الاربعاء 16 محرم 1424 هـ الموافق 19 مارس 2003 باتت كل من فرنسا وألمانيا من مصادر الازعاج التي تؤرق حياة الرئيس الأميركي جورج بوش، غير أن حرب التصريحات المشتعلة تزيد الأمور سوءاً. فوصف كل من فرنسا وألمانيا ، بأنهما «أوروبا القديمة» أمر خاطيء على المستوى التكتيكي الواقعي، فواقع الأمر هو أن الجديد الذي طرأ على العلاقات بين فرنسا وألمانيا هو الأمر عينه الذي دعم قوة البلدين. فأثناء الفترة بين عامي 1870 و1945 اشتعلت ثلاث حروب مزقت أوصال أوروبا. أما اليوم فلا مجال لحدوث حرب بين العدوين القديمين. فمنذ قيام مجتمع الفحم والفولاذ الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية حتى العصر الحالي الذي يشهده الاتحاد الأوروبي، أوجد التعاون الفرانكو ـ ألماني شيئاً فريداً في تاريخ العالم. فالاتحاد الأوروبي ليس مجرد حالة دولة جديدة تملك جيشاً جراراً. والأوروبيون ليسوا جميعاً من قارب مهيمن واحد ولكن قوارب الدول الأوروبية كلها مجتمعة داخل جزيرة واحدة يسودها جو من الاستقرار ويتمتع بقدر قوي من الجاذبية يشد إليه كل الدول المجاورة. ولعل رغبة دول وسط أوروبا وتركيا في الانضمام لهذا الاتحاد خير دليل على هذا الواقع. لكن بعض المتشككين من الأميركيين يشتكون مما يصفونه بـ «الخنوع الأوروبي» الذي يفتقد اصحابه الموارد والارادة على الحرب او حتى على تطوير وتحقيق سياسة دفاع مشتركة. ولأن أوروبا تملك قوة عسكرية أقل من أميركا، فنحن نسمع أن الأوروبيين قادمون من كوكب الزهرة في حين أن الأميركيين يأتون من كوكب المريخ. غير ان تلك العبارات المتبذلة تخفي وتضفي غموضاً على عدد من الاختلافات المهمة فعلى الرغم من كل شيء، عبرت كل من بريطانيا وإيطاليا وإسبانيا والدنمارك وكذلك الأوروبيين «الجدد» عن استعدادهم لاستخدام القوة في العراق. وأوضح استطلاع للرأي اجرته مؤخراً مؤسسة «بوشارتييه تراست» إن هناك عدداً كبيراً من الأوروبيين يؤيدون وجهات النظر الأميركية وأن عدداً كبيراً كذلك من الأميركيين يؤيدون وجهة النظر الأوروبية بشأن القضية العراقية. بل إن الأهم من ذلك هو أن هؤلاء المتشككين يملكون نظرة تفتقد بعد النظر بشأن مفهوم القوة ويركزون بشكل مفرط على البعد العسكري الذي تتفوق فيه الولايات المتحدة، غير أن مفهوم القوة في القرن الواحد والعشرين موزع بشكل مختلف على عدد من القضايا المتباينة ويشبه لعبة شطرنج حيث لها ثلاثة أبعاد. فعلى قمة البعد الخاص بالقضايا العسكرية، حيث توازي ميزانية الانفاق العسكري الأميركي ميزانيات 12 دولة أوروبية مجتمعة، يظهر العالم وكأنه ذو قطب واحد، فليس هناك إلا قوة عظمى واحدة. وتشير الاحتمالات الى ان الوضع سيبقى كذلك إلا إذا أراد الأوروبيون أن يضاعفوا النسبة من الناتج القومي العام التي ينفقونها على التسلح كي تعادل مستويات الانفاق العسكري الأميركي. بيد انه حتى في ظل هذا الوضع لا ينبغي تجاهل القدرات الأوروبية المتواضعة. فالاشتراك الأوروبي في تحالف ضد العراق يساعد على اضفاء شرعية على وجهة النظر الأميركية ويمكن للدول الأوروبية أن تلعب دوراً حاسماً في فترة ما بعد الحرب. فهناك الآن قوات