الخميس 24 محرم 1424 هـ الموافق 27 مارس 2003 ما الذي حدث للمسلمين؟ سؤال قد يبدو للوهلة الاولى بسيطا سهلا، لكنه بالتأكيد لا يفتقر الى الصعوبة ولا التعقيد كما انه يثير الاسى في ضوء وقائع اليوم، ذلك ان المسلمين، كانوا يوما ما سادة العالم علما وفكرا وثقافة وثراء، واجتمعت لهم عناصر القوة والقدرة فكانوا حقا الخلفاء في الارض، وتسيدوا علوم الطب والهندسة والفنون والآداب، كانت لديهم ثروات طائلة وطاقات هائلة. اين هذا كله الآن؟ أين المجد الاسلامي الذي كان مرتبطا اشد الارتباط بالمسلمين؟ لماذا انقلبت حاله رأساً على عقب؟ انهم اليوم بعد ان كانوا سادة العالم في الهندسة، اصبحوا ينقلون عن الغرب احدث النظريات الهندسية، لماذا حدث كل ذلك؟ كيف يمكننا ان نفهم اسرار هذا التجول؟ ان مايحاوله مؤلف الكتاب الذي نناقشه هنا هو ان يجيب على كل هذه الاسئلة بحد ادنى من الوضوح والصراحة والدقة العلمية. يقول المؤلف ان العالم الاسلامي الذي كان يقود العالم في شتى المجالات اصبح متخلفا عن هذا العالم في شتى المجالات ايضا، والحضارة الاسلامية التي كانت سائدة قبل مئات السنين لم تعد كذلك الآن، بل تخلفت ليس فقط عن الغرب ولكن تخلفت ايضا عن شرق آسيا والعديد من المناطق الاخرى في العالم.هذه هي المشكلة اذن، او بمعنى آخر هذا هو اللغز الذي يحاول المؤلف ان يفك طلاسمه، ولكن من منظور محدد هو ما يتعلق بالجيوش الاسلامية حيث يتعرض ضمن ما يناقشه للفشل العسكري الذي حدث للمسلمين في اوائل القرن الثامن عشر وتأثير ذلك التحدي على الحضارة الاسلامية، ويقترب المؤلف كثيرا من الاجابة على العديد من الاسئلة المطروحة بل ويتعداها الى تأمل آفاق المستقبل كما تبدو من المنظور الاسلامي. والمؤلف لا يتطرق فقط الى اسباب تخلف المسلمين لكنه يتناول ايضا اسباب تفوق الغرب وتأثيره في السياسة والادارة والعلوم في الشرق الاوسط. وهو يستعرض ايضا التاريخ الاقتصادي للمنطقة الذي يعد احد المحاور الرئيسية للاجابة على السؤال الاكثر اهمية: ماذا حدث للمسلمين؟ ويتناول الكتاب العلاقات القديمة بين الاسلام والمسيحية بدءا من انطلاق الرسالة المحمدية حتى عصر الاصلاح، حيث يشير المؤلف الى انه كانت هناك علاقات تجارية بين المسلمين والمسيحيين الى جانب التفاعل الثقافي والحضاري بينهما خلال الفترة التي كان يسيطر فيها العرب على معظم حوض البحر المتوسط وانه قد عاش المسلمون مع المسيحيين جنبا الى جنب. ويتعرض الكتاب لجذور العلاقة بين الاسلام والغرب، ويلقي الضوء على القضايا التي اساءت فهم الاسلام في الغرب. ويفسر المؤلف كيف ان وسائل الاعلام الغربية عند تغطيتها لاي قضية تتعلق بالاسلام، تبادر الى تناولها من منظور المصالح السياسية التي تخدم اغراض الغرب بشكل عام. ويؤكد المؤلف ان الغرب في حاجة الى ان يتفهم ان المشكلة مع الاسلام هي في جوهرها سياسية وليست ايديولوجية. ويوجه مؤلف الكتاب رسالة الى القاريء الغربي مفادها: اذا كانت معلوماتك عن الاسلام والمسلمين مقتصرة على ما تقرأه في الصحف من انباء الارهاب والانظمة الاسلامية المتطرفة، فأنت