الاثنين 5 صفر 1424 هـ الموافق 7 ابريل 2003 قبل فترة تعدّ بالأشهر، وليس بالسنوات، كانت أغلبية المحللين والمراقبين السياسيين الفرنسيين ترى ان المغامرة السياسية لجاك شيراك على وشك ان تصل الى نهايتها، لكنه ها هو يبدو اليوم أحد أكثر رؤساء الجمهورية الفرنسيين قوة وسلطة، إذ منذ عهد الجنرال شارل ديغول لم يلعب أحد دوراً حاسماً مثل الدور الذي لعبه على المسرح الدولي، بل لقد بدا بمثابة الرئيس الوحيد في العالم الذي استطاع أن يحتج ويعارض بالقوة والحزم ذاتهما إرادة القوة الأميركية الجبارة. لقد عرف جاك شيراك كيف ينتفض باستمرار من «رماده» ويعود أكثر قوة وأشد بأساً في وجه خصومه. هنا نلقي نظرة على محاولة المؤلفين الكشف عن الطبيعة الحقيقية للرئيس الفرنسي وأسرارها. بعد نجاح الرئيس شيراك في الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2002، كانت الخطوة التالية هي تعيين رئيس للحكومة المقبلة وكان المرشحان الاوفر حظا، كما كان باديا، هما نيكولا سركوزي، وزير الداخلية الحالي وجان بيير رافاران الذي اختاره جاك شيراك، كي يكون رئيسا للحكومة، وكانت «برناديت شيراك» قد شجعت زوجها على اختياره، بعد ان كانت قد امضت يومين في منطقته ورافقته في جولة على عدد من الاماكن، ثم قالت للرئيس: «هذا الرجل يعرف جميع الناس، ويتحدث الى كل منهم بضمير المفرد ـ دليل المعرفة بين الناس في فرنسا ـ ويسأل عن دراسة هذا ومرض ذاك وعن مشكلات كل اسرة، وقد كان يصغي دائما للآخرين، ويجيب دائما بعمق، اعتقد، جاك، بأنه رئيس وزراء جيد». يومها تظاهر الرئيس شيراك بأنه لم يسمع ما قالته زوجته، ثم قال: «لكنني انا الذي كنت قد جعلته وزيرا عام 1995»، وقد كان وزيرا للزراعة، وهذا منصب كان جاك شيراك قد شغله بنفسه سابقا، لقد كان جان بيير رافاران من انصار فاليري جيسكار ديستان، ايام شبابه، كما كان عضوا في حزب، الاتحاد من اجل الديمقراطية الفرنسية، اي حزب ديستان، وذلك قبل ان يتحول نحو الرئيس جاك شيراك، وكان قد صرح اكثر من مرة بأنه لا يريد ابدا ان يصبح رئيسا للحكومة، اذ قال ذات يوم: «حلمي هو ان اصبح رئيسا لمجلس الشيوخ، وبانتظار ذلك قد اقبل منصب وزير التجهيزات او وزير الاقتصاد والمالية، وعندما اتصور موقع ريمون بار بل وآلان جوبيه، فانني اخشى ان انظر الى هذا القدر من الارتفاع»، لقد لعب ورقة التواضع ولكن بحنكة كبيرة اذ اضاف: «ان يصبح المرء رئيسا للحكومة يعني ان يتلقى السهام من كل صوب». لكن في الواقع كان هذا المرشح غير المعلن يتقدم بخطى واثقة نحو رئاسة الحكومة، وخاصة عبر تعميق صداقته مع الرئيس جاك شيراك، لقد كانت العلاقات تتوطد بين الرئيس ورئيس حكومته المقبل، على قاعدة ما يبديانه كلاهما من تواضع وكان جان بيير رافاران، قد لعب ببراعة كاملة دور الفلاح الطيب ولكن في الوقت نفسه الذي يمتلك درجة عالية من الاعتزاز بالنفس، وقد جاء على لسان روزالين باشلو، الوزيرة الحالية والناطقة الرسمية باسم الحملة الانتخابية الرئاسية لجاك شيراك عام 2002، ما مفاده: «ان رافاران يمتلك ارادة لا مثيل لها .. انه غير متغطرس، ولكنه يتحلى باعتزاز البسطاء»، هذا