الثلاثاء 22 محرم 1424 هـ الموافق 25 مارس 2003 صدر مع مطلع هذا العام، وما زال يلقى اهتماماً من المحللين والنقاد، كان مؤلفه واحداً من كاتبي خطب الرئيس جورج بوش، مما أتاح له الاطلاع عن قرب على بواطن الأمور في كواليس البيت الابيض: خصوصيات الرئاسة، صراعات القوى ذات النفوذ، سلوكيات المعاونين والمستشارين المؤثرين على الرئيس الأميركي . المؤلف ديفيد فروم كاتب صحافي من أصل كندي استخدموه في الرئاسة الأميركية ربما اعترافاً بأفكاره المعبرة عن القوى المحافظة في السياسة الأميركية. ويعزى إليه ابتكار التعبير الشهير الذي تحدث فيه جورج بوش عن «محور الشر» والكتاب هو خلاصة تجربة 13 شهراً في البيت الأبيض. في عرضنا التحليلي لهذا الكتاب، قد نصرف النظر ولو مرحلياً عن الحكايات أو «الحواديت» الشخصية التي حشدها المؤلف لزوم الترويج والجاذبية للقاريء، وبين سطور الصفحات. في رأينا ان هذا الوقت الصعب والملابسات الملتهبة التي تعيشها منطقتنا وتكابدها أمتنا ليس بوقت الحكايات أو «الحواديت». لهذا نقف ملياً عند الجوانب الأهم والأكثر جدية، وهي بحكم التعريف تشكل العناصر الأقل جاذبية في مضمون هذا الكتاب. هذه الجوانب تتصدرها قضية جوهرية قد يلخصها سؤال مطروح هو: كيف ينظر الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش الى مسألة الطاقة.. واقعها ومستقبلها؟ في أواخر الفصل الرابع من الكتاب يعرض مؤلفنا، ديفيد فروم هذا الموضوع ويبين ان بوش يجمع في نظرته الى قضية الطاقة بين اتجاهين متناقضين، هما: اتجاه اليمين واتجاه اليسار أو (الشمال) بمعنى ان بوش في موضوع النفط يتبع نهجاً يمكن ان نصفه بأنه مزيج بين اليسارية التي ترفض اطلاق أسعار النفط التي يحددها قانون العرض والطلب وبين اليمينية التي لا يعنيها تحجيم استهلاك الطاقة أو تحديد أسعارها لخدمة الأغراض التي يستهدف دعاة البيئة ـ السادة الخُضر كما أصبحوا يسمون ـ سواء لحفظ الموارد من التبدد والنضوب أو لصون الهواء من التلوث من جراء ما ينتج عن احتراق البترول من أكاسيد الانبعاثات الكربونية... الخ. في جملة واحدة ومعبرة ايضاً يقول المؤلف: المسألة بالنسبة لجورج بوش ليست دعوة تحض الاميركيين على أن «يستهلكوا» أقل، بل هي دعوة تحث على ان «يستوردوا» أقل. والمعنى ان الرئيس الأميركي لا تعنيه ولا تتصدر أجندته في السياسة وأسلوب الحكم مسائل صون الموارد ولا حفظ البيئة ولا مكافحة تلوث الكرة الأرضية التي نعيش فيها (أميركا مسئولة ـ كما تقول المصادر الموثوقة عن نسبة 25% من هذا التلوث الكوكبي قد تقل هذه النسبة وقد تزيد). إن بوش مضى بظاهرة يراها متفاقمة الخطورة، وهي تزايد معدلات، ومن ثم فواتير استيراد امدادات النفط اللازمة للاستهلاك الأميركي عاماً بعد عام، خاصة وان نسبة لا يستهان بها من تلك الامدادات تأتي من منطقة يراها غير مضمونة العواقب ولا مضمونة العواطف، اسمها الشرق الأوسط. لهذا يقول المؤلف: قضية الطاقة كانت ولم تزل مدرجة على رأس جدول أعمال جورج دبليو بوش، وهي مدرجة بوصفها احدى قضايا «الأمن القومي» للولايات المتحدة. في هذا الصدد يحيل المؤلف الى خطاب مهم ألقاه بوش في ولاية ميتشغان في مستهل حملته الانتخابية وقال فيه محذراً: ان استهلاكنا من النفط يزيد، بينما انتاجنا منه يميل الى الانخفاض، وفي الوقت نفسه، فإن وارداتنا من النفط الاجنبي من مصادره الخارجية ما برحت تتصاعد محلقة الى عنان السماء (نص تعبير الرئيس الأميركي الذي ينبغي أن نتذكر انه ينحدر من عائلة نفطية، وقد جاء الى