الاحد 13 محرم 1424 هـ الموافق 16 مارس 2003 حرك الحادي عشر من سبتمبر مشاعر عدد كبير من الأميركيين مؤدياً بهم إلى فهم أنهم يفعلون خيراً إذا أبدوا اهتماماً أكبر بما تقوم به الحكومة الأميركية في العالم، وكيفية إدراك أعمالها، حيث تم فتح العديد من موضوعات النقاش التي لم تكن ضمن أجندتهم سابقاً، وهذا أفضل بكثير. كذلك الأمر بالنسبة للحكمة الأكثر جوهرية، إذا انتظرنا ان تتقلص أولية الفظاعات المستقبلية. فمن الممكن أن تشكل عنصراً منشطاً مسألة الادعاء بأن أعداءنا «يحقدون على حرياتنا»، كما يقول الرئيس بوش، لكن ليس من الحكمة بمكان الاستخفاف وإدارة الظهر للعالم الحقيقي، الذي يمدنا بعبر مختلفة. والرئيس الأميركي أول من يسأل: «لماذا يحقدون علينا؟» ففي نقاش لفريق عمل قبل 44 عاماً، اكتشف الرئيس الأميركي الأسبق ايزنهاور «حملة الحقد في العالم العربي ليس ضد الحكومات وحسب، بل ضد الشعوب أيضاً». وحينها أشار مجلس أمنه القومي إلى دوافع هذا الحقد الأساسية ولخصها في أن الولايات المتحدة تدعم الحكومات الفاسدة والقمعية و«تعارض التقدم السياسي والاقتصادي» بسبب مصالحها في السيطرة على الموارد النفطية للمنطقة. وكشفت دراسات لاحقة للحادي عشر من سبتمبر في العالم العربي النقاب عن أن الدوافع والأسباب ذاتها حتى الساعة على جانب كبير من الأهمية، لكنها هذه المرة متزاوجة مع هالة من الاستياء والحقد على سياسيين محددين بعينهم. وما يدعو للدهشة أن هذه الحالة تنطبق حتى على فئات ذات امتيازات ومتعاطفة مع الغرب في المنطقة. وللاستشهاد بمثال حديث العهد، نأخذ ما كتبه أحمد رشيد، الاختصاصي في شئون المنطقة والمشهود له عالمياً، في مجلة «فار إيسترن إيكونوميك ريفيو» حيث قال: «يوجد غيظ متعاظم حيال الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة لنظام مشرف العسكري ليضع هذا الأخير الوعد بالديمقراطية على الرف». في الوقت الراهن لا نأتي على أي معروف إذا أردنا الاعتقاد بأنهم «يحقدون علينا» و«يحقدون على حرياتنا». بل على العكس من ذلك تماماً، إذ أن الأمر يتعلق بمواقف ناس يقدرون الأميركيين ويثمنون عالياً أشياء كثيرة في الولايات المتحدة، بما في ذلك حرياتها. أما ما يحقدون عليه فلا يعدو كونه السياسات الرسمية التي تنكر عليهم الحريات التي يصبون إليهم هم أيضاً. لتلك الأسباب، لاقى أسامة بن لادن ذلك الصدى حتى من قبل الذين يزدرونه ويخافونه، عندما راح يلقي الكلام جزافاً بعيد الحادي عشر من سبتمبر حول دعم الولايات المتحدة، على سبيل المثال، لأنظمة فاسدة ووحشية وحول «غزو» الولايات المتحدة لدول عربية بعينها، حيث إن جماعات العنف تأمل بالحصول على الدعم والمتطوعين من الاستياء والسخط والخيبة. كما يتعين علينا أيضاً، إدراك أن جزءاً كبيراً من العالم يعتبر أن واشنطن هي نظام إرهابي. ففي السنوات الأخيرة شرعت أو ساندت أعمالاً في كولومبيا ونيكاراغوا وبنما والسودان وتركيا، على سبيل المثال فحسب، التي تسقط تحت التعريفات الرسمية للإرهاب في الولايات المتحدة، أي عندما يطبق الأميركيون ذلك التعبير على أعدائهم. كتب صمويل هنتنغتون في النشرة الرصينة لوزارة الخارجية الأميركية «فورين أفيرز» عام 1999 أنه «طالما تدين الولايات المتحدة بشكل اعتيادي دولاً شتى وتطلق عليها أنها دول خارجية على المجتمع الدولي أو مارقة، فإنها تتحول من وجهة نظر بلدان عديدة الى القوة العظمى المارقة.. التهديد الخارجي الأكبر لمجتمعاتها». وفي هذا السياق، فإن مفاهيم أو أحاسيس مشابهة لا يمكن أن تتبدل لمجرد أن البلد الذي عانى من أحداث الحادي عشر من سبتمبر هو بلد غربي يتعرض