بالاضافة الى انه رجل واقعي، يعتقد بأنه «لا ينبغي بيع ثمار الموسم قبل جنيها» ولهذا لم يتصرف ابدا كمسئول عن اي شيء في فرنسا قبل ان يتم تعيينه فعلا في منصب رئيس الحكومة. جاك السعيد ان جميع المراقبين والمحللين السياسيين في فرنسا وغيرها يؤكدون ان شيراك يمتلك قدرة عالية على المقاومة لكنه ايضا رجل «محظوظ» وهكذا اطلق عليه البعض لقب «جاك السعيد». واذا كان شيراك وانصاره قد خاضوا بكل عند وتصميم معركة الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2002 واذا كان ليونيل جوسبان مرشح اليسار الرئيسي في تلك الانتخابات قد اقترف اخطاء كبيرة وليس اقلها حرصه على ان يبدو بصورة الزعيم المتفوق فان هذا كله لا يمنع تأكيد الكثيرين ان الحظ قد لعب لصالح الرئيس الفرنسي جاك شيراك. وواقع كون ان جان ماري لوبن زعيم اليمين الفرنسي المتطرف، هو المنافس في الدورة الانتخابية الثانية، فان اعادة انتخاب جاك شيراك اصبح بمثابة امر مؤكد لا يقبل الشك: «لقد كان خصما مهزوما قبل دخول المعركة» كما عبر البعض. ان شيراك «رجل محظوظ» لكن القدر ليس اعمى، فاذا كان قد ساعده وجعله الافضل بين اقرانه، فهذا يعود لانه استحق ذلك، انها العادلة السامية التي تضع التيجان على رؤوس الاكثر كرامة بينما تضرب الصواعق الأذلاء، وكان الحظ الكبير قد حالف شيراك ووقف جانبه عند انتخابه عام 1995، الامر الذي اثار دهشة الكثيرين الذين رأوا به مفاجأة كبرى، لا سيما وان جميع الآراء كانت تتفق بأن ادوار بالادور صديقه التاريخي ـ قبل 30 سنة ـ وخصمه الخائن في تلك الانتخابات هو المرجح للفوز؟ بل ان فوزه كان مؤكدا، الى درجة ان بعض الصحفيين وخاصة في صحيفة «لوموند» قد اعتبروا ان العملية الانتخابية لا رهان فيها وانها مجرد استفتاء من اجل تتويج ادوار بالادور، الذي كان رئيسا لوزراء فرنسا خلال فترة 1993 ـ 1995. كان جاك شيراك قد بدأ حملته الانتخابية وهو لا يحظى بتأييد سوى اقل من 10% من الناخبين، كما دلت آنذاك مختلف استطلاعات الرأي بينما كان ادوار بالادور يحظى بتأييد حوالي 30% من الاصوات، لكن شيراك هو الذي فاز «لقد خرج من الجحيم» قال البعض، لقد اظهر براعة كبيرة ووصل حيث اعتقد الجميع تقريبا، بأنه سوف «يفقد انفاسه» في الطريق .. وعندما فاز في الانتخابات الرئاسية لعام 2002 قال المسئول المالي لحملته: «لا يمكن الزعم هنا بأنه رجل محظوظ، لان الحظ قد يلعب مرة ولكن عندما يتكرر الامر وبشكل افضل «فانه ينبغي عندها ان نطلق على شيراك تسمية «السيد حظ». ولنعد اذن الى الوراء حيث يمكن ان تبدو حياته كاحدى الحكايات الخرافية ان ولادته نفسها كان حادثا سعيدا اذ قال ذات يوم لـ «فرانز اوليفييه جيسبير، الذي كتب سيرة حياته عام 1987 ما يلي: «ما كان ينبغي ان ارى النور» ذلك ان والديه كانا قد قررا التوقف عن الانجاب بعد ان كانت ابنتهما البكر قد توفيت وعمرها عامين بمرض الحصبة لكن بعد ثماني سنوات من الحداد، وتحديدا بتاريخ 29 نوفمبر 1932 ولد في باريس جاك رونيه شيراك ليعطي فرحة كبيرة لوالدته ماري لويز ولوالده ابيل وكانت امه قد توقعت لهذا الفتى الجميل مستقبلا باهرا بأن يصبح