أوروبية تقوم بحفظ السلام في البلقان وأفغانستان تفوق اعدادها نظيرتها الأميركية. أما البعد الاقتصادي فيأتي بشكل مخالف ومضاد بشدة للبعد العسكري. فعلى المستوى الاقتصادي هناك عالم متعدد الأقطاب في قوته الاقتصادي فالولايات المتحدة الأميركية لا يمكنها تحقيق أي اتفاق تجاري عالمي من دون موافقة أوروبا والدول الأخرى. وفي مجال الاحتكار، لم تقدر شركة جنرال اليكتريك على الاندماج مع شركة «هاني ويل» لأن المفوضية الأوروبية عارضت هذه الخطوة. ومؤخراً اضطرت شركة مايكروسوفت إلى إدخال تغيرات كبيرة في انظمتها كي تتماشى مع قواعد الخصوصية المعمول بها في أوروبا. فلا وجود هنا «للهيمنة الأميركية» التي يدعيها البعض. علاوة على ذلك فإنه على الرغم من الشعبية السياسية للولايات المتحدة في «أوروبا الجديدة» على حد وصف وزير الدفاع الأميركي رامسفيلد، فإن نجم الولايات المتحدة الأميركية آخذ في الأفول هناك على المستوى الاستثماري والتجاري. فثلاثة أرباع تجارة «أوروبا الجديدة» هذه هي مع دول الاتحاد الأوروبي. أما البعد الثالث للعبة الشطرنج فيتكون من قضايا دولية تدور عبر حدود تقع خارج نطاق سيطرة وتحكم الحكومات، مثل قضايا الهجرة غير المشروعة والمخدرات والجريمة وتفشي الأمراض وظاهرة التغير المناخي وبالطبع الشبكات الارهابية العالمية. وفي هذا البعد، فإن القوة تتوزع بشكل فوضوي وسيكون من الهراء التحدث عن وجود عالم أحادي القطب أو أي وجود لهيمنة أو امبراطورية أميركية. وبينما تؤثر هذه القضايا بشكل متزايد على حياة الأميركيين العاديين، فإنه يتعذر حلها عن طريق القوة العسكرية او عن طريق تصرف أميركي منفرد. فالتعاون مع البلدان الأخرى، لاسيما البلدان الأوروبية القادرة، يعد أمراً حيوياً كي يحصل الأميركيون على النتائج التي يرغبونها. وليس من المحتمل أن تصل أوروبا قريباً إلى القوة العسكرية التي تتمتع بها الولايات المتحدة، ولكن دول القارة لديها من الوسائل الترهيبية والترغيبية التي من شأنها ان ترغم الآخرين على فعل ما لم يكونوا ليفعلوه من دون اللجوء إلى هذه الوسائل. وعلاوة على ذلك فإنه على الرغم من الخلافات والانقسامات الداخلية، فإن الثقافة والقيم الأوروبية والنجاح الذي حققه الإتحاد الأوروبي كلها أمور تمثل قدراً جيداً من القوة اللينة التي تتمثل في القدرة على الجذب بدلاً من العمل فقط على ارغام الآخرين. وعلى الرغم من الاختلافات بين الطرفين حول العراق، فإنه لا يوجد طرفان آخران في العالم يملكان قدراً أكبر من التشابه في قيم الديمقراطية والحرية والتسامح وحقوق الإنسان من ذلك القدر الموجود بين أوروبا وأميركا. فكل من الرئيس بوش والرئيس شيراك ينبغي لهما أن يخففا من حدة التصريحات العنيفة بينهما، والتي بدورها تؤدي الى اضفاء الغموض على القواسم المشتركة الموجودة بينها وعلى أهمية أن يعملا معاً. ففرنسا يجب ان تفكر مرة ثانية قبل ان تستخدم حق النقض الفيتو في الأمم المتحدة. وينبغي لاصحاب المذهب الأحادي في أميركا أن يتذكروا أن الذين يركزون على بعد واحد من اللعبة وحسب يمكن أن يخسروا على المدى البعيد. ترجمة : حاتم حسين عن « فاينانشيال تايمز»