في حاجة الى ان تقرأ هذا الكتاب لكي تصحح بعض المفاهيم الخاطئة لديك. ينقسم الكتاب الى 9 فصول يتناول كل منها احد الموضوعات المهمة وفي صدرها: الجيوش الاسلامية بعد الغزو، اجور ومرتبات الجيش في الدولة الاسلامية الاولى، الحرب العباسية الاولى، جيوش سامراء، آخر جيوش الخلفاء، الاسلحة والمعدات في الجيوش الاسلامية الاولى وغيرها، كما يعرض الكتاب بعض الخرائط التي يتعرف من خلالها القاريء على مواقع الدول العربية والاسلامية. ويكتسب هذا الكتاب اهمية من ان مؤلفه كيندي يعمل استاذا لتاريخ الشرق الاوسط بجامعة سانت اندرو وله العديد من المؤلفات من بينها: «الخلافة العباسية الاولى» (1980) ، «الرسول وعصر الخلفاء» (1986)، «اسبانيا والبرتغال الاسلاميتين» (1996)، وغيرهما. أفراد ومؤسسات يقول المؤلف ان هذه الدراسة حول الجيش في بدايات العالم الاسلامي تعتمد اساسا على مصادر جمعها مؤرخون عظام، امثال الطبري، وليس هناك شك في ان هذه الكتابة التاريخية بكل تراثها وتنوعها تشكل احدى دعائم علم التاريخ، لها سماتها الخاصة التي تؤثر في النتائج التي يتوصل اليها المؤرخون. وقد كان المؤرخون الاسلاميون الاوائل اكثر اهتماما بالافراد وجماعات الافراد اكثر من اهتمامهم بالمؤسسات فهؤلاء المؤرخون لم يناقشوا او يتعرضوا لموضوع الجيش كمؤسسة، ولكن تعرضوا له من منظور اداء مختلف الاشخاص في الحروب، سواء الحروب التي نشبت فيما بينهم، او الحروب التي كانوا يخوضونها معا ضد قوى اخرى. ولم يناقش المؤرخون الاسلاميون او يتعرضوا ايضا للمؤسسات مثل الديوان او وسائل دفع الاجور، او كم يحصل شخص او مجموعة ما في احدى المناسبات. وقد ادى ذلك الى ان كانت كتابة التاريخ بعيدة عن الطابع المؤسسي تماما ويستعرض الكتاب العديد من المسميات الشرقية الخالصة مثل مؤسسة الشرطة التي يعود ظهورها المؤسسي الى بدايات العصر الاموي لكن لايوجد مصدر واحد يحدد لنا وظيفة هذه الشرطة او تكوينها. ولكي نعرف ما الذي كانت تفعله الشرطة في تلك الاوقات، لابد ان نجمع امثلة عن الشرطة وما الذي كانت تفعله والاسماء المختلفة لها وقادتها في عصور مختلفة. بهذه الطريقة يمكن ان نعرف ان الشرطة في عصر الخلفاء الامويين كانت مؤسسة عضويتها مستمرة من خليفة الى الخليفة الذي يليه، اكثر منها مجرد حارس يتم اختيار لحراسة الحاكم. وكان استمرار اسماء القادة يعني استمرار المؤسسة ذاتها، وبهذه الطريقة ايضا يمكن ان نوضح ان قادة الشرطة في المدن المهمة مثل البصرة والكوفة والفسطاط كان يتم اختيارهم عن طريق الحكام الامويين من بين الصفوة المحلية، وبالتالي كانت وظيفتهم الاساسية هي ان يكونوا حلقة وصل بين هذه الصفوة وسلطة الخليفة ومن يمثله . لكن لا يوجد مصدر واحد يدلنا على ذلك بوضوح وان كان المصدر الوحيد لذلك هو اللجوء الى السيرة الذاتية للاشخاص. ويؤكد مؤلف الكتاب انه تم العثور على مراجع عن القادة العسكريين في اوائل الفترة العباسية لكن على الرغم من ذلك ليس هناك مصدر واحد يؤكد كيف يتم اختيار القائد او ماهي واجباته، ولكن يمكننا التوصل الى ذلك عن طريق