الاثنين 14 محرم 1424 هـ الموافق 17 مارس 2003 منذ بضعة ايام ونشرات الاخبار، والبرامج الضاحكة بشكل خاص، تغرقنا باتهامات غاضبة ضد ادارة مدرسة «تسايتلين» على عنصريتها تجاه التلاميذ ذوي الاصول الشرقية. بدون الخوض في الجدل ذاته، بودي طرح عدد من الملاحظات للتفكير. اولا: لا شك في ان المهاجرين الجدد الذين قدموا الى اسرائيل في الخمسينيات والستينيات من دول شمال افريقيا، قد وجدوا تعاملا تمييزيا مهينا من جانب اجزاء واسعة في المؤسسة السياسية والاجتماعية التي كانت تتحكم في اسرائيل آنذاك بيد قوية ومتجانسة. واحد الادلة على ذلك قضية اختطاف الاطفال اليمنيين، التي ترفض المؤسسة الاسرائيلية التطهر منها حتى اليوم بعناد غير مفهوم. ولكن ما من شك ايضا في ان المهاجرين الجدد الذين قدموا الى اسرائيل في سنوات التسعين من بلدان الاتحاد السوفييتي السابق واثيوبيا، قد واجهوا تعاملا لا يقل بشاعة بالذات من نفس ابناء الطوائف الشرقية، المميز ضدهم والمسحوقين الذين قدموا في الخمسينيات. «الفهود السود» اصبحوا قططا متخمة راحت بدورها تحرس القشدة ولا تسمح للجدد حتى بالشم، وتقوم بخمش كل من يحاول الاقتراب منها. للمظلومين القدامى وللظالمين الجدد اريد ان اقترح توجيه اصبع الاتهام الى الداخل بعض الشيء ايضا، وطرح اسئلة حادة. مثلا، لماذا ما زلنا جميعا بعد الانتخابات، نشاهد المشهد الذي عرضت فيه معارك عديدة واسمه «مارد الطائفية». كانت المعركة الاولى عندما قرر رئيس الحكومة، وبحق، نقل وزير المالية سلفان شالوم من منصبه. الوزير شالوم، الذي هرب دائما من التعريف الطائفي كما يهرب من النار، تحول فجأة الى رمز وضحية لهذا الظلم. من الملفت للانتباه انه بعد تعيينه اخيرا في منصب لا يقل اهمية، كوزير للخارجية، اصبح منشؤه الشرقي عصا سحرية غير واقعية. في المعركة الثانية ظهر «الضحية» عضو الكنيست دافيد ليفي. مرة اخرى شرحوا لنا انه لم يتم تعيين ليفي وزيرا، بسبب منشئه فقط. والجميع نسوا فجأة عشرات المناصب التي اشغلها، ومنها وزير خارجية، وزير اسكان، وزير استيعاب الخ... المعركة الثالثة ـ قضية مدرسة تسايتلين ـ لم تنته بعد، ولكن من الممكن الآن القول ان مارد الطائفية اخذ يرقص امامنا مرة اخرى رقصة صافية، ويبدو ان من يفعله هو نفس المصدرين المصلحيين: المتزمتون المتدينون الذين شرعوا بحرب ضد المفدال والصهيونية الدينية اللذين دخلا الحكومة مع شينوي، فأوساط من اليسار التي تفرح باثارة النزاعات بين قطاعات الشعب المختلفة المؤيدة لحكومة شارون ـ لبيد ـ ايتام ـ ليبرمان. نهاية هذه المسرحية معروفة طبعا، بيد انهم لا يروون القصة الحقيقية للمشاهدين. فهي خاصة بالجوقة اليونانية الصامته طيلة فترة العرض. وهذه الجوقة مكونة من مهاجري الاتحاد السوفييتي السابق واثيوبيا، الذين هم الضحية الحقيقية لمارد الطائفية في سنوات التسعين، والذين يظلمونهم ويذلونهم، هم بالضبط اؤلئك الذين يدعون انهم تعرضوا للظلم والاحتقار والاذلال، في سنوات الخمسين والستين. من المؤسف ان المجتمع الاسرائيلي يجري محاسبة للنفس تجاه الماضي فقط، ولا يقوم بذلك تجاه الحاضر ابدا، لان بالامكان اليوم منع طلب الصفح في المستقبل. عن «معاريف»