الاحد 20 محرم 1424 هـ الموافق 23 مارس 2003 صدر مع مطلع هذا العام، وما زال يلقى اهتماماً من المحللين والنقاد، كان مؤلفه واحداً من كاتبي خطب الرئيس جورج بوش، مما أتاح له الاطلاع عن قرب على بواطن الأمور في كواليس البيت الابيض: خصوصيات الرئاسة، صراعات القوى ذات النفوذ، سلوكيات المعاونين والمستشارين المؤثرين على الرئيس الأميركي . المؤلف ديفيد فروم كاتب صحافي من أصل كندي استخدموه في الرئاسة الأميركية ربما اعترافاً بأفكاره المعبرة عن القوى المحافظة في السياسة الأميركية. ويعزى إليه ابتكار التعبير الشهير الذي تحدث فيه جورج بوش عن «محور الشر» والكتاب هو خلاصة تجربة 13 شهراً في البيت الأبيض. 30 يناير من عام 2001، حلّة سوداء قشيبة ارتداها مؤلف هذا الكتاب ديفيد فروم واختار ربطة عنق أقرب الى اللون الرمادي شبه الرسمي، وربما أخذ نفساً طويلاً من أعماق صدره، فالمناسبة فريدة في حياة أي صحفي وأي كاتب والمرء لا يلتحق كل يوم في أميركا بالعمل في البيت الرئاسي الأبيض. أجل.. كان هذا هو أول يوم لمؤلفنا بوصفه عضواً في فريق كاتبي خطب رئيس الجمهورية، وهو في الوقت نفسه أول أيام التجربة شديدة الخصوصية التي عاشها صاحبنا، وها هو يجعل من أيامها، وقائعها وملابساتها، وملاحظاتها موضوع الكتاب الذي نقلب صفحاته معاً ونتناوله بالعرض وأحياناً بالتحليل والتعليق على امتداد هذه الحلقات.يحرص المؤلف وقد أصبح كاتباً لخطب الرئيس جورج دبليو بوش، على أن يسجل لنا بالحرف، أولى العبارات التي سمعها في مقصف الموظفين الكبار في البيت الأبيض. لنا ـ كقارئين ـ أن نتوقع أن تكون مثل هذه العبارة تعليقاً سياسياً أو نكتة اقتصادية أو حتى ملاحظة رسمية قد تكون متحفظة أو تكون منافقة أو تكون عبارة حمقاء، لكن ها نحن نقرأ أول ما سمع ديفيد فروم وأول ما تردد أمامه من كلام في كواليس الادارة الحالية التي تحكم أميركا وتريد أن تتحكم في مقاليد هذا العالم: ـ افتقدناك عندما تغيبت عن درس الإنجيل. من يومها أدرك مؤلفنا فروم ان حضور درس الانجيل الديني أمر ملزم أو يكاد يكون وسط صفوف المعاونين الذين يعملون ضمن الدائرة الخصوصية المحيطة بالرئيس الأميركي أدرك ايضاً ان القوم غاية في الانضباط من ناحية المواعيد، يحددون جدولهم مثلاً على أساس الساعة الثامنة وعشر دقائق.. نعم ثمانية وعشر بالدقيقة والثانية، لا مساومة بين تمام الثامنة أو الثامنة والربع. أدرك أيضاً ان ثمة محاولات أقرب إلى الثأر المبيّت القيم ضد تصوير بوش إذا كان مرشحاً عن حزبه الجمهوري على انه رجل يفتقر إلى الحكمة أو الحصافة، ناهيك عن الإلمام بسياسة العالم والاحاطة المطلوبة ببواطن الأمور. ألم يصفونه على شاشة التلفاز قائلين: ـ هذا رجل ليس مستعداً بعد لأن يكون رئيساً! ألم يطلع الكوميديان الشهير «جاي لينو» وهو يعرِّض أمام الجماهير بذكاء بوش وايضاً بمرض القلب عند نائبه تشيني، فقال: ـ أيها السادة هذا ثنائي متكامل حقاً، أولهم بحاجة الى قلب، والثاني بحاجة الى عقل. ولأن الحرفة تحكم وقد تتحكم كما يقولون فقد كان مؤلفنا يتابع بوش، إذ كان مرشحاً، متابعة مهنية بمعنى انه كان يرصد محاولات كاتبي