السير الذاتية لأي قائد ونستخرج من هذه السير ماهي طبيعة هذا القائد، وماهي فظائعه التي اضطلع بها. وهناك تناقض ملحوظ في هذا الصدد مع المصادر المتوفرة امام جون هالدون عندما كان بصدد الكتابة عن «الجيش البيزنطي» الذي يعد نسخة مطابقة من هذا الكتاب، فقد وجد هالدون امامه بعض الاعمال مثل ذلك الكتاب الذي الفه الامبراطور قسطنطين الذي كان يناقش مؤسسات الادارة، وكان بالمصادفة يذكر اسماء الافراد الذين لعبوا ادوارا مهمة. وعلى العكس من ذلك فإن سير الاشخاص هي التي اوضحت لنا طبيعة ممارسات جيوش المسلمين بدلا من التفسير او الوصف اللذين يشكلان المادة الاساسية لهذا البحث. ومن بين السمات الاخرى للمصادر العربية تقوية السرد القصصي، ولدينا روايات كاملة ـ واحيانا حية ـ ومثيرة للعمليات والمعارك العسكرية. الجيش والمجتمع يقول المؤلف: لقد حاولت في هذا الكتاب ان اكون عادلا في اختيار هذه المادة سواء بالتلخيص او الاقتباس المباشر. ويضيف: عند بعض المنعطفات حاولت ان اركز على بعض المناوشات او المواجهات الرئيسية التي وردت في تلك النصوص واستخدامها كمصادر توضيحية لما اشار اليه جون كيجان بـ «وجه المعركة» في عصور مختلفة. ويؤكد المؤلف انه اذا ما اردنا التحقق من الجيش والمجتمع علينا أن نحاول ان نفهم ما الذي كان يحدث في المعارك وكيف كان يتم تسجيل ذلك. وقد ظهرت مشكلة عدد الجنود في الجيش في تلك الازمنة، وبعض النقاد يؤكدون ان الاعداد التي ذكرها في المصادر الاولى للعصور الوسطى قد يكون مبالغا فيها او غير حقيقية. ويقول المؤلف ان هؤلاء النقاد قد يفاجأون بأنني اعتمدت على هذه الاعداد كقاعدة للمناقشة في العديد من المناسبات. ويؤكد ان هناك اسباباً وجيهة لذلك، ففي العديد من الحالات نجد ان الارقام الواردة تكون مقبولة ظاهريا في سياق السجل التاريخي، اما الارقام المبالغ فيها التي كانت تواجهنا احيانا فهي نادرة. ويؤكد المؤلف ان ذلك ليس سببا مقنعا للوثوق بهذه الاعداد او الارقام لكنها على الاقل تعني انه في كثير من الاحايين ليست كبيرة الى حد المبالغة. والتبرير الاجباري لقبول هذه الاعداد كمرد عام هو ان القوات كان يتم حصرها وعدها في ذلك الوقت، ومنذ حكم عبد الملك بن مروان فصاعدا كان للجنود اسماؤهم المسجلة في الديوان وكانت لهم لائحة للمرتبات وألاجور، وعلى سبيل المثال فعندما سمع ابو مسلم بأن مجموعة من الجنود تحت قيادة محرز ابراهيم تجمعوا لتأييده، امر الكاتب بأن يذهب لعدهم، وان يجمع اسماءهم في كتاب ووجد ان عددهم حوالي 804 جنود، كما ان طريقة دفع الاجور تؤكد ان الجنود كان يتم حصرهم وعدهم بانتظام. والعدد لابد ان يكون معروفا على الاقل بالنسبة للكتاب الذين يقومون باعداد كشوف الاجور والمرتبات ويسلمونها للقادة، وبعض المصادر المعاصرة كانت ماهرة في تقدير العديد من الجيوش. ولم يمر وقت طويل بعد هزيمة الخليفة الاموي مروان بن محمد على يد الخليفة العباسي عبدالله بن علي عام 132ه/ 750 م، مما يعني نهاية العصر الأموي. وقد روى الحكاية التالية ابو مصعب بن مصعب من الموصل الذي كان احد كتبة مروان بن محمد حيث يقول عندما انهزم مروان، وانتصر عبدالله على سوريا طلبت العفو فعفا عني، وذات يوم كنت اجلس معه وكان متكئا عندما تحول الحديث الى الخليفة المروان وهزيمته فقال لي : هل كنت موجودا في المعركة؟ فقلت: نعم ما اعز الله الامير، فبادرني قائلا: حدثني عن المعركة؟ فقلت: اثناء النهار طلب مني الخليفة مروان، ان اقدر عدد جيش العدو فقلت له انني كاتب ولست رجلا عسكريا ثم نظر يمينه ويساره وقال لي: انهم حوالي 12 الف رجل ثم اعتدل في جلسته وقال: لعنة الله عليه، كان هناك 12 الف رجل في الديوان في ذلك اليوم. ويقول المؤلف: ان ذلك لا يعني ان جميع الارقام يجب الوثوق بها ضمنيا، فأحيانا يتم تسجيل ارقام متعارضة، وغير دقيقة وهناك شكوك تدور حول ان الجيش في العصر الاموي كان يبلغ قوامه اربعة الاف رجل، وربما يكون هذا الرقم يمثل صيغة لقوة عسكرية صغيرة الى متوسطة الحجم، ومن غير المعقول ان نعتمد كثيرا على تقديرات الجيوش قبل انشاء الديوان. وهذا ايضا ينطبق على اعداد جيوش الفتح الاسلامية التي كانت اعدادها كلها اعدادا تقديرية. ويضيف المؤلف ان تقديرات اعداد جيوش غير المسلمين وخاصة او المتطوعين او المتمردين الذين لم يتم تسجيل اسمائهم في الديوان يجب ان نتعامل معها بكثير من الشكوك والحذر. ويؤكد المؤلف انه من المهم ان نكون حذرين تجاه حالات يكون فيها سبب واضح للمبالغة لاسباب دعائية، مثل ان يكون هناك جيش صغير للمسلمين هزم عددا كبيرا من البيزنطيين، او جيش صغير من القوات العباسية تحارب جيشا اكبر من الامويين. وعموما يقول المؤلف فإنني اعتقد ـ متسلحا بذلك الحذر ـ ان الاعداد الواردة حول الجنود النظاميين، اي الجنود المسجلة اسماؤهم في الديوان، يمكن قبولها كمؤشر تقريبي للاعداد الفعلية. وهناك مشكلة اخرى نظامية تتعلق بالمصادر غير الموثوق بها، فهناك بعض النزاعات التي يتم تغطيتها، والكتابة عنها باستفاضة وبتفاصيل عديدة، في حين أن هناك معارك يمر عليها المؤرخون مرور الكرام. هل الحملات العسكرية التي اخبرنا بها نمطية ام استثنائية؟ سوف نحاول ان نستنتج ذلك من الامثلة التي لدينا. الارقام التي ذكرت في اعمال مؤرخين كبار، مثل الطبري وغيره، تختلف اختلافا كبيرا من حيث النوع. كثير من الارقام تأخذ شكل حكايات او روايات بمعنى ان تكون ارقاما اولية، الا انه على الرغم من ذلك فإنها تشمل معلومات حول الخطط العسكرية والمعدات الحربية وهي معلومات يبدو انها صحيحة الى حد ما. تحت غبار المعارك من اجل تحقيق اهداف هذه الدراسة، يقول المؤلف ان العنصر الاساسي انهم لا يعكسون او يرصدون ما يحدث بالضبط في معركة او حادثة ما لكنهم يوضحون ما يحدث في ساحة القتال في ذلك الوقت. ان ثراء الارقام المذكورة لا يعكس دائما الاهمية الكبرى للمعارك ذلك لانها تعتمد على المواد او المعلومات الباقية اكثر مما تعتمد على الذاكرة الحية. لذلك فاننا نعرف القليل عن المعارك التي اثرت في تاريخ العالم الاسلامي فمثلا المعركة التي وقعت في عام 684م/ 65 هـ التي ادت الى تولي الفرع المرواني من الاسرة الاموية الحكم، على