الخميس 17 محرم 1424 هـ الموافق 20 مارس 2003 لا يلجأ الناس إلى الخرافة، ويتعلقون بأوهامها إلا حين تضيق في وجوههم أبواب الأمل، وتحاصرهم الشدائد، وهو ما كشفت عنه دراسة علمية ميدانية أجراها الباحث المصري د. محمد عبدالعظيم بمركز البحوث الجنائية وأكدت ان نصف السيدات العرب يعتقدن بالسحر والشعوذة، وان هناك أعداداً متزايدة من الدجالين ليصل الأمر بحسبة بسيطة إلى معدل دجال لكل الف عربي، كما أشارت الدراسة أيضاً إلى أن ممارسي السحر يخلطون بين السحر والدين، ويزعمون قدرتهم على علاج الأمراض بالكتب السماوية. وخلصت الدراسة التي أعدها الباحث المصري د. محمد عبدالعظيم بمركز البحوث الجنائية إلى ان هناك نحو ثلاثمئة ألف شخص في مصر يدعون علاج الأمراض بتحضير الارواح وعدداً مثلهم يزعمون علاج المرضي بالقرآن والكتاب المقدس، إضافة لوجود اكثر من ربع مليون دجال يمارسون أنشطة الشعوذة في الدول العربية. كما كشفت الدراسة أيضاً عن إن العرب ينفقون نحو5 مليارات دولار سنويا علي السحر والشعوذة وأن نصف نساء العرب يعتقدن في الخرافات والخزعبلات، ويترددن على المشعوذين سراً وعلانية. وفي مصر تتفاوت أجور الدجالين بين مبالغ بسيطة لا تتجاوز عشرة جنيهات، لتصل إلى عشرة آلاف جنيه لدى المشهورين منهم، الذين لا يقصدهم المصريون فحسب، بل يتردد عليهم بعض أثرياء العرب ايضا. ويرسم احصاء لمصلحة الامن العام المصرية ما يمكن وصفه بخريطة تفصيلية لحجم وجود الدجالين واماكن انتشارهم في العاصمة المصرية، وذلك استناداً إلى البلاغات التي تتلقاها اقسام الشرطة، حيث تشير الاحصائيات إلى ان منطقة عشوائية فقيرة مثل حي الشرابية تنفرد بالنسبة الكبرى من الدجالين وتستأثر بنحو ثلث دجالي القاهرة بنسبة 32%، يليها حي السيدة زينب بنسبة 79,10%، ثم حي المطرية 35,9% ثم حدائق القبة 19,7% وتتساوي معها شبرا 19,7% ايضا ومصر القديمة 47,6% والجمالية 67,5% وأخيراً تأتي ضاحية مصر الجديدة بنسبة لا تتجاوز43,4%، بينما تكاد نعدم النسبة في الزمالك وجاردن سيتي. ومن القاهرة إلى الريف حيث تبرز حالة نموذجية على تفشي ظاهرة الشعوذة، في قرية «طناح» التي تبعد نحو150 كلم الى الشمال من القاهرة، حيث تزدهر فيها كافة فروع الدجل والشعوذة سواء كانت قراءة الفنجان، او عمل الاحجبة او طرد الارواح الشريرة او التداوي بالقرآن الى جانب جلسات فتح المندل التي يزعم ممارسوها قدرتهم على كشف أمور تحدث في اماكن اخرى عن طريق التحديق والتركيز في بقعة زيت على مرآة من نوع خاص. ولا احد يعلم كيف اصبحت هذه القرية على مر العقود الماضية مركزا للسحرة والدجالين، لكن الاهالي يرشدون دائما الوافدين للقرية الى المتخصص في علاج حالتهم وان كان الامر يتوقف اساسا على ما تحويه حافظة النقود لان استشارة الدجال تتراوح كلفتها ما بين عشرة جنيهات «دولاران» الى ألف دولار. ويقول الأهالي ان الشيخ ابراهيم لا يستقبل سوى النجوم اللامعة ومواطني دول الخليج وتكلف زيارته على الاقل ألف دولار في المرة الواحدة، ويؤكد بعضهم انهم شاهدوا «طائرات مروحية تحط على سطح منزله». وغالبا ما يلجأ إلى هذه المهنة الدجالون بهدف جني الأموال اعتمادا على لهفة أهل المريض أو أمنية الزوجة العاقر في الإنجاب، حتى أنهم لا يترددون في العودة إلى هذه المهنة عقب كل مرة يتم القبض عليهم فيها، خصوصا أن المبالغ التي يطلبها الدجال غالبا تكون مجابة وبعضها مبالغ مالية وأخرى عينية مثل أنواع معينة من الطيور أو الحيوانات. وتشير محاضر الشرطة إلى أنه لا يمر