الاحد 4 صفر 1424 هـ الموافق 6 ابريل 2003 يحافظ رئيس الوزراء الاسباني خوسيه ماريا ازنار على هدوء ظاهري امام الاعصار السياسي الذي يجتاح حكومته والحزب الشعبي الذي ينتمي اليه بسبب القرارات المتعلقة بالموقف الاسباني من الحرب على العراق. وفي مقابلة مع مدير تحرير صحيفة «ايه بي سي» الاسبانية، هي الاولى لوسيلة اعلام مكتوبة بعيد نشوب الحرب، يبادر الى ادانة ما يصفه بأنه عملية سياسية تستهدف اسقاط الحزب الشعبي. وفيما يلي نص المقابلة: ـ هل انت «صقر» ام «حمامة»؟ ـ انا لست الا حاكماً مسئولاً ـ ولا اتطلع لأن اكون شيئاً اخر. ـ ما الذي يقف وراء الموقف الاسباني في هذا النزاع؟ ـ انها مصلحة اسبانيا، التي تكمن في ان نكون متضامنين مع النضال ضد الارهاب في العالم، مما يساهم في الحفاظ على امن الاسبان انفسهم. مصلحة اسبانيا تكمن في ان نكون متضامنين كي يكون هناك تضامن معنا. وكذلك احترام الشرعية الدولية كمساهمة بالسلام. اما اذا كان المعيار العالمي هو عدم انزال العقاب، فإن العالم سيكون غير آمن بالمرة، وستتعرض اسبانيا لمخاطر اكبر، وسيعاني الاسبان من مشكلات اكثر في المستقبل. ذلك هو ما اعتقده. ـ هل تشعر بالندم على اي من قراراتك؟ ـ لا. فأنا مقتنع بشكل مطلق بأننا اتخذنا القرارات الصحيحة. على الرغم من انني افهم انه عملياً ثمة اناس يمكنهم مخالفة تلك القرارات. لكني اعتقد ان الصحيح هو الدفاع عن الشرعية الدولية والتصدي للمخاطر التي يواجهها العالم اليوم، مثل الارهاب واسلحة التدمير الشامل.. وفي تلك الاسباب يكمن تماسك موقف الحكومة ويقينها من صحة هذا الموقف. ـ الكثيرون يفندون فكرة ان الحرب تستند الى الشرعية الدولية، وعملياً كنت مناصراً لقرار ثان يضاف الى القرار 1441؟ ـ اذا كان هناك احد كافح في سبيل اصدار قرار اخر في مجلس الامن بشأن العراق فذلك كان اسبانيا. واذا كان تحقيق ذلك قد تعذر، فتلك لم تكن مسئوليتنا. وعندما يحاصر مجلس الامن، فذلك يعني في نهاية المطاف انه لم يتمكن من اكمال الوفاء بالتزاماته بشكل صحيح. لكن علاوة على ذلك، هناك في هذا الوضع خلفية لشرعية تحمي التدخل. فنحن نسير على خطى الشرعية المثبتة في عام 1990 التي جاءت نتيجة ازمة الخليج واجتياح الكويت، وتجلت في القرار 678 الصادر عن الامم المتحدة، نسير على خطى القرار 687 لعام 1991 ونسير على خطى سبعة عشر قراراً متعاقباً للأمم المتحدة، تدين العراق فيما يتعلق بعدم التزامه بالشرعية الدولية، التي بلغت اوجها في القرار 1441. واذا كان البعض منا قد ألح على استصدار قرار اخر اضافة للقرار 1441، فلقد كان يدرك ان مثل هذا القرار الاخر لم يكن ضرورياً من الناحية القانونية، لكنه كان من الممكن ان يكون مرغوباً به سياسياً. ومن اجل ماذا؟ من اجل تعزيز الدور المركزي لمجلس الامن. ذلك كان الموقف الاسباني بصورة دقيقة. ـ كان موقفكم اذن الى جانب التعددية؟ ـ انني اؤمن بدور مجلس الامن من اجل سياسة السلام والامن العالميين، ولذلك عملنا في اطار هذا المجلس، كما اننا نعتقد ان على مجلس الامن الاضطلاع بدور بارز، وكذلك الامم المتحدة في عصر ما بعد صدام. ان ما يجري اليوم على ضرورة جعل مجلس الامن يقوم بوظيفته، وذلك هو ما حاولنا القيام به، اما التهديدات المتواصلة باستخدام حق النقض، والتكتلات في مجلس الامن، فإنها توصلنا الى نتيجة محددة، وهي اما ان تطبق الشرعية الدولية واما لا تطبق، وفي جال عدم تطبيقها، فالذي يسود هو الافلات من العقاب، ولا اريد ان يكون المعيار العالمي في المستقبل هو امكانية الافلات من العقاب. ـ ماهو وجه الفشل في موقف الحكومة لأنه لابد من ان شيئاً ما قد توج بالفشل وجعل المواطنين لا يفهمون تلك الاسباب؟ ـ دائماً ترتكب الاخطاء، ودائماً تحرز نجاحات. لكن القضية في هذه اللحظة هي قضية تقويم تماسك موقفنا. ـ هل هو متماسك حقاً؟ ـ في السياسة الخارجية الاسبانية هناك خطان، منذ «التحول»، الخط الاول متماسك، والاخر غير متماسك. وخط التماسك هو خط احزاب مثل الحزب الشعبي واتحاد الوسط الديمقراطي اللذين دافعا عام 1981 عن دخول اسبانيا في التحالف الاطلسي، وكانا من انصار اسبانيا في التحالف الاطلسي، وكانا من انصار بقائها في هذا التحالف من دون الجري وراء المغامرات في عام 1986، واللذين ساندا التدخل في ازمة الخليج عام 1990 ـ 1991، واستطاعا تلبية احتياجات المجتمع الدولي عام 1998 في كوسوفو، وهما متماسكان الآن ايضاً امام الاخطار الجديدة وتهديد تحد الشرعية الدولية. وثمة خط آخر، متماسك ايضاً، وهو خط الحزب الشيوعي الذي عارض دخول اسبانيا حلف الاطلسي والاستمرار في عضويته، ايضاً والذي عارض التدخل في الخليج وفي كوسوفو وهو يعارض الآن التدخل في العراق. مع اني لا اشاطر اصحاب ذلك الخط موقفهم، بيد اني اقول انه خط متماسك. وهناك خط اخر غير متماسك بشكل عميق، ذلك الخط وقف ضد دخول الناتو عام 1981، لكنه دافع عن بقاء اسبانيا في عضويته عام 1986 وبرر التدخل في ازمة الخليج عام 1990 ـ 1991 ولا يبرر التدخل في عام 2003، وهو يبرر التدخل في كوسوفو لأن الامين العام للناتو حينذاك كان اشتراكياً، كما كانت الحكومة الاسبانية في عام 1990 ـ 1991. الفارق هو ان الاشتراكيين الآن هم في المعارضة. وبالطريقة ذاتها، لكن بدرجة اقل، التي وصفت في غمارها عام 1981 الحكومة المنتخبة بشكل ديمقراطي من قبل الاسبان بالقاتلة، الآن تصف بالقاتلة الحكومة المنتخبة بشكل ديمقراطي من قبل الاسبان ايضاً والتي تريد ان يتم الالتزام بالشرعية الدولية. ذلك الموقف غير المتماسك بشكل عميق في السياسة الخارجية الاسبانية هو الذي تبناه الحزب الاشتراكي ولايزال يواصل تبنيه. ـ هل حسبت رد الفعل الرافض للحرب في الرأي العام؟ ـ أن تكون هناك في بلد ديمقراطي، مثل اسبانيا، نسبة مرتفعة من المواطنين الذين اذا سألتهم عما اذا كانوا يقفون الى جانب الحرب ام الى جانب السلام ويقولون لك انهم يقفون الى جانب السلام، فهذا امر اعتيادي بشكل مطلق. وكان يمكن ان يقلقني اشد القلق ان يكون الرد معاكساً، لأننا جميعاً نقف الى جانب السلام، المشكلة هي ان السلام يجب ضمانه، السلام يجب بناؤه، السلام يجب تأكيده. اما ما يقلقني حقاً فهي العملية التي تقف وراء كل ذلك، المقصود عملية تهديد ومحاولة هزيمة الحزب الشعبي. فتلك الرياح التي زرعت في السياسة الاسبانية قد ادت الى عواقب عدوانية فظيعة وغير مقبولة ديمقراطياً. ذلك يقلقني فعلاً. ـ ما هي طبيعة تلك العملية التي تشير اليها؟ ـ عندما توضع شرعية الحكومة في دائرة المساءلة، وعندما يرفض حقها باتخاذ قرارات محددة ومحمية دستورياً، وعندما تناقش بشرعية الحكومة في تمثيل اسبانيا في الخارج وعندما يوصف بالقتلة اعضاء في الحكومة او قادة وممثلون برلمانيون او سياسيون انطلاقاً من مقاعد في مجلس النواب ومن المظاهرات، وحينما توصف حكومات حليفة وزعماء حكومات حليفة لاسبانيا بالقتلة، فهذا يعني ان هناك عملية سياسية تدار بحيث يشجع ويشارك كل ذلك فيها، على الرغم من انه يقال لاحقاً ان ذلك مدان. المشكلة لا تنحصر في ادانة الاعتداءات فقط، المشكلة هي انه لا يجب اطلاق رياح تنتج تلك العواقب لأن ذلك يؤثر سلباً على القواعد الاساسية للتعايش بين الجميع. انها مواقف غير مسئولة. ـ لكن يجب التسليم بالاختلاف؟ ـ انني اتفهم تماماً انك لا تتفق مع الحكومة. لكن ما يحدث في اسبانيا لم يحدث في اي موقع اخر. ويجب التساؤل لماذا حيث السؤال الوحيد الممكن هو ان ثمة نوع من ملاءمة المصالح التي تقول: ايها السادة، لقد ازفت لحظة طرد الحزب الشعبي من الحياة الديمقراطية الطبيعية في اسبانيا بالنسبة لي يبدو ذلك امراً خطيراً ومقلقاً بشكل غير عادي. ـ هل توافق على ان هذا الوضع يمكن ان يتحول الى فاتورة انتخابية بالنسبة للحزب الشعبي؟ ـ نحن نعتمد على رصيد قوامه اننا حزب عقيدة ايديولوجية. ففي مناسبات كثيرة، كان علينا ان نتصرف بمفردنا، ليس لأننا سعينا وراء ذلك، وانما من اجل الاستجابة لما نعتقده. ولقد تفهمنا الاسبان، حيث تصدينا لاصلاحات سياسات الهجرة، وجابهنا اصلاح العلوم الانسانية التي كانت اساسية بالنسبة لاستعادة جودة النظام التعليمي، ووضعنا قيد التنفيذ الخطة المائية الوطنية، التي تعتبر مثالاً لما تمضي عليه سياسة التضامن في اسبانيا، والاصلاح القضائي والتغييرات الاقتصادية وتخفيض الضرائب.. كل ذلك يعني ان الحزب الشعبي هو حزب عقيدة ايديولوجية، واننا لا نترك انفسنا تنساق في مجرى رياح الانتهازية السياسية. فنحن نكمل البرنامج الانتخابي الذي اقرّه الاسبان عبر صناديق الاقتراع. ـ لماذا لم يتوافق الموقف الاسباني مع الحزب الاشتراكي؟ ـ لقد قدمت اربع نقاط تلقى اجماعاً لرودريغيز زاباتيرو، النقطة الاولى منها تقوم على المفاهيم نفسها التي تم من خلالها تثبيت طبيعة العلاقة بين الحكومة والمعارضة خلال حرب الخليج 1991 ـ 1990، ورفضت، وقدمت نقطة اخرى حول وضع البنود القانونية للنقاط المشتركة في السياسة الاوروبية، ورفضت ايضاً، وقدمت نقطة اجماع تنطلق من احترام الخلافات، وتنص على فتح فضاءات للتفاهم من اجل المستقبل، ولقد رفضت كذلك، وقدمت نقطة اجماع اخرى هي تبني نموذج ما فعله المجلس الاوروبي في بروكسل في مناسبات عدة بحيث نثبت الاختلافات ونتفق على الخطوط المستقبلية، ولقد رفضت هذه النقطة ايضاً.لذلك فإن الاستنتاج الوحيد الذي يمكن ان اتوصل اليه هو ان الحزب الاشتراكي لا يهمه سوى ان يزعزع الوضع، وانه لا يهتم بالوضع في العراق، ما يهمه هو استغلال الانتخابي والسعي وراء اكبر قدر من الهلاك واكبر قدر ممكن من زعزعة استقرار الحكومة. ـ هل تشعر في خضم هذا الوضع بأنك وحيد أو معزول أو غير مفهوم؟ ـ لا، فأنا اشعر يقيناً بأني أحظى بدعم حزبي، وعليّ ان اذكر انه الحزب الرئيسي في اسبانيا ـ وأشعر بأني في موقف قوي برفقة حلفائنا الذين يمثلون الى حد كبير بعض النظم الديمقراطية الرئيسية في العالم. وبالتالي فإنني لا اشعر بالعزلة، وأحس قلقاً بسبب الوضع العام لأني أتمنى أن ينتهي في اقرب وقت ممكن وان يكون هناك أقل عدد ممكن من الضحايا. كما اني اشعر بالقلق أيضاً جراء عواقب بعض المواقف الداخلية التي تحاول زعزعة التعايش القائم في الحياة الاسبانية منذ سنوات طويلة. ـ هل يمكن ملاءمة ذلك مع واقع ان الحزب الشعبي والحكومة الاسبانية يمران بأصعب لحظة لهما منذ عام 1996؟ ـ بإمكاننا القيام بعكس ذلك والقول: أيها السادة الاسبان، أيها المواطنون الأعزاء، لا يهمنا شيء، لن ننشغل بأمننا سوف ننشغل بأن نكون ظرفاء أمام الرأي العام. لكني قلت مرات عديدة انه لا يجب ان نطلب من المواطنين تحمل مسئولية ما لا يطيقونه، ويجب طلب ذلك من القادة السياسيين. ولقد اختارونا من أجل الالتزام بواجباتنا في ضمان أمن الاسبان ومنع أن يتعرض الاسبان لخطر مستقبلي ومن أجل ان تكون مصالح البلاد أطواق نجاة وحماية لوجه المستقبل. ـ أليس لكل ذلك ثمن؟ ـ إذا كان لذلك من ثمن، فإننا نضطلع به بشكل عقلاني. فلقد أخذنا على عاتقنا دفع أثمان أخرى في السياسات التي كنا قد طورناها كما قلت لك. ـ لننتقل الى قضية اخرى، هل يوجد ضرر في علاقتنا مع فرنسا وألمانيا؟ ـ لا، ثمة نقطة اختلاف فقط، لكنها ليست متدهورة، حيث لا وجود لخلاف في أي من مسائل العلاقات الثنائية ولا في الاطار الأوروبي في العلاقة بين اسبانيا وفرنسا قد تعكرت بسبب هذا الوضع. ـ هل أخذنا على عاتقنا التزاماً في حل الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني، كما ظهر في كلماتك جزر الأزور؟ ـ بشكل واضح، فلقد تحدثنا مع الإدارة الأميركية حول ضرورة وضع عملية السلام بين اسرائيل وفلسطين حيز التطبيق، ولقد استجدت، خلال الأسابيع الأخيرة التزامات جدية فيما يتعلق بعملية السلام، وليس فقط على صعيد المضي قدماً بهذه العملية، وانما على صعيد تطويرها أيضاً، حيث لعبت اسبانيا دوراً قوياً، وعملت بشدة كي يكون الوضع على هذا النحو، ويسعدني كثيراً في نهاية المطاف ان موقف الحكومة الأميركية كان متجاوباً مع الالتزام بتنفيذ ما يعرف بخارطة الطريق الخاصة باتفاق السلام بين اسرائيل وفلسطين، فذلك يبدو لي أساسياً، إذ أني اعتقد انه عنصر مصداقية سياسية مهم جداً. ـ في أزمة كوسوفو تم طرح أزمة النظام العالمي وجرت ممارسة حق النقض في مجلس الأمن، هل نحن ذاهبون إلى نظام عالمي جديد وكيف ترتسم صورته الإجمالية؟ ـ من وجهة النظر الأخلاقية، تمثل كل ما حدث بنهاية التسعينيات وبداية القرن الواحد والعشرين في عقيدة حق التدخل الانساني، الذي ساندته جميع المنظمات الدولية. وذلك الحق في التدخل الانساني يجب حمايته وبقاءه نافذاً، بشكل متماسك، لمنع وقوع الضحايا والمجازر والقتل في العراق. وفي المستقبل المنظور تظهر قضايا جوهرية: الأولى هي مد جسور متينة في علاقات أوروبا مع الولايات المتحدة، وهي جسور متضررة الآن. وذلك أمر مهم، لأنه عندما تعمل أوروبا والولايات المتحدة جنباً إلى جنب، فإن العالم يكون أكثر أمناً بكثير. وفي المقام الثاني، المضي قدماً في كل عملية الشرق الأوسط. ثالثاً وكاعتبار أخير، فإن العالم بعد سقوط جدار برلين وبعد الـ 11 سبتمبر قد تبدل بطريقة عميقة. وهذا يجب أن تكون له دلالته في الهيئات الدولية التعددية. كيف سيكون ذلك؟ ما يجب علينا الحرص عليه في هذه اللحظة هو الحفاظ على فعالية وصلاحية وقيمة تلك الهيئات التعددية وخصوصاً الأمم المتحدة في الحالة هذه. ومن أجل ذلك، فإن الالتزام بالعمل في الأمم المتحدة وجعل العمل فيها ممكناً، أمر مهم. وما يدعو للدهشة في هذا السياق هو أننا نحن الذين كرسنا أنفسنا لهذه المهمة نبدو بطريقة ما كمتهمين بممارسات أحادية والذين حالوا دون قيام الأمم المتحدة بأداء وظيفتها بشكل صحيح يبدون كأبطال للتعددية. إنها مفارقات الحياة السياسية. ترجمة: باسل أبوحمدة عن «إيه.بي.سي» ـ اسبانيا