خطبه أن يجروا على لسانه عبارات وشعارات ترفع من مكانته وتجتهد في تقريب صورته أمام الناخبين. هكذا استمع الناس الى المرشح بوش وهو يقول لأعضاء حزبه الجمهوريين وهم مشهورون بانحيازهم التاريخي والتقليدي الى صفوف الأغنياء: ـ أيها الزملاء.. لا تحاولوا اصلاح الميزانية على حساب الفقراء. واستمعوا اليه ايضاً واصفاً نفسه قائلا: ـ أنا من زمرة المحافظين، ولكن لي قلباً يشعر بالعطف والحنان. واستمعوا اليه كذلك وقد صاغوا على لسانه عبارات تعرض لسلطة كلينتون، ولكن في ذكاء وبحرفية عالية من جانب كاتبي العبارات: ـ رئيسنا الحالي (كلينتون) يجسد امكانيات جيل كامل: مواهب متنوعة وجاذبية من السحر الأخاذ ومهارات بغير حدود، ولكن يا خسارة! دون تحقيق أهداف تذكر، وعود براقة بغير انجاز له قيمة. ولأن الناس كانوا ينظرون الى الحزب الجمهوري على انه حزب يتعامل مع الدين بمنطق أقرب الى التعصب أو الاستعلاء وعدم الاحساس بآلام المستضعفين، فقد فاجأ المرشح بوش مستمعيه بعبارات قال فيها: ـ أنا أؤمن برب يدعونا لا الى ان نحكم على جيراننا، بل إلى أن نحب جيراننا، أؤمن بالسلام لأنني شعرت به، وأؤمن بالغفران لأنني احتجت اليه. هنالك يشعر القاريء (ص7) بأن الكيل قد فاض بالمؤلف الذي لا يتورع عن أن يعلق قائلا: ـ كان هذا في مجمله دوراً أداه بوش ببراعة فائقة، لكن أكان الدور مقنعاً في مجمله؟ إن كل امريء يعرف ان بوش لم يكتب حرفاً من هذه الكلمات. ومن ثم يصبح السؤال المطروح هو: لمن ذلك الصوت (الحقيقي) الذي كان يسمعه الناس؟يمضي المؤلف لكي يؤكد على ان جمهرة الناس أيدت بوش لمجرد النكاية في بيل كلينتون، لمجرد انهم كانوا كارهين لمسلكية سلفه وأخلاقياته. يريد المؤلف في هذا الاتجاه حين يعمد الى التذكير بآخر فضائح الرئيس السابق ولم تكن انحرافاً جنسياً ولا كان هو «بطلها الوحيد» انها فضيحة بدأتها زوجته (السيناتور حالياً) هيلاري حين «طلبت وتلقت هدايا بمئات الآلاف من الدولارات من أصدقاء أثرياء لزوم تأثيث بيوت العائلة التي اتخذتها مجدداً في كل من نيويورك وواشنطن، هذا فضلاً عن استيلاء السيد بيل وعقيلته على قطع من الأثاث الثمين من البيت الابيض ليقوما بشحنها ضمن متاعهما المنقول الى حياة ما بعد الولاية الرئاسية. يقول المؤلف: بلغت حساسية الناس ازاء هذه الفضائح الحد الذي رفع شعبية جورج بوش على الفور إلى نسبة 60% من جموع الناخبين. لهذا كان الشعار المرفوع في ادارة الرئيس الجديد بوش هو بغير مواربة أو تذويق: ـ نحن نريد ادارة لا كلينتونية. هكذا سار بوش على خط كلينتون ممسكاً ممحاة كما ذكرت يوماً نكتة انتشرت في ارجاء مصر العربية في مستهل السبعينيات: ـ كان كلينتون كائناً مغموساً في حمأة السياسة، وها هو بوش يفتتح كل اجتماع لمجلس وزارته بتلاوة دعاء، واحياناً بموعظة يندد فيها بأكاذيب السياسيين! كان كلينتون يتعامل ببساطة أو بعفوية (لاشك محسوبة) مع أعوانه المقربين، يأكلون فطائر البيتزا ويخاطبون السيد بيل بلقب التدليل «بوتَسْ» (اختصار على سبيل رفع الكلفة للقب رئيس الولايات المتحدة)، أما بوش فهم يحيونه وكأنه قائد بروسي ولا ينسى أي منهم مخاطبته سوى بلقب «سيادة الرئيس».