الاربعاء 23 محرم 1424 هـ الموافق 26 مارس 2003 لا يزال التعريف الشهير الساري للحرب هو انها «استمرار للسياسة بوسائل اخرى». لكن الحرب على الرغم من ذلك هي في عالم الواقع فشل للسياسة. وهذه الحرب التي تشنها أميركا على حساب مصالحها هي بشكل خاص فشل لسياسة كولن باول. وحتى لو صدقنا ان هذه الحرب مبررة، فان الطريق اليها كان استعراضا قبيحا للانتهازية والتنمر والتفكك والنشاز الأميركي. وقد تجاهلت الولايات المتحدة أزمات خطيرة اخرى حول العالم، وأبعدت عنها الحلفاء الذين نحتاجهم لتفعيل كل بند تقريبا على جدول أعمالنا، وتخلت عن الأصدقاء الذين يعملون لصالح القيم التي تعاهدنا على تصديرها. وحينما انتهت آخر محاولة دبلوماسية بالفشل، مؤخرا، كنت موجودا في باكستان، التي يعيش فيها اولئك الذين يتحدثون دعما للمبادئ التي ندعمها والتي تدور حول الليبرالية. وفيما مضت أميركا في حربها ضد العراق، كان من المحزن جدا ان اسمع تعابير اليأس من جانب اولئك الليبراليين البؤساء فهم مقتنعون الآن بأن قضيتهم ـ وهي قضيتنا ـ ستختنق بالعداء لأميركا، ليس لأننا نحارب، بل للطريقة التي ذهبنا بها للحرب. آمل ان يكونوا مخطئين وان يستعيد الرئيس بوش النوايا الحسنة التي حظيت بها أميركا بعد 11 سبتمبر. لكن في ميدان صراع الأفكار ـ قضية كيفية استخدام أميركا لقوتها ـ يبدو باول وقد هزم وانتهى. وحينما تنتهي الحرب، وحينما لن يكون رحيله عن الادارة زعزعة لموقف الرئيس في وقت أزمة، يجب عليه ان يعترف بالهزيمة، ويمضي. لا أستطيع أن أتذكر عدد المرات في السنتين الماضيتين التي سمعت فيها ـ أحيانا على لساني انا ـ تعليقات تقول ان ادارة بوش ستكون مخيفة اكثر بدون كولن باول. فدبلوماسو الحلفاء ورجال الاعمال العالميون والتيار السائد في اوساط السياسة الخارجية الأميركية اعتبروه الناضج الوحيد في ادارة من المراهقين ذوي وجهات النظر المتقوقعة عن العالم. فقد كان هو من اعترف بأن الدول الاخرى لديها مصالح مشروعة وأنه في ممارسة الولايات المتحدة لقوتها غير المسبوقة هناك شيء من الكرم لأن ما يذهب يعود ويأتي. وحذره البراغماتي عكس اخلاقية تصل احيانا حد الاستهتار. واذا ما بدا الآخرون، ومن بينهم الرئيس، وقد سلموا انفسهم لتيار الغطرسة، كانت كلمة باول لها مصداقيتها، على الأقل حتى بدأ البيت الابيض يصل حد المساس بمصداقيته في اندفاعته نحو الحرب الذي ما عاد يستطيع انتظارها. وحتى لو كان احد نا لا يشاركه في حذره العسكري بخصوص التدخل العسكري على سبيل المثال، احسسنا انه يتحمل بعض المسئولية عن التباطؤ الاميركي الشديد خلال فظائع البوسنة ـ فقد كنا ننام مرتاحين لمعرفتنا انه موجود على الساحة لتقويم التكاليف وتوفير البدائل لها. لقد كان صوت الاعتدال بين المتشددين. لقد استطاع باول لبعض الوقت كبح جماح الغطرسة الأميركية المتزايدة. فعلاقاتنا مع روسيا والصين تجاوزت الخلافات الاولى بخصوص قضية الدفاع الصاروخي وغيرها، وذلك يعود الى حد كبير لكولن باول ذلك الشخص المهدئ. الدبلوماسية القديمة استطاعت ان تحشد خلفنا الدعم العالمي لحربنا في افغانستان وحربنا الاوسع ضد الارهاب. وبفضل باول استطعنا «ولو متأخرين» ان نحول قضيتنا ضد العراق الى قضية للأمم المتحدة ضده، وان التصويت بالاغلبية الكاملة لصالح القرار 1441 كان نتاجا خالصا لدبلوماسيته. كما ان باول كما عرفت كان هو من قاوم فكرة خوض حرب العراق بأقل الامكانيات ـ قوات اقل وتقنيات اكبر. ولهذا فقد انتصر فعلا في بعض المعارك الكبيرة. لكن هذه هي المشكلة بالضبط، فمهاراته الفائقة قد استخدمت كثيرا في حرب عصابات لكسب روح الرئيس وقد انتصرت. وقد اخذ منتقدو الادارة والصحافيون يقارنون اداءه في تعبئة العالم للحرب بما فعله جيمس بيكر قبل اندلاع حرب الخليج السابقة عام 1991 لغير صالحه، لكن المشكلة ان بيكر كان يتحرك وهو يعرف انه الذراع اليمنى للرئيس، اما باول فكان مشغولاً دوماً بحماية جناحه الأيمن. عن« نيويورك تايمز »