سبيل المثال وكذلك معركة الري في عام 811م/ 195 هـ التي انتهت بانتصار المأمون على اخيه الامين، فنحن نعرف اسماء المشاركين الرئيسيين والنتيجة النهائية ولكننا لا نعرف ماذا حدث في غما الفوضى التي وقعت او لماذا انتصر جانب على آخر او لماذا انهزم فريق امام آخر. ومن المفاجأة ان تكون لدينا معلومات تفصيلية قليلة جدا حول الغزوات الاسلامية ضد البيزنطيين، ومن المعتقد ان هذه الحملات التي كانت محل تركيز الانشطة العسكرية للحلفاء الامويين والعباسيين، والتي كانت تحدث بالقرب من مقاعد الحكم ادت الى ظهور تأريخ يشيد بالحكام والجيوش المسلمين. وفي الواقع لدينا اكثر قليلا من تلك الغارات ونتائجها. وعلى عكس هذه الحكايات، فان لدينا ارقاما ومعلومات اكثر ثراء حول بعض المعارك الاخرى، والسبب في ذلك جهود اثنين قاما بجمع هذه المعلومات والارقام والتي اعتمد عليها الطبري وهي ابو مخنف والمدائني وابو مخنف بن يحيى الزادي المتوفى 774/157 من سلالة علي كرم الله وجهه وكان مقيما في العراق. وقام بتأليف عدة كتب ورسائل بعضها كان يعتمد عليه الطبري في كتاباته. وفي كثير من الحالات فان الذين قاموا بجمع المعلومات والارقام والحقائق كان بوسعهم التحدث مع شهود عيان او مع اشخاص شاركوا في المعارك بالفعل. كان غرض ابو مخنف من تأليف كتبه التذكرة اكثر منه عرضا عسكريا لكن طريقة الكتابة واسلوب العرض يبدو حيا وواضحا وقد سطرته عين فاحصة. اما علي بن محمد المدائني (المتوفى عام 850/235) فقد كتب بطريقة مكثفة ـ ضمن موضوعات شتى ـ عن تاريخ خراسان، وخاصة عن ذلك الصراع الطويل بين المسلمين والاتراك وغيرهم ذلك لان المدائني كان ابعد من ابو مخنف زمنا ومسافة عن مسارح الاحداث التي كان يصفها. كان ذكره للمعارك في معظمه وصفيا، لكنه كان يحتفظ في هذا الوصف ايضا بالكثير من المواد المثيرة والشيقة، ذاكرا فيها نتائج الحروب في آسيا الوسطى اكثر مما كنا نعرفه في الحرب ضد البيزنطيين. كانت مصادر تاريخ الحروب في المرحلة العباسية الاولى تتسم بالحذر واقل شفافية وكشفا للحقائق والارقام عن العصر الاموي، وعموما فان المصادر التي استخدمها الطبري متعددة ومتناثرة وكانت تفتقر الى روايات تدعمها. وبالتأكيد ليس هناك شيء يمكن ان نقارنه مع وصف ابو مخنف للمعارك في العراق او حتى في روايات المدائني. والروايات الطويلة التي نعرفها وخاصة رواية عمر بن شبه حول خروج محمد النفس الزكية واخيه ابراهيم في المدينة والبصرة عام 762/763/154 كانت تبدي اهتماما كبيرا بالخطاب الديني والسياسي اكثر مما كانت تهتم بتفاصيل المواجهات العسكرية. كانت الروايات الخاصة بحملات خازم الخزيم هي فقط اكثر الروايات بجو المعارك. وفي العصر الاموي كنا نعرف القليل عن المحاكم لكننا كنا نعرف الكثير عن الانشطة العسكرية. وخلال الفترة العباسية الاولى، انقلبت الاوضاع واصبحت المحاكم تحظى بمزيد من لاهتمام في حين ان الحملات العسكرية حتى الحملات الكبرى منها التي كان يشارك فيها الخليفة نفسه مثل هجمات هارون الرشيد علي الامبراطورية البيزنطية فكان يتم معالجتها