لكن المثل الأعلى لدى جورج بوش كان رونالد ريغان مع قدر من التغيير والتكييف أو التعديل. ريغان ـ في رأي المؤلف ـ كان رمزاً لما يمكن وصفه بأنه النزعة الفردية التي تكرس الفرد ومصالحه والفرد ونوازعه وهي تعلي هذه المصالح ربما على حساب مصلحة المجموع.. لكن جورج بوش ـ في رأي المؤلف ايضاً ـ يصدر عن ثقافة المذهب الانجيلي الحديث، وهو حديث لأنه يراعي مقتضيات الزمان الراهن ـ زمان ـ موسيقى البوب ومطالب المرأة وتدليل الأطفال وضرورات التردد ـ على عادة الأميركان ـ على الطبيب أو المحلل النفساني، لكنه في الأصل بروتستانتي شديد التمسك بعقيدته التي يتصورها سبيلاً وحيداً لخلاص روح الانسان وهو يمضي الى ذلك السبيل في حماس تبشيري عبر عنه بوش يوماً حين أكد انه جاء مكلفاً باصلاح أحوال هذا العالم. هيئة موظفي البيت الابيض تضم نحواً من 80 موظفاً (طبعاً بخلاف معاوني الخدمة وحراس الأمن ومن اليهم) والهيئة مقسمة تقليدياً الى 3 فئات رئيسية (يسميها المؤلف من باب التندر بأنها طبقات). 1ـ مساعد الرئيس. 2ـ نواب مساعدي الرئيس. 3ـ المساعدون الخصوصيون. ولا يغرنّك ـ يحذر المؤلف ـ من حكاية المساعد المخصوص، فالقاعدة في واشنطن تقول: كلما كان اللقب أقصر كان المنصب أهم وأخطر.. والعكس صحيح. وقد عينوا المؤلف في منصب المساعد الخاص للسيد الرئيس المعني بكتابة الخطب الرئاسية في المجالات الاقتصادية، وهو لقب كما رأيت طويل طويل ويكاد ينطبق عليه، كما يوميء المؤلف للمثل الدارج الذي يقول: «الصيت أو الغنى». ـــ وقبل أن يشعر المؤلف بالغبن استدعوه الى لقاء تعارفي مع الرئيس في المكتب البيضاوي الشهير، كان ذلك بعد اسبوعين من تعيين صاحبنا في منصبه ذي اللقب الطويل الطويل. التأم جمع كاتبي الخطب الخمسة في منتصف فبراير 2001، كانت الساعة الرابعة بعد الظهر.. وشد الرئيس على يد كل منهم عند الدخول وكل ما تفوه به مؤلفنا الهمام كان العبارة التالية: ـ طاب يومك سيادة الرئيس، اسمي ديفيد فروم وأنا جديد هنا. ـ أهلاً.. فروم. قالها الرئيس بوش بنظرة يشوبها التشكك والفضول. هنالك يسهب مؤلفنا في وصف المكتب البيضاوي الذي يدير منه رئيس الولايات المتحدة أمور بلاده، بل والعالم.. ولا يسعنا في معرض النقد سوى أن نقول ان لم تكن بنا حاجة لهذا الوصف المفصل، فقد سبقت أوصاف للمكتب المذكور، ولم تقصّر السينما في اظهار صورة المكان في أكثر من عمل روائي أو تسجيلي أو خبرتنا بمقتضيات أو كواليس السياسة الاميركية العليا، وهذا هو ما يهمنا بالدرجة الأولى، عندما عرفنا ان البيت الابيض هو اللون السائد والغالب على غرفة مكتب الرئيس الأميركي، وان هذا البياض المسيطر لا يقطعه سوى اكليل الزهور حديثة القطاف المصفوفة على طاولة منخفضة بين وسائد المقاعد ومساند الأرائك. ربما يحاول المؤلف أن يستعيد ثقتنا أو يعادل جذب اهتمامنا بموضوع الكتاب حين يمضي في هذا الصدد الى تبيان ان الجو بارد الى حد الصقيع في غرفة المكتب البيضاوي. وانه قد عمد الى تدوين بعض الملاحظات فور هذه المقابلة مع جورج دبليو بوش، وعندما أعاد قراءتها بعد سنة من تدوينها راعه ـ كما يقول ـ توالي