السبت 26 محرم 1424 هـ الموافق 29 مارس 2003 قبل ست سنوات من الآن، التقت «غارديان» مع وزير الخارجية البريطاني الجديد حينها روبن كوك لدى تسلمه منصبه عام 1997. واليوم نعود اليه لنجري معه اول لقاء صحافي موسع منذ ان قدم استقالته من وزارة الدولة للشئون البرلمانية، ليخبرنا عن الاسباب التي دفعته لقراره، ويحذر قراءه من المخاطر التي تنتظرنا في عالم السياسة الخارجية. في جلسة استماع عقدها مجلس الشيوخ الاميركي في واشنطن الاسبوع الماضي، استذكر ريتشارد لوغار الرئيس الجمهوري للجنة العلاقات الخارجية في المجلس كلمات للرئيس الاميركي الاسبق تيودور روزفلت. وقال لوغار لمستمعيه ان «روزفلت نصح اميركا بان تتحدث برفق وتحمل عصا غليظة في الوقت نفسه، لكننا في الوقت الراهن نحمل عصا اكثر غلظة بشكل كبير جداً، ومع ذلك يجب ان نكون مستعدين لامضاء وقت اكثر ونحن نتحدث برفق». وعلى بعد الوف الاميال من واشنطن جلس معنا روبن كوك وزير الدولة للشئون البرلمانية السابق وقبلها وزير الخارجية البريطاني، واول وزير يقدم استقالته من حكومة توني بلير لدوافع تتعلق بالمبدأ ليحدثنا عن حطام حياة سياسية. على الطاولة الصغيرة إلى جواري ينتصب ابن عرس محنط كان قد اهدي اليه خلال فضيحة صفقة الاسلحة للعراق في التسعينيات. حينها قاد كوك هجوم المعارضة على حكومة المحافظين، حينما كشف تقرير «سكوت» عن ان وزراءها قد غضوا الطرف عن صادرات محتملة من السلاح للعراق دون الاعلان عن ذلك امام الرأي العام. وينظر كوك إلى الحيوان المحنط، ويقول: «انه رمز حظي الطيب. افترض ان هناك اتساقاً بين الامرين. فقد اكتسبت شهرتي نتيجة قضية تخص العراق، وتركت منصبي الحكومي نتيجة قضية تخص العراق». موقف كوك مبني على اكثر من مجرد الخلاف حول وجوب القيام بعمل عسكري ضد العراق من عدمه وتوقيته، بل هو يشكك في شرعية هذه الحرب، مجادلاً بالقول انه مع اعطاء مزيد من الوقت للمفتشين كان من الممكن تجنبها. لكن هناك ايضاً القضية الاوسع نطاقاً والتي تدور حول دور اميركا في العالم وكيف يجب ان تكون علاقة بريطانيا مع هذا العملاق الاهوج. ويقول كوك انه يرى ازمة في النظام العالمي الذي كان مبنياً في السابق على الاعتراف بأن الامم المتحدة هي الراعي الحصري للقانون الدولي والذي يتراجع الآن امام رغبات الدولة العظمى الوحيدة في العالم. ويقول: «اميركا قوة عظمى، وتستطيع توفير متطلبات المضي منفردة وراء رغباتها. ان بريطانيا فهي ليست قوة كبرى. وليس من مصلحتنا ان نساهم في اضعاف وتهميش المؤسسات الدولية، مثل مجلس الامن. ان مجلس الامن الدولي والنظام الدولي المحكوم بالقواعد قد تضرر بشدة». ويضيف: «هناك شكوك بأن السرعة التي تطورت بها الامور جاءت نتيجة املاءات الاستعدادات العسكرية الاميركية، وليس نتيجة متطلبات الحملة الدبلوماسية البريطانية. وهذا ما جعل من الصعب جداً على توني بلير ان يعبيء الرأي العام الداخلي ومن ثم الرأي العام العالمي وراءه». واوضح كوك انه يساند الجنود البريطانيين: «الآن بدأ القتال، وانا آمل ان تكون العملية ناجحة وان يعود كل الجنود سالمين». بعد ان قرر كوك انه لم يعد قادراً على البقاء في الحكومة يقول انه «مرتاح البال». فأخيراً، اتضحت الصورة حول ما كان يفعله، ويرفض كوك التعليق على قرار كلير شورت وزيرة التنمية الدولية في الحكومة البريطانية العدول عن التهديد باستقالتها، اذا وقعت الحرب بدون قرار دولي ثان: «عندما قابلت توني الاسبوع الماضي، اوضحت له اني قد اتخذت قراري. وهو احترم ذلك».