مثلا «ممثل سينما»، لقد كان طفلا بشوشا، وكأن نجما سعيدا يرعاه. لكن الحياة لا تبدي ابدا وجها واحدا اذ تلبدت سماء اوروبا ونشبت الحرب العالمية الثانية مما اضطره هو واسرته وكان طفلا في الثامنة من عمره، للجوء الى جنوب فرنسا هربا من الاحتلال الالماني، وقد بقيت الاسرة هناك حتى التحرير، الذي لعبت فيه المقاومة الفرنسية دورا كبيراً. وكان الطفل جاك قد نجا بأعجوبة اثناء اقامته في الجنوب من حريق شب في المنزل الذي يقطنونه، حيث انه لم يتردد في الولوج الى الداخل على الرغم من النيران ليجلب لابيه سجائر لقد اصيب بحروق طفيفة، ولكنه انجز مهمته مما اثار تقديرا قلقا من قبل والده الذي كان يجهد دائما من اجل ان يعيده الى الطريق المستقيم، ولعل حظه هنا ايضا كان كبيرا اذ تمتع بسلطة ابوية ولو انها كانت ضاغطة وبحنان الامومة المرافق. كانت طفولته فريدة لطفل وحيد لابويه، وطفل كان يملك قدرا كبيرا من الحرية ولكن ايضا ضمن اطار محدد، لقد كان محاطا بالحماية في فرنسا، بل في عالم تمزقه المآسي وفي ارض غرقت بالدماء وغطيت بالجثث، لكن شيراك كبر وترعرع وكأنه لا يمكن ان يصاب بأي شيء خطير الى جانب انه نما لديه ذوق التسلي بالالعاب الحربية وبكل حرية وامان، لكن الحرب لم تتوقف عند حدود اللعب لديه، اذ غدا زواجه من برناديت دوركوسيل وجد نفسه مدعوما لأداء دوره كجندي في الجزائر، هكذا لم يتذوق جيدا شهر العسل وانما عرف شهر الحرب. لقد اصبح خريج المدرسة الوطنية العليا للادارة ضابطا متطوعا، وكان جاك المتهور على الخط الاول دائما حيثما كان هناك خطر ما، وكان الاول في ولوج المغاور لتفتيشها والاول في استكشاف المخابيء المفخخة، والاول عند تسيير قافلة في ارض ملغومة او من اجل نجدة رفيق في خطر، هذا ما تؤكده شهادة بعض اولئك الذين كانوا قد عرفوه في تلك الفترة والذين يشغل بعضهم اليوم مناسب سياسية او ادارية لقد نجا من جميع المخاطر التي عرض نفسه لها، وقد كانت كثيرة، الا يمكن اذن اعتباره بمثابة «الرجل المحظوظ». لكن بالمقابل لابد من القول انه اذا كان لا يخاف كثيرا من ولوج المسالك الخطرة، فانه كان يهتم ايضا بتقدير المخاطر التي يواجهها وبعدم دفع الذين يعملون معه او تحت امرته الى التهلكة او الى «فم الشيطان» ويقول احد رفاقه الذين كانوا رافقوه في الجزائر: «كان اكثر من شجاع، لكنه كان حريصا باستمرار على حياة عناصره .. وكان يحيطهم بحنانه .. وكان نموذج العسكري الذي يعشق ميدان المعركة، ويحرص كثيرا على رجاله». ان كل محارب يتصور نفسه ضابطا لامعا في المستقبل، وقد اظهر جاك شيراك تصميمه على الانخراط في الجيش لانه كان يحب رائحة البارود ورفقة الرجال الذين تقوم بينهم «اخوة قتالية»، وكان قد قال لرفيقه في الجزائر انسوليان، ما مفاده: «انني سوف اسوي وضعي مع المدرسة العليا للادارة ومع الاسرة ثم اعود اليكم». كان ذلك قبل مغادرته للجزائر، لكن هذه الاسرة تدخلت مرة اخرى واعادت الامور الى نصابها، بحيث عاد «جاك شيراك من جديد الى متابعة دراساته العليا، والترقي في مسيرته السياسية، وقد اختار ان يضع نفسه في خدمة الجمهورية: لذلك لم يؤيد محاولة الانقلاب