الثلاثاء 22 محرم 1424 هـ الموافق 25 مارس 2003 (ف) تحلم منذ ثلاثة اسابيع متواصلة بأنها هي وعائلتها وباقي سكان رام الله قد أبعدوا من المدينة. كلما تحول الهجوم على العراق الى أمر أكثر تحققا، تحولت المشاهد التي تظهر في حلم (ف) الى صور أكثر وضوحا واصرارا. الجيش يوجه أوامره للجميع في تلك الأحلام المفزعة بأن يخرجوا من منازلهم ويقوم بتحميلهم الى مناطق خالية من كل شجرة أو بناء. (ف) تفقد زوجها واثنين من أولادها الاربعة وأطفالا باكين ومسنين يولولون «سينصبون لنا مخيم لاجئين جديد هنا». (ف) المواطنة من رام الله تضحك في إرباك وهي تتحدث عن حلمها. ومن السهل الوصول الى مصادر هذا الكابوس: الشارع الفلسطيني يشعر بالخوف والاشاعات حول امور مرتقبة فظيعة منتشرة. الابعاد الجماعي للناس هو أحد سيناريوهات متوقعة وشائعة في أحاديث الناس في كل مكان، وهو يثير في نفوسهم خوفا حقيقيا. وكيف سيحدث ذلك؟ عندما يركز العالم أنظاره حول ما يحدث في العراق سيكون هناك تعتيم اعلامي أقوى من المعتاد على كل ما يفعله الجيش الاسرائيلي في المناطق الفلسطينية، كما يقولون. ومن الذي سيضمن في هذه الحالة عدم قيام اسرائيل بعملية جماعية في ظل التعتيم المذكور؟. خلال الاسابيع الاخيرة أخذ الناس يعدون أنفسهم لخمسة سيناريوهات مرعبة متوقعة. هذه السيناريوهات لا ترتكز الى معلومات استخبارية أو تحذيرات صريحة من جهات اسرائيلية، وانما تعتمد على تجربة الماضي القريب والبعيد بالنسبة للفلسطينيين. أحد السيناريوهات المذكورة هو فرض اسرائيل، كما فعلت خلال العامين الماضيين، لاغلاق داخلي أكثر تشددا من العادة. أي ان حركة الناس والسيارات والأدوية والمواد الأساسية ستقيد أكثر مما هي الآن. السيناريو الثاني يرتكز على تجربة حرب الخليج السابقة في عام 1991، حيث فرض الجيش الاسرائيلي حظر التجول الكامل على المناطق لستة اسابيع. والسيناريو الثالث يرتكز على تجربة الشهرين الاخيرين وعملية «السور الواقي» في ابريل 2002. والاعتقاد هنا هو ان اسرائيل ستكثف من هجماتها العسكرية على المدن والمخيمات وتشوش عملية إمدادهم بالاحتياجات الأساسية من ماء وكهرباء، وان عدد القتلى والمصابين سيزداد. السيناريو الرابع يتحدث عن إبعاد داخلي في أرجاء الضفة ويظهر في أحلام (ف) مرتكزا على ذكريات حرب يونيو، في ذلك الحين قامت اسرائيل بإبعاد سكان ثلاث قرى في اللطرون ودمرت منازلهم فورا، وبعدها بسنوات أقامت «متنزه كندا» هناك. الجيش بدأ في حينه بطرد الناس من قلقيلية وتدمير منازلهم المجاورة للخط الاخضر، الا ان المعارضة الاسرائيلية الداخلية أوقفت العملية. الناس طردوا في حينه من طولكرم ومخيماتها وبعضهم نزح الى الاردن أو نابلس. وأكثر من مائة ألف شخص كانوا يعيشون في مخيمات الغور أجبروا على الفرار الى الاردن. جغرافيا سياسة الابعاد التي تقضي باخلاء كل ما هو قريب من الخط الاخضر والحدود واضحة، والآن يخشى الفلسطينيون من مواصلة اسرائيل لعملية ضم المناطق القريبة من الخط الاخضر. منذ مدة وجيزة تم سلب عشرات آلاف الدونمات من الفلسطينيين خلال بناء الجدار الأمني الفاصل غربي الضفة، والآن يخشون من ان تبادر اسرائيل الى الابعاد فعليا في ظل الحرب. وتقدير النشطاء في المؤسسات غير الحكومية هو ان أول من سيكون في الطابور هم 14 ألف نسمة موزعون على 15 قرية ستكون حسب مسار الجدار الأمني الفاصل بين الجدار وبين الخط الاخضر. وعائلة (ف) تقطن في احدى هذه القرى. السيناريو الخامس يعتمد على ذاكرة أبعد وتقود الى عام 1948 حيث الابعاد الجماعي، وهذا يتعزز مع وجود حزب الاتحاد الوطني الذي يدعو علانية الى ترحيل الفلسطينيين. انتخاب أبو مازن أضفى الغموض قليلا على السيناريو السادس وهو إبعاد ياسر عرفات أو حتى اغتياله. هذا السيناريو كان يذكر من ضمن السيناريوهات الاخرى حتى ما قبل شهر. أما الآن فلم يعودوا يتحدثون عنه. هناك فجوة كبيرة بين شدة وصعوبة السيناريوهات المتوقعة وطرق