الاثنين 14 محرم 1424 هـ الموافق 17 مارس 2003 من غير المريح ان ترى تقليصا في الميزانية، واحيانا يكون ذلك مسألة فظيعة حتى ربما أكثر من مشاهدة حديقة مغلقة، كما تقول الأغنية ففي جهاز الدفاع مثلا يوجد من يدعون ان وجود الدولة سيصبح في خطر اذا تم تقليص الميزانية الأمنية - كما تطالب وزارة المالية في هذه الايام، وماذا يقولون في المالية؟ اذا لم نقلص الميزانية الأمنية فان دولة اسرائيل ستكون في خطر حقيقي - خطر مالي، والأهم انه لا يقل خطورة عن الخطر الأمني المحدق.المسألة تتعلق بلحن متكرر سنويا، المالية تبحث عن موقع تقلص فيه ومنه، وتكتشف - وهذا ليس مفاجئا - ان البند الأكبر في الميزانية العامة هو بند جهاز الدفاع، فتقرر اجراء تقليص قوي في ميزانية الدفاع، ولا تمر عدة ايام حتى يبدأ ضباط الجيش بالتباكي والادعاء ان الدفاع سيتضرر في هذه الحالة وأننا على وشك الدخول في حرب (المالية تسألهم في هذه الحالة ومتى لم تكن هناك حرب في اسرائيل؟)، ويتوعدون من يجرؤ على تقليص ميزانية الدفاع. بعد ذلك - يعزفون في المالية بقية اللحن - تأتي التهديدات بتقليص العمليات العسكرية اذا تم تقليص الاموال ويهددون بتقليل ايام الخدمة الاحتياطية، وأخيرا يأتي التهديد الأكبر: اذا لم يزيدوا لنا مليارات فان اسرائيل لن تكون جاهزة للحرب القادمة. وهنا تستكمل الحركة التكرارية المعروفة رئيس الوزراء يخشى من تضرر قوة الجيش فيدعو وزير المالية اليه (رابين استدعى شوحاط، ونتانياهو استدعى مريدور، وشارون استدعى شالوم) ويحاول اقناعه بالاكتفاء بالتعادل: لا يضيف للميزانية ولا يأخذ منها. كبار المسؤولين في المالية، وخصوصا نتانياهو الذي كان رئيس وزراء سابق، ملوا، والآن يقولون ان على جهاز الدفاع ان لا يحدثنا مرة اخرى حكاية القبعة الحمراء والذئب، في المالية يتساءلون اذا كان عدم سفر بعض الضباط للمشاركة في دورات استكمال غير واضحة في الخارج سيضر بالأمن، واذا كان تخفيض مئات السيارات الفارهة التي يستخدمها كبار الضباط سيمس بالأمن؟. مثل هذه الاقتراحات كانت قد طرحت سابقا من أطراف مختلفة تقليص بعض الامور المتعلقة بالملذات وليس عدد الطائرات والدبابات، الا ان شيئا لم يحدث في هذه البنود خلال السنين، اوري أدري الذي كان رئيسا لمنظمة المقاولين قال لنا بالأمس عندما خرج من لقاء مع القادة الاقتصاديين ووزير المالية نتانياهو: لقد كان من الممكن مثلا تحويل آلاف السيارات التي يستخدمها كبار الضباط الى سيارات أقل تكلفة، الامر الذي يوفر مبالغ كبيرة الاقتراحات تدور حول تخفيض ملذات الجيش وامتيازاته. والمالية تدعي ان لا نهاية لاهدار الاموال في الجيش السيارات العسكرية تسافر 200 كم حتى تجلب رزمة صحف ليوم السبت للجنود الذين يخرج أغلبهم الى منازلهم أصلا والطائرات والمروحيات تحلق في أجواء البلاد لجلب الضباط غير الكبار كثيرا للمشاركة في اللقاءات أو لحضور حفل زفاف في حيفا أو عراد، والجيش يخفي سيارات معينة في مخازنه ويطالب بشراء سيارات جديدة لان تلك السيارات غير صالحة، حسب ما يدعي، وغير ذلك الكثير الكثير. في المالية يقولون مثلا ان هناك عدة بنود يمكن ادخال تقليصات عليها ففي هذه السنة مثلا يخرج 1400 عسكري نظامي للتقاعد بتكلفة 700 مليون شيكل وهناك 