موقع الرئاسة، بعد أن كان حاكما لتكساس، الولاية النفطية في الاتحاد الفيدرالي الأميركي. ثم انه محاط في موقعه الرئاسي الحالي بما يمكن تسميته بأنه ثلة أو عصابة نفطية الولايات والخبرات والاتجاهات بصورة أو بأخرى). يمضي جورج بوش، كما يقول مؤلفنا في السياق نفسه: «لقد أدى هذا الوضع الى ان أصبحت أميركا تحت رحمة الحكومات والكارتلات (الاحتكارات) الاجنبية أكثر من أي وقت مضى». رؤية نفطية وهكذا حدد بوش المعالم الرئيسية لطروحاته، فكره أو رؤيته النفطية، إذا جاز التعبير، وهي رؤية من المهم استيضاحها وتأملها بالنسبة لمنتجي النفط وأصحاب الاحتياطيات في الشرق الأوسط، حيث ان التأمل الذي ندعو اليه ليس مجرد ممارسات أكاديمية تنطلق من شرف العلم والاحاطة، بل قد باتت ألصق ما تكون بقضايا المصير، الموت والحياة في ضوء تطورات الصراع المدوي الذي تدور رحاه، وقد بدأت جولاته على مسرح الأحداث في أرض العراق. في 7 مايو عام 2000 ألقى جورج بوش خطاباً مهماً بدوره وقال فيه: ان فرط الاعتماد على أي مصدر وحيد للطاقة، لاسيما إذا كان مصدراً خارجياً، يتركنا متكشفين (بمعنى مستضعفين) أمام صدمات الاسعار وانقطاعات الامدادات، بل قد يعرضنا الى قضية الابتزاز، وهو أسوأ الأمور. يعلق المؤلف على هذه الرؤية (ص66) فيقول بالحرف الواحد ما يلي: وحتى قبل أحداث 11 سبتمبر 2001 كان الرئيس بوش بصدد رؤية غاية في التشكك أو التشاؤم ازاء الدول العربية النفطية، وتلك أقطار وصفها بوش على انها «قد تكون من أصدقائنا، وقد لا تكون». هاجس اسمه العراق في هذا الصدد يلمح القاريء ان ثمة هاجساً ظل يلح على فكر الرئيس الأميركي الى درجة التقمص أو الوسواس، كما نصفه، وذلك منذ بدء ولايته الرئاسية عام 2000، هذا الهاجس يحمل اسماً وحيداً هو «العراق». ها هو مؤلف الكتاب يعيد الى أذهاننا مشروع تطوير حقول النفط من ولاية «ألاسكا» الأميركية في منطقة القطب المتجمد الشمالي، كان دعاة البيئة قد أقاموا الدنيا في غضون العامين الماضيين محذرين من ان تطوير المنطقة القطبية قد يؤدي الى الاخلال بالتوازن الايكولوجي في البيئة التي تسودها من ناحية تلوث المواد وذوبان جبال الجليد التي تشكل مخازن المياه للمحيطات والبحار... الخ. كل هذا لم يكن يعني الكثير بالنسبة للرئيس بوش وإنما كان الأمر في رأيه يمثل معنى أساسياً يعبر عنه المؤلف حين يقول: حقول ألاسكا النفطية يمكن ان تنتج نحو 600 ألف برميل نفط يومياً فقط لا غير.. هكذا ذكر النقاد تدليلاً على أهمية التجاوز عن تلك الكمية لصالح المحافظة على البيئة الطبيعية. على هذه النقطة أجاب جورج بوش قائلا: ان هذه الكمية، بالصدفة البحتة، هي الكمية التي تشتريها الولايات المتحدة (في ذلك الحين) من نفط العراق بمقتضى برنامج «النفط مقابل الغذاء» الذي كانت تشرف عليه الأمم المتحدة. ثم يواصل مؤلفنا تعليقاته فيقول أيضاً: كان بوش يفضل الحصول على النفط من مصادر داخلية (أميركية) أو على الأقل من أقطار يمكن ان تثبت أنها مصادر جديدة ومستقرة لامدادات النفط، ومن ذلك مثلاً المكسيك من خلال رابطة وثيقة توطد علاقتها بالسوق المشتركة لأميركا الشمالية أو من روسيا التي تأخذ بأسباب التحديث في ظل قيادة روسية موالية للغرب. وطنية الصقور يختم المؤلف تعليقه حول قضية الطاقة قائلا: ان الطاقة لم تكن مجرد حافز يحرك نوازع الوطنية المتطرفة (وطنية الصقور كما يسميها) بين جوانح جورج دبليو بوش، بل كانت تحرك فيه نزعة بيوريتانية موروثة أيضاً نزعة تدفعه الى الاهتمام بـ «الحرص والحض