مواجهتها. اذا كانت السلطة قد أعدت خططا لمواجهة الامور المتوقعة فان الناس لم يسمعوا عنها. وهكذا تبقى مواجهة السيناريوهين الاول والثاني عائلية ـ شخصية بالأساس. الناس أخذوا في الآونة الاخيرة يجمعون الأغذية ويستعدون لحظر التجول الطويل. المجتمع الذي يعيش فيه 60 في المائة من الناس تحت خط الفقر يواجه صعوبة كبيرة في توفير الأغذية. الاونروا قامت بتخزين الأغذية والأدوية والاحتياجات الأساسية من الآن بكمية تكفي لثلاثة اشهر. هذا على افتراض ان حركة البضائع على المعابر ستعلق مثلما كان في عام 1991. كل منظمات الاغاثة الفلسطينية قامت بتخزين الأغذية، وتقوم اليوم بتسريع عملية توزيعها. وفي بعض المدن والقرى تقوم «لجان شعبية» بالتوزيع حتى تحول دون الاخلال والخداع. منظمة «تعايش» اليهودية ـ العربية صرفت كل خزينتها لارسال عدة عشرات من أطنان الطحين الى القرى المعزولة من الآن بسبب الطوق الداخلي، وليس من المؤكد ان الوصول اليها سيكون ممكنا إبان الحرب. جامعة النجاح أوصت طلابها بالعودة الى منازلهم على افتراض ان الدراسة غير ممكنة خلال الطوق الداخلي. ووزارة التربية والتعليم الفلسطينية استعدت للاغلاق وعينت المعلمين قريبا من مساكنهم لضمان وصولهم. تعليمات الوزارة هي ان تتصرف كل محافظة وفقا لظروفها بالنسبة للدراسة.أما السيناريو الثالث، وهو شن هجمات عسكرية اسرائيلية على شاكلة «السور الواقي» فهو مسألة لا يمكن الاستعداد لها. الناس يعلمون من تلقاء أنفسهم ان عليهم التزود بالأدوية الأولية وبالأدوية الخاصة بالأمراض المزمنة. أولاد (ف) عادوا من الآن للنوم على فرشات ارضية مجاورة للجدار الداخلي بعيدا عن النوافذ استعدادا لاستئناف اطلاق النار. الأحاديث عن الحرب أعادت مشاهد الانتفاضة الى مخيلتهم حيث كان الرصاص والقذائف تخترق المنازل. المبادرة لبلورة خطة طواريء وفقا للسيناريوهات المختلفة جاءت من المنظمات الفلسطينية غير الحكومية، ولكن يبدو ان قلقهم الأساسي هو الحفاظ على قنوات اتصال واعلام مفتوحة لايصال المعلومات بصورة جارية للهيئات الدولية من اجل منع حدوث التصعيد الذي يخشون منه. المنظمات الفلسطينية أقامت في هذا السياق لجان طواريء مشتركة مع المنظمات السياسية والسلطة، وهؤلاء التقوا مع 25 اسرائيليا من 10 منظمات حيث تداولوا في السيناريوهات المخيفة المتوقعة، وأوصى اوري افنيري من غوش شالوم بعدم الاستخفاف باحتمالات الابعاد. اوري افنيري عاد وذكر بما حدث من إبعادات في عام 1967، الفلسطينيون والاسرائيليون اتفقوا على الحفاظ على خطوط اتصال مفتوحة وكثيرة مع النشطاء الميدانيين. الدكتور مصطفى البرغوثي، مدير لجان الاغاثة الطبية، والناشط السياسي الذي شكل مع حيدر عبد الشافي قبل نصف سنة «المبادرة الوطنية الفلسطينية»، وهي منظمة تحاول العمل في الفراغ القائم بين فتح وحماس، مؤخراً باستعراض السيناريوهات المتوقعة على الممثلين الدبلوماسيين الأجانب وركز على السيناريوهات الثلاثة الاولى. البرغوثي تطرق لما قاله جيش الدفاع مؤخرا بأن 18 في المائة من القتلى الفلسطينيين خلال العامين الأخيرين «لم يكونوا ضالعين في الارهاب»، أما الباقين فهم ارهابيون. البرغوثي أردف ان منظمات حقوق الانسان الفلسطينية تعتقد ان 85 في المائة من القتلى الفلسطينيين كانوا من المواطنين العاديين. البرغوثي يحذر ممثلي القنصليات من حملة التزييف الاحصائي الاسرائيلية تمهيدا لزيادة عدد الفلسطينيين بصورة دراماتيكية في ظل الحرب. ومن هنا يأتي قتل الناشطة الاميركية لاخافة النشطاء الآخرين المنتشرين في أرجاء المناطق. أما السيناريو السابع والذي ينص على امكانية حدوث هجوم عراقي، كيماوي أو بيولوجي، فلا يشغل الفلسطينيين بالمرة. «غرفة مغلقة» هي عبارة تثير الابتسام على وجوههم. والناس لا يتدافعون لشراء الأقنعة التي توفرها صيدليتان في رام الله. وهم يشعرون ان الخطر العسكري الاسرائيلي أكثر ملموسية من الهجوم العراقي المذكور. عن «هآرتس»