيون يصلون الى اجنحة الطوارئ يعانون من الجروح الرهيبة وهي جروح بليغة ومتعددة نجمت عن شظايا القنابل التي تنفجر في الجو. وقيل ان عدد القتلى في فرات وحدها تجاوز الـ 80 قتيلاً وتلقى احد المستشفيات المركزية 89 جريحاً، توفي اربعة منهم خلال العملية الجراحية احد الشبان كان قد ركض طلباً للنجاة بحياته، عندما شاهد عبوات بيضاء تسقط من السماء ولكنه اصيب بينما كان يحاول الخروج من باب المنزل وشخص آخر يعمل سائق سيارة شاهد عناقيد القنابل الصغيرة وكل منها مغلف بشظية معدنية على شكل نجمة تسقط من السماء «كالحجارة الصغيرة» غرقت قدماه بالدم، وكان بالامكان رؤية الثقوب الصغيرة المثلمة الناجمة عن الشظايا المعدنية في صدره وذراعيه. حدث تغير في زبائن مطاعم المدينة، فقد دخلت مؤخراً، الى مطعم الفروج لكي آخذ وجبتي اليومية الثابتة من شيش طاووق الدجاج والطماطم والفاصولياء الخضراء كان المطعم مليئاً بعائلات من طائفة الشيعة يتناولون طعامهم من صحون كبيرة من المزة المؤلفة من الحمص والتبولة ولحم الضأن والأرز، وكان جهاز التلفاز يعرض قناة ايرانية، وهي قناة موسيقية باللغة الفارسية ـ التلفزيون الايراني له قناتان عربيتان يمكن التقاط بثهما بدون طبق للاستقبال الفضائي ـ والكثير من البغداديين يثقون بأخبارهما اكثر مما يثقون بتلفزيونات اخرى. اما المقاهي، فكانت تعج، مؤخراً، بالجنود من فرق الحرس الجمهوري التي تدافع عن بغداد، رجال يمكنهم ان يقودوا السيارات لمدة 15 دقيقة عائدين من الجبهة لتناول الطعام بين المعارك، وكانت مدافعهم المضادة للطائرات وعرباتهم العسكرية تركن في الخارج. اذن اين كان الآلاف من الحرس الذين لم يعثر الاميركيون عليهم في الصحراء؟ لقد كانوا هنا في بغداد يدافعون عن عاصمتهم وتساءلت، لماذا ينبغي ان يجد الاميركيون ذلك مفاجئاً؟ ولكن مع ذلك، كان لا يزال هناك ذلك الرفض في أوساط الناس العاديين لتقبل التغيرات العسكرية وبالتالي السياسية العميقة التي يتم اعدادها لبغداد. وفي حي المنصور، يعتبر اصحاب المحال القصص الدائرة حول اقتراب الاميركيين ـ بدليل الحطام الناتج عن نيران القذائف على حدود المدينة ـ «أكاذيب اجنبية»، وهذا الكلام من بائع فستق لا يخضع لرقابة من اي رجل مخابرات حكومي. وخطر ببالي انه ربما لأن البغداديين شهدوا حروباً كثيرة خلال الاعوام الـ 23 الماضية بحيث ان الجيوش الجرارة والقوات الجوية التي قصفت هذه البلاد لم تعد تسجل اية مشاعر من «الصدمة والرعب» التي تتوقعها أميركا. قلة هم الذين يعتقدون ان الاميركيين لا يمكنهم ان يشقوا طريقهم الى بغداد اذا ما ارادوا ذلك. ولكن ماذا كان مقصوداً من ذلك التصريح الغريب الصادر عن الاميركيين بأن القوات الخاصة ستدخل اجزاء من بغداد بغرض اكتشاف ما اذا كانت القوات الاميركية ستحظى بالترحيب ام لا؟ هل سيتحرك الاميركيون بصورة اسرع لو تلقوا استجابة ودية؟ ويبدو الأمر هنا وكأن استطلاعاً للرأي هو الذي سيقرر مصير بغداد. ترجمة : ضرار عمير عن «اندبندنت»