التي حاول جنرالات فرنسيون في الجزائر القيام بها ضد الجنرال «شارل ديغول وسياسته. لكنه يتردد بالمقابل في توقيع العريضة» التي وقعتها دفعته كلها من طلاب المدرسة العليا للادارة من اجل دعم المؤسسات الجمهورية، وظل يناقش حتى الساعة الخامسة صباحا كي يضع توقيعه عليها. ان تردده ذاك كان يعود لتأثره في التجربة التي عاشها بالجزائر، لكنه مال بعد ذلك نحو «الجهة الصحيحة» ولعل ذاك الخيار الذي تبناه كان بمثابة الخطوة الحاسمة في تحديد مسيرته ومستقبله السياسيين كأحد الديغوليين البارزين وأحد الذين رفعتهم الديغولية ايضاً الى أعلى المراتب. المرور وسط الرصاص إن البركة التي أحاطت بجاك شيراك ساعدته على أن يمر وسط الرصاص وان يراهن بكثير من الجرأة والمخاطرة حيث ينبغي ذلك وعندما ينبغي. لقد فهم شيراك بسرعة انه تنبغي المراهنة قبل الآخرين كي يكون الربح أكبر. هكذا لعب مبكراً أوراقه ضد جاك شابان دالماس الذي كانت تدعمه أغلبية الحركة الديغولية لخلافة الرئيس الفرنسي جورج بومبيدو، بينما قام هو بدعم فاليري جيسكار ديستان، وأصبح رئيساً للوزراء في ظله قبل أن يتخلى عنه، ويراهن على ورقة شيراك وحدها أي لحسابه الخاص، لكنه لم يفز بالجائزة الكبرى سريعاً، وكان عليه أن ينتظر حتى عام 1995 كي يفوز بها، لكنه أصبح خلال مسيرته نحو الرئاسة رئيساً لبلدية باريس، وهو منصب ذو أهمية كبيرة في فرنسا ووزيراً عدة مرات ورئيساً للوزراء. لكن اللاعب الماهر هو الذي يعرف كيف يقبل الخسارة، ويجد بها حافزاً للوثوب من جديد. ومن يعرف كيف يخسر جيداً، يعرف ايضاً كيف يكسب جيداً. هكذا عاد جاك شيراك الى الساحة بعد كل خسارة ولكن متسلحاً بعزيمة أقوى وارادة أشد، بينما بقي آخرون مكبلين بهزيمتهم، مثل الرئيس الفرنسي السابق فاليري جيسكار ديستان ورئيس الوزراء الأسبق ادوار بالادور. وهكذا صعد جاك شيراك الى منصة الرئاسة من جديد عام 2002 بعد أن كان جوسبان قد اعتقد بأنه قد أغرقه تحت الماء. أما معجزة المعجزات فهي بدون شك ان شيراك لا يزال على قيد الحياة ومليئاً بالنشاط، كما يحدد هو نفسه. وذلك بعد أن قطع ملايين الكيلومترات بالطائرات والسيارات وغيرها. ويؤكد سائقه في كتاب أصدره عن تجربته معه عام 2001 انهما قطعا «أكثر من مليون كيلومتر خلال خمسة وعشرين سنة.. وبسرعة كبيرة أحياناً». لقد كان تحديد السرعة اثناء ذلك لـ «الآخرين» إذ كان جاك شيراك لا يتوقف عن أن يردد على مسامع سائقه كلمة واحدة هي «بسرعة». وفي 26 نوفمبر 1978 نجا بأعجوبة من حادث سير كاد أن يودي بحياته، وذلك عندما جنحت سيارته «الستروين سي.اكس» على أحد طرق منطقة «الكوريز» حيث أصيب بكسور في الكتف وبالعمود الفقري، بعد أن ارتطمت تلك السيارة الجانحة بجذع شجرة كبيرة. لقد خشي الأطباء أن يصاب بالشلل، وبعد عمل جراحي معقد ولكن ناجح، أمضى أكثر من خمسين يوماً في السرير. كانت التجربة مريرة جداً بالنسبة له، وهو الذي لم يعرف المرض أبداً وكان يعتقد انه يمكن أن يذهب الى نهاية العالم بدون أن يأخذ معه من الادوية سوى بعض حبات الاسبرين. وعن تجربة مرضه قال جاك شيراك: «لم أتألم طيلة حياتي بهذا القدر». وما