شهر إلا ويجري تسجيل محاضر لأشخاص متهمين بالدجل على الرغم من أن غالبية البلاغات تأتي من مصادر أخرى غير الضحايا الذين يخشون أن يطالهم غضب هؤلاء، الذين يزعمون اتصالهم بعالم الجن وقدرتهم على إيذاء البشر بالتالي، ويشارك في هذه المهنة الوهمية النساء والرجال على حد سواء، كما يذهب لهم أيضا أنواع مختلفة من البشر منهم الجاهل والمتعلم، حتى أن هناك شخصيات شهيرة تلجأ في بعض الأحيان لهؤلاء الدجالين، ومنهم ممثلون وممثلات حسبما تروج شائعات عديدة في الصحف. السينما والدجالين ويتهم خبراء اجتماعيون السينما المصرية بأنها تروج لهؤلاء الدجالين في عشرات الأفلام التي جري إنتاجها من خلال إبراز قصصهم وبيان دورهم في حل الكثير من المشكلات أو العكس، فيما يرد منتجو الأفلام بالقول إن السينما إنما تعكس واقع موجود منذ عشرات السنين وأن إيمان بعض المصريين بالدجل والشعوذة أمر موجود في الواقع والسينما تعكسه. وأجرى الباحث دراسة حالة على واحد من أكبر المشعوذين في مصر والذي تم القبض عليه بعد فترة طويلة من ممارسة أعماله وكانت مباحث الآداب بمدينة الإسكندرية قد القت القبض عليه بعد أن ذاع صيته بالبلاد العربية بزعم كراماته الخارقة على حد وصف بعض زبائنه. كانت معلومات قد وردت إلى أمن الإسكندرية حول قيام مشعوذ بمنطقة مينا البصل بممارسة النصب والدجل. وأن زبائنه من الإسكندرية والمحافظات وبعض البلاد العربية التي يسافر إليها بدعوات من زبائنه. وتبين أن المتهم ويدعي محمد صابر عبد الحميد 60 سنة وشهرته الجبار.. قد ذاع صيته بأعمال الشعوذة حيث يمارس أسلوبا غريبا في هذه الأعمال حيث يطلب قطع الملابس الداخلية سواء للرجال أو النساء مع صورة شخصية للراغب في عمل الحجاب حيث يقوم بكتابة السحر باللون الأحمر لسعة الرزق والسعادة.. واللون الأزرق للرجال والنساء لجعلهم جذابين ومطاردين من الجنس الآخر بعد أن يستعين بالجن الأحمر بالإضافة إلى قيامه بعمل كتاب خاص له يضم أسلوب عمل الأحجبة وتسليط الجن على من يريدون إيذاءه. وعند قيام مباحث الآداب بمداهمة مقر المشعوذ كانت المفاجأة بأن أغلب المتواجدين في قاعة الاستقبال من الرجال الذين يرغبون في الزواج أو في فض خلافات مع زوجاتهم. كما عثر لديه على رسائل من البلاد العربية تحوي صورا شخصية ومحدد المطلوب منها على ظهرها وجماجم وبخور. تبين أن الدجال يحصل على 600 دولار من زبائنه العرب و250 جنيها من المصريين حسب حالتهم المادية أما الطريف فهو تأكيد الجبار لرجال المباحث بأنهم لن يستطيعوا إيجاد حصيلة مكاسبه المالية لأنه وضعها تحت البلاطة ويحرسها الجن الأحمر. كما أفرد الباحث فصلا كاملا لتحليل ظاهرة الزار ويقول في دراسته: طقس الزار والذي عرفه العالم العربي في فتراته المتأخرة حيث عرف كما قيل في القرن التاسع عشر حيث لم يعرف قبل هذا القرن ولم ترد اشارات عنه او وصف مقارب له والزار هو حفل نسائي لطرد الاسياد التي تتقمص الاشخاص، او استرضائها بتقديم أضاح وقرابين واداء رقصات ايقاعها سريع على دقات دفوف صاخبة على اعتقاد بان استحضار هذه الاسياد وبافصاحها عن اسمها تفقد قوتها. والزار في اصله طقس وثني للقبائل الافريقية البدائية، انتقل من الحبشة الى السودان ثم الى مصر فباقي البلاد العربية ولفظ زار محرف من جار ـ إله وثني عند الكوشيين ـ ثم غدا في الحبشة بعد دخول النصرانية عفريتا حقودا «اسياد شريرة». وبعد دخول الزار الى النسق الثقافي العربي عن طريق العبيد الاحباش طرأ عليه تغير في سماته فهو في المعتقد الشعبي وسيلة