1400 غيرهم موجودون في الدراسة ويحصلون على رواتبهم، كما ان المالية تذكر بحنق ان متوسط الأجور السنوية للنظاميين والضباط من رتبة رائد فما فوق يبلغ 300 ألف شيكل سنويا - وهو مبلغ مرتفع جدا حسب المقاييس. ميزانية وزارة الدفاع لعام 2003 حسب الميزانية العامة تبلغ 97,43 مليار شيكل وجهاز الدفاع يطالب باضافة ثلاثة الى خمسة مليارات شيكل لأداء المهمات المنوطة به في العام القادم، والمالية من ناحيتها تطالب بتقليص يبلغ 3,6 مليارات شيكل. في الايام الثلاثة الاخيرة جلس قادة جهاز الدفاع والمالية لاجراء مداولات طويلة حول القضية وزير الدفاع، شاؤول موفاز، أوضح ان وزارته لا تستطيع القبول بتقليص يبلغ 3,6 مليار شيكل وكان قد قال في خطابه في الكنيست انه اذا لم يتخذ قرار بشأن هذا التقليص فان ذلك سيعني إقالة آلاف العاملين في الصناعات العسكرية. تخفيض 3,6 مليارات شيكل من ميزانية الدفاع هو مسألة لا يمكن للجهاز ان يتحمله يقول مصدر أمني كبير ويضيف «نحن نواجه مشكلة كبيرة في قضية العنف الفلسطيني، وهذا الامر سيتواصل في هذه السنة ايضا نحن في حالة استعداد للهجوم على العراق ولدى قيادة الجبهة الداخلية احتياجات كثيرة، وهناك استعداد في سلاح الجو وضرورة للاستعداد على الحدود الشمالية، كما يتوجب التفكير ايضا بما سيحدث خلال العامين القادمين». ولكن جيش الدفاع يواجه مشكلة فورية أكبر من ذلك بكثير فحسب نفس المصدر الأمني لا يمكن لجيش الدفاع ان يستدعي الاحتياط في الأول من ابريل المقبل اذا تم تقليص الميزانية، كما ان هناك مشكلة مع قضية رحلات الطائرات ومع قطع غيار السيارات العسكرية المدرعة من هنا، يستنتج المصدر الأمني المذكور ان قضية التقليص غير واقعية ببساطة. في الايام الاخيرة توقفت الوحدات النظامية وخدمات الغسيل للجنود عن العمل، كما تجري اعادة دراسة الرحلات وإرسال الجنود للمنتجعات والفنادق للراحة والدراسة في أطر مختلفة. نتانياهو طلب من مئير شطريت، وزير المالية السابق، اجراء المفاوضات مع قادة وزارة الدفاع والمالية تعد خطة متعددة المراحل، فهم يريدون رؤية جيش صغير وأكثر نجاعة بعد سنوات حيث يخرج العسكريون فيه للتقاعد ليس في سن الأربعين وانما في سن الخامسة والستين مثلما يحدث في المهن الاخرى، وليس بفارق 20 سنة (سن التقاعد في الجيش 40 سنة). أما في جيش الدفاع فالخطط مغايرة لما يوجد في المالية الجيش يقول ان هذه السنة التي سيبقى فيها الجيش منتشرا في المناطق واستعداد للحرب في العراق والتطورات المتوقعة في الشمال لا يمكن ان تبقى مع تقليص مثل ذلك الذي جرى في العام الماضي، الجيش حسب رأي الضباط موجود في وضع متوتر جدا وليس من الممكن التفكير بادخال تقليصات على ميزانيته بالمرة. أمس ايضا تواصلت المداولات الطويلة بين الأطراف في محاولة للتوصل الى التسوية المنشودة، ولكن رغم التصريحات البهيجة التي تصدر عن الطرفين الا ان تجربة الماضي تشير الى ان الامر سينتهي بتسوية وسط، التقليص اذا حدث أصلا سيكون صغيرا نسبيا وتكفي عملية قتالية واحدة غير متوقعة مثل تصاعد الارهاب في البلاد والمناطق مثلا، أو التهديد باندلاع حرب جديدة مع (سوريا أو ايران) حتى تقفز ميزانية الدفاع مرة اخرى الى ذروة قياسية جديدة. عن «يديعوت احرونوت»