أن سمح الاطباء له بالحركة حتى انطلق بقوة، ولو كان ذلك على عكازين في البداية. لقد أحاطت به «البركة» مثلما حصل ايضاً في 29 مارس 1982 حيث توفي عدة أشخاص في عملية اعتداء تعرض لها قطار «الكابيتول» والذي عزف جاك شيراك عن أن يستقله في اللحظة الأخيرة. كان آنذاك رئيساً لبلدية باريس، وكان لا يتردد في النزول الى الشوارع لمصافحة الناس ودون أن يتعرض أبداً لأي أذى. ومن المعروف عن الرئيس جاك شيراك انه لا يحب أن يزعجه أحد عندما يمارس بعض أنواع الاسترخاء. هذا الى درجة انه يوم الحادي عشر من سبتمبر وعندما كان الجميع يخفّون كي يشاهدوا ما يجري في نيويورك على شاشات التلفزة بعد أن كانت طائرة الركاب قد ضربت أحد برجي مركز التجارة العالمي، ثم تلتها طائرة ركاب أخرى بضرب البرج الآخر، بقي جاك شيراك دقائق طويلة قبل أن يشاهد تلك الأحداث. إن الرئيس جاك شيراك هو أحد رجال السياسة الفرنسيين القلائل الذين يستطيعون المحافظة على برودة أعصابهم أمام المواقف الصعبة والمخاطر المحدقة. ولا يزال الجميع يذكرون وجهه الهاديء عندما توجه نحو ساحة الجمهورية بعد إعلان فوزه في الدورة الانتخابية الرئاسية الثانية عام 2002، حيث كان ينتظره عشرات الآلاف من الشباب. كانت لدى أجهزة الاستخبارات العامة الفرنسية معلومات تشير الى امكانية تعرض الرئيس شيراك لـ «اعتداء» من قبل عناصر غير منضبطة قد تقوم بالقاء زجاجات فارغة واللجوء الى اثارة أعمال شغب. وكان هؤلاء العناصر قد قدموا من الأحياء الشعبية. لقد كانت اجابة الرئيس شيراك على هذا وكله اصرار على أن يتوجه بالحديث للجموع المحتشدة أمامه، إذا لا ينبغي أبداً الظهور وكأنه يهرب من ابناء الشعب الذين جاؤوا بذلك الانتصار الجمهوري. تحت سماء الشانزليزيه في 14 يوليو 2002 اثناء الاحتفالات بالعيد الوطني الفرنسي، كان الرئيس جاك شيراك يتجه عبر شارع الشانزليزيه نحو ساحة الكونكورد، حيث كانت قد أقيمت المدرجات لاستقبال الرسميين والضيوف الذين سيشاهدون العرض العسكري التقليدي في مثل هذه المناسبة. فجأة انطلقت بعض العيارات النارية التي كان مصدرها بندقية أراد الشاب اليميني المتطرف والنازي الجديد أن يوجهها للرئيس شيراك بقصد اغتياله. لم تذهب الرصاصات في اتجاهه لأن الشخصين اللذين كان بجوار الجاني استطاعا الامساك به وتخليص البندقية منه. كان أحد هذين الشخصين يدعى محمد شلالي والآخر جاك ويبر، وكانا قد قدما الى جادة الشانزليزيه لمشاهدة العرض العسكري ولانقاذ الرئيس. إن مثل هذا الاعتداء لابد وان يعيد للذاكرة محاولة الاغتيال التي كان الجنرال شارل ديغول قد تعرض لها في ضاحية بوتي كلامار القريبة من باريس، مع الفارق انه كانت هنا مؤامرة مرسومة بدقة من قبل خصوم الجنرال بينما تصرّف المعتدي على الرئيس شيراك بدافع الحقد الايديولوجي، مع العلم بأن مدبري محاولة اغتيال الجنرال كانوا ايضاً قريبين من اليمين الفرنسي المتطرف «ايديولوجياً». يومها قال الجنرال جملته الشهيرة: «ان يموت المرء اغتيالاً أفضل من أن يموت في العيادات الطبية». ان مثل هذه الفلسفة «القدرية» لرجل عسكري مثل الجنرال ديغول تجد صداها في الاجابة