بطريقة سطحية، بحيث لا نستطيع ان نكوّن اي انطباع حقيقي عن المعارك الدائرة. اما الروايات حول الحرب الاهلية التي اعقبت وفاة هارون الرشيد عام 809/193هـ فانها تقدم تفاصيل اكثر حول النشاط العسكري كما ذكر من قبل كما ان المعركة الكبرى خارج الري في عام 811/195هـ فقد تم ذكرها بشكل غامض، وباستخدام المصطلحات المختصرة التي يستحيل معها ان تفهم شيئا عن الصراع او المعركة. وعلى العكس من ذلك، فان حصار بغداد الذي اعقب ذلك اثار العديد والكثير من الرؤيات الحية عن الحصاار في الحرب والمعارك الدائرة والتي لم نعرفها من قبل في الادب العربي. وفي القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي ظهر نوع جديد من الروايات. فعلى عكس الروايات التي كانت شائعة في اوائل العصر الاسلامي التي كانت تستخدم اخباراً متعددة ومتوازية واحياناً متعارضة، فإن النوع الجديد من الروايات كان يهتم بسير المعارك العربية، وكان هذا النوع الجديد من الروايات يقدم ايضاً وصفاً تفصيلياً للمؤسسة العسكرية والمعدات الحربية. ويبدو هذا النوع الجديد من الروايات في وصف حملة المعتصم ضد عمورية في عام 838م/233هـ والروايات المستفيضة حول الحملات العسكرية ضد الباباك في اذربيجان (834 ـ 837/219 ـ 222). ومن اهم الروايات تلك الرواية التي تتحدث عن حملات الموفق ضد الخارجين على الدولة في جنوب العراق (266 ـ 270/789 ـ 883). وهذه الروايات شهدت تغييراً حقيقياً في طبيعة الجيوش الاسلامية او تغييراً في طريقة كتابة التقارير العسكرية او كليهما معاً. وكانت المصادر التاريخية الاسلامية الاولى مخزوناً للأخبار والمعلومات كما كانت في الوقت نفسه مصدراً للمعاناة، فقد كانت اولوياتهم مختلفة عن اولوياتنا او على الاقل فيما يتعلق بهذه الدراسة. كما ان هناك العديد من الاسئلة لم نستطع الاجابة عنها حول تلك الفترة. أهمية الذاكرة ان اطار هذا الكتاب مقصور على طبيعة المصادر التي اعتمد عليها. ويوضح اهمية التأريخ بصفة عامة والتأريخ العسكري بصفة خاصة. فمن المهم ان تكون للأمة الاسلامية.. بل والعربية ذاكرتها المتمثلة في تدوين تاريخها القديم من خلال من عاصروه من مؤرخين وشهود عيان او من خلال امهات الكتب الصادرة في تلك الازمنة. ما احوجنا نحن العرب والمسلمين الى مصادر موثوق بها تتناول تاريخنا المجيد وماضينا العتيد. ما احوجنا الى كتب ترصد التقدم الذي كان يلازمنا، والانتصارات التي كانت عنواناً لنا والامجاد التي كانت مرادفة لنا.. نحن العرب والمسلمين. ان هذا الكتاب يمثل ناقوساً يدق مؤكداً انه لابد لنا من مزيد من الاهتمام بالكلمة، والمعلومة والاحاديث، والروايات حول البطولات التي قدمناها والمعارك التي خضناها والمعارك التي انتصرنا او حتى تلك التي لم يحالفنا فيها النصر. ونحن في حاجة حقاً الى تسجيل هذه الحقائق والارقام والمعلومات للاجيال القادمة، فهذه الاجيال الشابة على امتداد العالمين العربي والاسلامي من حقها ان تعرف كل الحقائق على احداث وقعت في زمان غير زمانهم لأنها في المقام الاول تضيء واقعاً حاضراً وتستشرف مستقبلهم