على اطفاء جميع اللمبات المضاءة بغير لزوم في حجرات وأروقة المقر الرئاسي، وكم كان يعبر عن ضيقه وسخطه حين كان يتطلع الى نوافذ الأجنحة الرسمية فإذا بضوء المصابيح الكهربائية ينبعث منها في رائعة النهار، وكم كان الرئيس الاميركي سعيداً حين أعلن في يوليو عام 2001 القواعد الجديدة لتوفير استهلاك الطاقة وما برح فخورا بالبيت الذي بناه في مزرعة كراوفورد مستخدماً مصادر الشمس والرياح للحصول على الطاقة اللازمة ومجسداً ـ كما يثبت المؤلف ـ نموذجاً بليغاً في صون البنية وحفظ مواردها. لا تكاد تفارق هذه السطور (ص 68 وما بعدها) ولا تكاد تفرغ من هذه الاشادات بالسيد بوش داعية البيئة وراعي الإيكولوجيا الا ويطالعك المؤلف بما هو معروف ومسجل عن الحقيقة الشديدة المرارة، حقيقة ان ادارة بوش، وليست غيرها، هي التي احبطت بروتوكول اتفاقية كيوتو الدولية بشأن تغير مناخ كوكبنا الارضي مهيض الجناح وهي الاتفاقية التي حاولت ان تركز الاهتمام الدولي وان تتخذ بعض اجراءات عالمية بشأن ظاهرة الاحترار الكوكبي التي تفضي بزيادة درجة حرارة الأرض وتهدد بارتفاع مستوى سطح البحار والمحيطات مما قد يغرق جزراً محيطية وبحرية تضم دولا وشعوبا وملايين من البشر، بل قد تجتاح بسيول المياه والغرق أيضا دلتاوات الأنهار العملاقة في العالم وخاصة في افريقيا وآسيا. لقاريء هذا الكتاب ان يعجب صادقا بالسيد بوش الذي لا يتحمل رؤية مصباح كهربي مضاء بغير لزوم، ولكن للقاريء أن يتعجب صادقا كذلك ازاء قرار ادارة السيد بوش، وليس غيره، الانسحاب من التصديق على بروتوكول كيوتو الذي جاء كما يوضح مؤلف الكتاب، ليثير كل كوامن الغيظ والاستفزاز في نفس رئيس الولايات المتحدة ويبقى السؤال مطروحا: لماذا انسحبت ادارة بوش من كيوتو؟ هاهي الاجابة من عبارات هذا الكتاب لان اتفاقية كيوتو (وهي في الجوهر محاولة اصلاح المناخ العالمي لصالح البشرية) الاقواس من اضافة محلل الكتاب جاءت لترتب اعباءً جسيمة على عاتق الاقتصاد الاميركي، ولأنها طالبت الاميركيين بأن يدفعوا ضرائب لصالح اقطار اخرى وكأنهم بذلك يشترون الحق في احراق الفحم الذي يستخدمونه لتوليد الطاقة فيما تعفي كيوتو بلدانا اخرى تأخذ بأسباب التصنيع مثل المكسيك والهند والصين من القواعد التي تلزم أميركا. كانت ادارة كلينتون قد وقعت الاتفاقية في ديسمبر عام 1997 ولكنها لم تجسر على تقديمها لزوم التصديق عليها من جانب الكونغرس لكي توضع موضع التنفيذ.. ظلت الاتفاقية حبيسة الادراج ثلاث سنوات فيما كانت ادارة كلينتون تتحين الفرصة عبثا لكي تصل مع الكونغرس الى نوع من الحلول الوسط. وحين تولت ادارة بوش مقاليد الامور تحينت من جانبها فرصة اخرى ما لبثت ان واتتها في مارس عام 2001 من اجل تسوية المسألة من أساسها. كانت التسوية قراراً بانسحاب اميركا من التوقيع على اتفاقية كيوتو.. وكان ذلك اقرب الى حكم على الاتفاقية الدولية بالاعدام.. جاء الانسحاب ليطلق موجة من الغضب والسخط الدولي على واشنطن، الفرنسيون وصلوا في سخطهم الى وصف القرار الأميركي بأنه «فضيحة» (لاحظ اذن ان الانتقاد الفرنسي وربما السخط الفرنسي على تصرفات ادارة بوش لم يكن امراً مفاجئاً في غمار ازمة العراق) وحتى داخل أميركا ذاتها ساد السخط دوائر شتى من رعاة البيئة في صفوف المثقفين والفنانين. حكاية لقاء عابر يحكي مؤلف كتابنا عن لقاء عابر جمع بينه مصادفة وبين نجمة هوليوود الشهيرة «بربارا سترايساند» سألته في حضور واحد من كبار المنتجين عن الوظيفة التي يشغلها، وحين عرفت انه كاتب خطابات رئاسية في البيت الابيض رمقته (ص69) بنظرة تفوح منها كل معاني الاستصغار والازدراء(!) ثم سألته مباشرة: والآن، قل لي لماذا تملّص بوش من وعوده بشأن معايير الانبعاثات (الكربونية) المسببة لتلوث البيئة؟ ولم تنتظر النجمة الشهيرة لكي تحصل على اجابة، بل واصلت حديثها قائلة: انا اعرف لماذا فعل ذلك، ان السبب يتمثل في كل هذه التبرعات التي حصل عليها بوش في حملته الانتخابية من شركة «انرون». لمحات من السخرية الفصل الخامس من الكتاب يحمل عنوانا طريفا يلمح الى تشبيه الرئيس بوش بالثعلب، ولأن المؤلف صحافي محترف، دع عنك انه كان كاتب خطب لرئيس أكبر دولة في العالم، فإن القاريء يحار ـ والشهادة لله ـ هل المؤلف يثني على بوش ام يغمز من قناته، وربما يخلص القاريء الى ان السطور تحوي مزيجا مركبا بدقة وإحكام من المرح او القدح على سواء.. هو نوع من «المقح» ان أجزنا التعبير. المؤلف يعيد الى الاذهان فشل المرشح جورج دبليو بوش في ان يعرف او يتذكر اسما له قيمة في عالم رؤساء وقادة العالم الذي يعيش فيه وقد كان على وشك الانضمام الى قائمتهم. في نوفبر عام 1999 سأله مذيع التلفزيون اندرو هيللر عن اسم رئيس باكستان، وهو بلد ليس بالكم المجهول ولا بالصغر القابل للجهل او النسيان ولم يظفر المذيع سوى بعبارة تقول: آه، الجنرال، لا استطيع تسمية الجنرال... الجنرال. الموقف نفسه تكرر عندما سأله المذيع عن اسم رئيس وزراء الهند، دع عنك رئيس الشيشان، اما رئيس تايوان وهي الجزيرة الصينية المقربة كثيرا الى وجدان الاميركيين، لاسيما بين اجنحة اليمين في الحزب الجمهوري فقد اكتفى السيد بوش بأن ردد لقطة: السيد «لي». ربما لان الاسم الاكثر شيوعا بين سكان الصين وبهذا حقق المذيع هيللر هدفه ازاء شخصية المرشح الجمهوري الذي كان والده من اكبر المحيطين بسياسة العالم ورؤسائه وزعمائه، وبعدها تفجرت جداول السخرية بالمرشح، لا بين خصومه الديمقراطيين بل ايضا بين مؤيديه الجمهوريين. هنالك لم يتورع السيد باتاكي حاكم ولاية نيويورك من ان يرحب بزيارة بوش الى عاصمة الولاية قائلاً:بصراحة، إذا كان بوش يستطيع ان يصبح رئيسا للجمهورية، فمن المؤكد ان اصبح انا بدوري حاكما للولاية. والطريف ان السيد بوش نفسه لم يقصّر ـ كما يوضح المؤلف ـ في ان يورد لمحات من السخرية، حول نشأته وتكوينه شخصيا. في خطاب ألقاه عام 2001 في جامعة بال المرموقة التي تخرج فيها قال بوش معتذراً: مازلت اذكر أيام الدراسة التي أصبحت فيها زميلي ديك برود هيد وامضينا وقتا طويلا في مكتبة سترلنغ بالجامعة حيث يضعون آرائك وثيرة، وكان يجمعنا تفاهم متبادل.. فمن جانبه الا يسترسل في القراءة بصوت عال، ومن جانبي الا استرسل في... الشخير! العودة الى كرافورد بعد هذا التلميح يعود مؤلفنا ـ من باب توازن التحليل الى جوانب يراها ايجابية في شخصية جورج بوش.. يقول ديفيد فروم: انه ليس بالرجل الذي يؤخذ على محمل الخفة، فيه رزانة ولكن من نوع غير مألوف، كثيرا ما تخونه العبارات، أحيانا ما تخونه الذاكرة، لكن رؤيته للأشياء واسعة وصافية،. وعندما يتكون لديه الادراك لامكانات جديدة او فرص سانحة، يجد في نفسه الشجاعة كي يتصرف. وربما كانت أفضل لحظاته هي تلك التي امضاها في زيارة لمدرسة كرافورد الابتدائية، وخاصة حين قال في معرض الحديث عن اتخاذ القرارات: انا افعل ما اتصوره حقاً وصحيحا. وافضل مافي الديمقراطية هو ان الناس حين يحبون ما تصنع (كرئيس) فهم يبقون عليك في منصبك، واذا لم يحبوا ما تصنع مهم يعيدونك الى كرافورد.. اليس كذلك؟