التي قالها الرئيس جاك شيراك عندما أبلغوه بمحاولة اغتيال إذ اكتفى بالقول: «هكذا.. حسناً». انه يعتقد بعمق بأن لكل انسان أجلاً مكتوباً، لكن هناك دائماً بعداً أسود في كل رواية «زهرية». ان الرئيس جاك شيراك يعرف حالة من الحزن العميق بعد أن أصيبت ابنته البكر «لورنس» بمرض مقاطعتها للطعام اثر اصابتها بالتهاب السحايا الذي تحوّل الى ما هي عليه من «انتحار بطيء». وقد كانت طفلة مليئة بالحيوية والنشاط، وذكية و«تشبه والدها الى حد كبير». وكان حزن الوالدين كبيراً، لاسيما وانهما يشعران بنوع من عقدة الذنب لأنهما لم يستطعا إنقاذها. إن هذه المأساة لم تبارحهما أبداً، ولربما انهما عرفا الحداد مرات أخرى، لكن لا شيء يعادل بالنسبة لهما «حدادهما» على ابنتهما البكر «لورنس». لكن الرئيس شيراك لا يذكره أبداً في أحاديثه. وقد حرص الرئيس شيراك باستمرار على رفض حضور عملية اطلاق الصاروخ «اريان» للاتصالات الفضائية من جزيرة «غويانا» وذلك خشية أن يقال أو يُشكك بأنه كان «نذير شؤم» في حالة فشل عملية الاطلاق. لكن إذا قال له أحدهم بأنه يؤمن بالخرافات، فإنه لا يتردد في أن يواجهه بضحكة صغيرة ثم يدير له ظهره. لكنه قد لا يتردد أيضاً في بعض المرات من ان يوجه الكلام لزوجته «برناديت» قائلاً «هل يمكن أن ترفعي عن رأسك هذا الغطاء؟ انه يجلب النحس». وفي كل مرة يشارك فيها الرئيس ببث تلفزيوني يحرص على أن يرتدي الثياب نفسها التي كان يرتديها أثناء بث تلفزيوني سابق ناجح. وأثناء المباراة النهائية بكأس بطولة العالم لكرة القدم في باريس عام 1998 وفوز فرنسا بالكأس بعد انتصارها على البرازيل. قام الرئيس شيراك بتقبيل حارس مرمى الفريق الوطني الفرنسي فابيان بارتيس بالطريقة نفسها التي شاهد ملايين المتفرجين المدافع الفرنسي لوران بلان يقبل فيها رأس زميله. وكان شيراك قد ارتدى يومها السترة الرياضية بلون الفريق الوطني والتي كانت تحمل الرقم (23). وكان قد راهن على فوز فريقه بثلاثة أهداف مقابل لا شيء، بينما كان جوسبان قد راهن بهدفين لصفر. كان الفرق هو هدف واحد، ولكنه الهدف الذي يضع الفرق بين «صاحب الحظ» و«المنحوس». لكن أين يكمن السر الحقيقي في شخصية شيراك؟ «انه لا يستسلم أبداً».. تقول زوجته برناديت التي تؤكد ايضاً بأنه مستعد دائماً للوثوب. ويتفق من يعرفونه على انه مزاج المحارب الاستثنائي الذي لا يترك الأسف «يشوش رؤيته» ولا يترك الشك «يشل حركته»، وهو يؤمن بالحظ، بالمعنى القائل بأن الحظ هو أن تعرف كيف تستفيد من الرياح عندما تهب في الاتجاه الذي تريده. كما ان الحظ يتطلب ايضاً العمل. وشيراك هو رجل منهجي تماماً يحضر معاركه الانتخابية وغيرها بالاهتمام نفسه الذي يصف به الاقلام على مكتبه. ان تجارب النصر والهزائم علمته الكثير من الدروس. والدرس الأول هو ان الذي ركز كل تفكيره بخصمه يكون قد أصبح نصف خاسر. والدرس الثاني هو أن المواجهة مع المنافس تصبح ثانوية. ثم هناك دروس التواضع والانحناء حتى تمر العواصف، وقبل كل شيء ضرورة حب الآخرين، انها دروس كثيرة، أما المحصلة فهي واحدة.. لقد عرف جاك شيراك ان ينتصر على جميع خصومه.. انه «صاحب الحظ».