لكن لماذا بذل توني كل هذه الجهود لاقناع شورت بالبقاء في حكومته؟ «اعتقد ان المرء عليه ان يبذل جهود الاقناع مع اناس يتوقع ان من الممكن اقناعهم». الآن وقد اصبح كوك خارج الحكومة، فإنه يستطيع ان يتحدث علناً عما يعتقد به: على بريطانيا ان تعمل على علاج الجروح التي نكأتها مع اوروبا، خصوصاً فرنسا والمانيا، بحثاً عن اي فرصة لايجاد توازن مع سياسات القوة العظمى. ويضيف ان بريطانيا قد القي بها في اتون حرب ضد العراق نتيجة اوامر عسكرية اميركية فإدارة بوش لا تشارك بريطانيا او اوروبا بتصميمها. واذا لم تتمكن بريطانيا من ايجاد طريقة لتقول فيها لا لاميركا، فإن مبدأ التضامن الدولي يصبح ميتاً حينها. ويعرف كوك ان العالم يتعامل مع واقع جديد هو «الدبلوماسية الاستباقية»، وهو المبدأ الجديد الغالب على قلب بوش والمقربين منه. هذه الدبلوماسية واضحة: اميركا ستتحرك متى واينما رأت ان الهدف يهدد مصالحها. واكبر تهديد الآن هو دعم الارهاب الدولي. واي دولة مارقة عليها هي الآن هدف مشروع. ضمن هذا المبدأ يكمن الجدل بأن الشئون الدولية لو تركت للمؤسسات الدولية، مثل الامم المتحدة، فهناك فرصة اكبر للوقوع في مأزق المراوغة والدبلوماسية. واميركا تريد افعالاً وبسرعة. ويمضي هذا الجدل الاميركي اليميني ليقول انه مع مرور كل يوم على بقاء دكتاتور في مكانه يقرب البنية الاميركية من الخطر. اميركا ستتحرك مع تحالف الراغبين اذا اقتضى الامر. وان لم يكن هناك تحالف فلوحدها. لا صبر في هذا التفكير.يقول كوك: «11 سبتمبر اوجد مشهداً جديداً بالكامل، ليس في اميركا لوحدها بل في العالم اجمع، يتصف باولوية والحاح الحاجة للتعامل مع الارهاب الدولي. فقد كان له اثر كبير جداً على المجتمع الاميركي لانهم غير معتادين على حرب تصل اراضيهم». ويتابع: «يمكن اذا ما اخذنا الرد على 11 سبتمبر باعتباره القوة الدافعة وراء السلوك الاميركي في الشئون الدولية، فإني ازعم بقوة ان احد اهم عناصر القوة التي نجمت عن ذلك هو ذلك التحالف المتنوع والقوي جداً ضد الارهاب الدولي». غير ان كوك يرى هذا التحالف وقد تمزق الآن على مذبح الدبلوماسية الاستباقية. فمنذ زمن طويل خططت الولايات المتحدة لغزو العراق ورأت ان شق الامم المتحدة والناتو والاتحاد الاوروبي ثمن مقبول مقابل هذا الهدف. يقول كوك: «أنا لست سياسياً اميركيا، ولكني لو كنت كذلك لاعترضت على هذا الشوط الذي بقيت فيه ادارة بوش في قبولها تفكك عنصر القوة هذا». ويضيف: «بدلاً من ذلك تحركت اميركا نحو الحرب من موقف ضعف دبلوماسي دون ان تكون قادرة على كسب دعم اي منظمة دولية مهمة لها. اننا نمضي نحو المجازفة الخطرة جداً بأحداث هوة واسعة بين الغرب والعالم الاسلامي. وهذا يبدو لي انه قد اودى بعنصر قوة مهم للولايات المتحدة على علاقة بأهم مخاوفها الامنية». لكن كم يحس كوك الآن انه قد ابتعد عن تلك الايام المتفائلة التي اعقبت فوز حزب العمال الانتخابي عام 1997. حينما تحدث كوك بعد ايام من تسلمه منصب وزير الخارجية بعد 18 عاماً شغل فيها المحافظون هذا المنصب، عن نظام عالمي جديد مبني على الاجماع الدولي. وقال حينها: «نريد اخراج بريطانيا من موقفها الانعزالي. نريد ان تكون عضواً قيادياً في المجتمع الدولي. شخصياً اعتقد اننا ندخل مرحلة بلغت فيها السياسات الدولية مرحلة النضج»؟ ويعتقد كوك انه كانت هناك بضع سنوات من التقدم حينما اشترك بلير في رؤيته العالمية مع بيل كلينتون، الذي وافقت ادارته على القيم الجوهرية لبريطانيا، غير ان القرب البريطاني الشديد في ادارة بوش بخصوص العراق امر معيب.ويقول: «الذي تغير في السنتين الاخيرتين هو اننا نتعامل مع ادارة بوش وهناك اشخاص في هذه الادارة ممن لا يهتمون ابداً بأي نظام تعددي يلتزم بالامن والتنمية». ويضيف: «وزارة الخارجية الاميركية ضعيفة جداً. ومحور رايس وتشيني ورامسفيلد هو الذي يحرك ادارة بوش. انهم لا يسمحون باعطاء متسع كاف لوزارة الخارجية وكولن باول». وعن «محور الشر» الذي تحدث عنه بوش وادرج فيه العراق وايران وكوريا الشمالية، يقول كوك انه «ايا كان من كتبه» فهو جاهل بالحقائق. ويتابع: «الاثر الفوري لذلك الخطاب كان تحقيق انتكاسة لكل الاصلاحيين في ايران، واذا ما كان لنا ارساء نظام تعددي فيجب ان يكون لنا كلنا قول في تحديد الاوليات». ويقول كوك ان بريطانيا تجد نفسها الآن في موقف دبلوماسي «ستندم عليه». قريبة جداً من أميركا وبعيدة جداً عن اوروبا. ويتساءل: «أين يفترض بنا أن نبحث عن الاتجاه المستقبلي لعلاقات بريطانيا الاستراتيجية المستقبلية؟ الجواب بالنسبة لي هو اوروبا، لنضمن ان نبقى لاعباً أساسياً وان نكون متحمسين لأن تتحدث اوروبا بصوت عال وهو ما يعني ان نعمل على محاولة الحديث بصوت غير منقسم». ويضيف: «يجب ان نتواصل مع مجتمع دولي قادر على ان يرسي في المؤسسات الدولية والحكومات وضوح ونمط القيم الاوروبية التي لا يوافق عليها كما هو واضح تماماً كثيرون في ادارة بوش». ويقول: «اولاً يجب ان نحترم المعاهدات متعددة الاطراف وثانياً اذا اردنا تحقيق عالم تحكمه القواعد فعلينا احترام الاجراءات الدولية. وهناك ايضاً فكرتان اوروبيتان: الاحترام للبيئة الدولية وان اولويات المجتمع الدولي تعكس الاولوية الكاسحة المتمثلة في التغلب على الفقر. ولن نكسب المعركة الدولية على الارهاب ما لم نكسب المعركة الدولية ضد الحرب». ويشير كوك انه كان يتوجب على بريطانيا ان تقول حينما قرر بوش تجاهل الدبلوماسية. كان المفتشون بحاجة لمزيد من الوقت وكان يجب على بريطانيا ان تكون قوية بما يكفي لتقول ذلك. «اعتقد توني بلير فعلياً انه قادر على ايجاد وحدة وراء الموقف الاميركي في المواجهة وان هذه الوحدة بحد ذاتها ستفرز تقدماً كافياً بخصوص القضية العراقية قادراً على تجنبنا الحرب». ويتابع «احد اسباب عدم مقدرته على ايجاد هذه الوحدة هو ان الناس احست بأن هناك استعجالاً اميركياً للتخلص من السلم بسرعة ما كانت الدول الاخرى مستعدة لمسايرتها». ويواصل: «كما قد بدر عن الولايات المتحدة من الرعونة ما يكفي لزعزعة جهودنا الدبلوماسية. فوصف المانيا وفرنسا باوروبا الغربية لم يكن عاملاً مساعداً لما كان يحاول الدبلوماسيون البريطانيون تحقيقه». ويخلص إلى ان «احد الدروس المهمة المستفادة من ذلك هو اننا فيما يجب ان نحتفظ بتحالفنا التقليدي مع اميركا اذا كانت تحت ادارة لا تشاركنا رؤيتنا للعالم ولقيمنا فيجب ان نحرص ايضاً على ان نبقي على مسافة كافية بيننا وبينها لتبقي الخيار البريطاني قائماً بإمكانية اتخاذها مواقف اخرى». قريباً جداً سيرحل كوك وابن عرسه عن شقته الحكومية التي عاش فيها منذ عام 1997. ويتوقع ان طريق الاستقالة هو «طريق باتجاه واحد» وانه من غير المحتمل له العودة للحكومة. وانه في كل يوم يشاهد فيه القصف على التلفزيون سيبقى متيقناً من انه كان بالامكان تجنبه. ترجمة : جلال الخليل عن « أوبزرفر»