للشفاء من امراض نفسية وجسمية على حد سواء «الاكتئاب، الصداع، ولادة اطفال مشوهين او ميتين».. وهو بذلك يختلف عن اصله بكونه لا يستنطق الاسياد عن امور الغيب. عريفة السكة اما من يقوم بطقوس الاستحضار والطرد امرأة تدعى الكودية او الشيخة او عريفة السكة، وهي في الغالب امرأة سوداء ترث دور الوسيط بين الملبوسين والاسياد من امها، فان لم يكن لها بنت تورثه لاحدى العرائس «المساعدات» وتتعامل الكودية مع كافة الاسياد وهذا ما يجعلها تحمل اعدادا كبيرة من التمائم بعدد الاسياد. بينما العروس تحمل قيمة السيد الذي يتلبسها فقط.. تقيم الكودية ثلاثة انواع من حفلات الزار.. حفل زار كبير، وآخر اسبوعي، وحفل زار حولي فالزار الاسبوعي يقتصر الاحتفال فيه على اظهار الاحترام للسيد واسترضائه وحاضرات هذا الحفل يسميهن «كريس» مدمنات زار كون حضورهن الزار يمنحهن الشعور بالراحة واعتقادهن بعدم قدرتهن على الحياة بدون المشاركة في حفل الزار. اما الحفل الكبير فهو الذي تمارس فيه طقوس كل عناصر الزار «موسيقى، رقص، ملابس، تمائم، بخور، اغاني» ويستهدف منه شفاء المريض بمعرفة الاسياد ومحاولة ارضائها وتقديم القرابين لها». والحفل الحولي يقام كل عام في شهر رجب تخصصه الكودية لكافة الاسياد المعروفة لها وتتوقف حفلات الزار بكل انواعها طوال شهر رمضان، بلا استثناء لأي نوع منها. تستعين الكودية بفرق تدق على انواع من الدفوف والطبول وارتباط كل سيد من الاسياد بإيقاع خاص ونوع الفرقة، فأبسط الفرق الفرقة البلدي مكونة من خمس نساء ثلاث منهن على المزاهر، واحدة على الطبلة النص والأخرى على مرجص. والنوع الثاني فرقة الطنبورة او الفرقة السوداني، ويضرب على الطنبورة بعض افراد من اصل زنجي، وعازف منجور واثنتان من عازفات الطبلة. النوع الثالث: فرقة ابوالغيط، تتكون من راقص يقوم بنفس دور المنجور، واثنين من عازفي الصفارة وتقوم زوجة الراقص بالضرب على الرق. قرابين الأسياد والعنصر الاهم في حفل الزار هو القرابين، والاضاحي. فلكل سيد مطلب يطلبه من المرضى محددة أدق تحديد منها انواع من التمائم، والملابس، والرقصات، فالتمائم فهي متنوعة في شكلها ومضمونها وحجمها لا يقتصر استخدامها في الزار فقط ومن ابرز هذه التمائم الخلخال،وله صفاته الخاصة فهو رفيع ينتهي برأس كروي، وله شروط في المعتقد الشعبي يجب ان تتوافر ليكون له فاعلية، ان يكون مصنوعا من الحديد، ان يشترى بمال شحذه اصحابه من الناس، ان يكون الحداد «صانعه» قد ورث مهنة الحدادة عن آبائه واجداده الى سابع جد، وتلبس الكودية مجموعة كبيرة من التمائم المصنوعة من القطع المعدنية التي تعلقها حول رأسها فوق منديل الرأس، وهناك عدا هذا مجموعة من التمائم والمعلقات المصنوعة من معادن اخرى او من صدف، او من البلاستيك وهي ذات اشكال وتنويعات وكتابات متباينة. بل أن انتشار الدجل دفع مجموعة من المثقفين إلى انشاء أول جمعية لمكافحة الدجل والشعوذة بالإسكندرية تحت مسمى الجمعية المصرية للدراسات الروحانية. تهدف الجمعية إلى الدراسة العلمية لظواهر ما وراء الطبيعة والخدمات الثقافية والعلمية والدينية للعلوم الروحية ومحاربة الدجل والشعوذة وكذلك مساعدة المرضى نفسيا واجتماعيا وابراز القيم الإنسانية والروحية لخدمة المجتمع. يرأس الجمعية الدكتور سيد نصار أستاذ علم النفس والخبير في عدة منظمات دولية وتضم في عضويتها ثروت عكاشة وزير الثقافة الاسبق وخالد محيي الدين رئيس حزب التجمع، بالاضافة إلى 23 شخصية من كبار رجال القضاء والاطباء والشخصيات العامة