الأحداث والمواقف عبر أشهر عام 2002 ومن تلك الملاحظات ما يلي كما رواها المؤلف: ـ تفاؤل بوش ازاء مواقف روسيا وقيادة فلاديمير بوتين الجديدة في قصر الكرملين، احتراس بوش ازاء تطورات الأوضاع في الصين، خاصة وقد تغيرت قيادتها ـ كما هو معروف ـ عند مستوى القمة.. تركيز بوش الشديد على ايران بوصفها أحد منابع الخطر في رأي الرئيس الأميركي.. تصميم بوش على ازاحة صدام حسين من السلطة في العراق.. قناعة بوش بأن أميركا في حالة لهفة على احياء أخلاقيات المسئولية والخدمة العامة. وهكذا تحدث جورج دبليو بوش في ذلك اليوم البارد الذي اجتمع فيه الى كاتبي خطاباته في شهر فبراير عام 2002. يلفت النظر الى ان المؤلف يشفع ملاحظاته عن تلك المقابلة بعبارات تبدأ بمديح للرئيس الاميركي وتنتهي بسؤال خبيث بكل المعاني، يقول ديفيد فروم: ـ في غضون الساعة التي استغرقتها المقابلة، جاء حديث الرئيس بوش ليرسي بل يرسخ حقيقة في ذهني وهي: ألا أصدق من جديد تلك النظرية التي روجوها ومفادها ان هناك أطرافا اخرى ـ بخلاف بوش ـ تتولى تحريك دفة الأمور في الادارة الأميركية الحالية. لم أعد أصدق ان هناك من يقود الادارة، لا نائب الرئيس تشيني، ولا روف مساعد الرئيس، ولا اندي كارد رئيس ديوان البيت الأبيض. ان بوش يقود ويحرك الأمور، لكن الى أي اتجاه يقودنا جميعاً؟ هذا هو السؤال. ثم جاء اليوم الفصل: أول مهمة كلفوا بها مؤلف هذا الكتاب.. ويلخصها فيما لي: ـ أول تكليف تلقيته بكتابة خطاب يلقيه الرئيس بوش كانت تتلخص في أن ندق جرس انذار بأن الاقتصاد الاميركي يتجه الى مرحلة من الركود، ولم تكن تلك مهمة سهلة بطبيعة الحال. وكم جلست وأنا أشطب مسودة من بعد أخرى في محاولة من جانبي كي أجد الكلمات التي تحمل الرسالة المضبوطة.. تحذير بغير نذير، وتنبيه لا يطلق الذعر في الأسواق المالية. ورغم ان المسودات والعبارات ما كان جميلاً ورشيقاً عند قراءته، لكن بدا مرعباً عندما يتخيل المرء انه سيلقى على لسان رئيس الولايات المتحدة. ومضت أربع أو خمس ساعات من المحاولة، وكان عليّ أن أتخلى عن هذا الكفاح وأعود الى بيتي في انتظار الالهام بشيء جديد. يمضي المؤلف قائلا: ـ في اليوم التالي كان لابد أن أوصل أبنائي الى المدرسة، وفيما كنت أقود السيارة فوجئت بمؤشرات البترول تحذر من فراغ الخزان، ولم أجد وقتاً لتزويد السيارة بالبترول، بل ظللت أقودها وقد تملكني خوف من أن تقف بي في منتصف الطريق الى المدرسة، ومن ثم الى مكتبي في البيت الأبيض.. ظلت عيني مركزة على عداد السيارة وأنا أخشى أن يتحرك المؤشر مؤذنا بفراغ الخزان تماماً. وحين بلغت مكتبي متأخراً في التاسعة جلست الى جهاز الحاسوب ودونت هذه العبارة: «ان ضوءاً تحذيرياً يبعث باشارات تلوح الآن الى عداد الاقتصاد». كانت تلك العبارة ـ المفتاح التي كانت مستهل الخطاب الرئاسي، وبعد 24 ساعة وصلت الى حديقة الورود لاستمع الى أول خطاب أكتبه ويلقيه الرئيس بوش. وحين عدت الى مكتبي بعد الخطاب، كانت وسائل الإعلام قد رددت أصداءه، وكانت العناوين الرئيسية تتكرر بين حين وحين تقول: ان ضوءاً تحذيرياً يبعث باشارات تلوح الآن على عداد الاقتصاد.