لأول مرة في التاريخ لهجوم إرهابي مريع على أرضه نفسها من النوع المألوف جداً بالنسبة لضحايا القوة الغربية. مع العلم أن الهجوم يذهب أبعد بكثير مما يطلق عليه أحياناً «إرهاب بالمفرق» الذي يمارسه الجيش الجمهوري الايرلندي أو قوات التحرر الوطني أو الألوية الحمراء. لقد أثار إرهاب الحادي عشر من سبتمبر إدانة قاسية في جميع أنحاء العالم وموجة تعاطف مع الضحايا البريئة، لكن مع تحفظات عديدة. فلقد اكتشف استفتاء «غالوب» العالمي، الذي جرى بنهاية شهر سبتمبر، قليلاً من الدعم لهجوم عسكري أميركي ضد أفغانستان. وفي أمريكا اللاتينية، المنطقة التي لديها أطول التجارب في تدخلات الولايات المتحدة، تراوح الدعم بين 2% في المكسيك و16% في بنما. من نافل القول إن «حملة الحقد» الراهنة في العالم العربي مغذاه أيضاً من خلال سياسات الولايات المتحدة حيال «إسرائيل» ـ فلسطين والعراق. إذ أن الولايات المتحدة قدمت دعماً حاسماً للاحتلال العسكري الإسرائيلي القاسي الذي مضى عليه إلى الآن أكثر من 35 عاماً. إن إحدى الطرق التي يمكن للولايات المتحدة أن تخفض من خلالها التوتر بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ربما تكمن في التخلي عن رفضها الانضمام الى حالة القبول الموجودة منذ زمن على الصعيد العالمي والتي تنادي بالاعتراف بحق جميع الدول في المنطقة في العيش بسلام وأمن، بما في ذلك دولة فلسطينية في الأراضي المحتلة حالياً (ربما بتسويات حدودية بسيطة ومشتركة». أما في العراق، فقلد عزز أكثر من عقد من العقوبات القاسية جراء ضغط الولايات المتحدة قوة الرئيس العراقي بينما كان يرسل إلى الموت مئات الألوف من العراقيين، ربما يفوق عددهم مجموع الذين قتلوا بما يسمى أسلحة التدمير الشامل على مر التاريخ، كما كتب المحللان العسكريان جون وكارل مولر في «فورين أفيرز» عام 1999. إن تبريرات واشنطن الحالية لمهاجمة العراق أقل مصداقية بكثير من تلك التي قدمها الرئيس بوش الأب عندما رحب بصدام حسين كحليف وكشريك تجاري بعد أن ارتكب هذا أسوأ فظاعاته في حلبجة مثلاً حيث هاجم العراق الأكراد بالغاز السام، ما يعني ان الرئيس العراقي كان أكثر خطورة مما هو عليه اليوم. فيما يتعلق بهجوم تشنه الولايات المتحدة ضد العراق، لا يستطيع أحد، ولا حتى دونالد رامسفيلد نفسه، تقدير التكاليف والعواقب المحتملة. فالمتشددون ينتظرون بفارغ الصبر وبكل ثقة أن يكلف الهجوم على العراق حياة الكثير من الناس وأن يدمر جزءاً كبيراً من البلد، مما يزودهم بمتطوعين جدد للقيام بأعمالهم الإرهابية.كما أنهم يرحبون بشكل افتراضي أيضاً بـ «نظرية بوش» التي تنادي بحق مهاجمة قوى كامنة تشكل تهديدات غير محدودة كما هو مفترض أيضاً. مع العلم أن الرئيس الأمريكي قد أعلن أنه «من الممكن التكهن بعدة حروب سوف تكون ضرورية لضمان الحرية في الوطن» وهذه مسألة جدية. فالتهديدات منتشرة في كل الأرجاء، بما في ذلك داخل البلاد. والوصفة الخاصة بحرب من غير نهاية تمثل بالنسبة للأميركيين خطراً أكبر بكثير من ذاك الذي يسببه المعتبرون أعداء، لأسباب تفهمها المنظمات المتشددة جيداً. قبل عشرين عاماً، قال مسئول المخابرات العسكرية الإسرائيلية يهوشافا هاركابي، الاختصاصي في الشئون العربية أيضاً قال شيئاً لا يزال يحتفظ بقيمته حتى الساعة: «تقديم حل مشرف للفلسطينيين يحترم حقهم في تقرير المصير، ذلك هو الحل لمشكلة العنف. فعندما يختفي المستنقع، لن يكون هنا بعوض». وفي تلك المرحلة، كانت «إسرائيل» تتمتع بحصانة عملية ضد الأعمال الانتقامية داخل الأراضي المحتلة، وهي حصانة حافظت عليها حتى وقت قصير جداً. لكن تحذير هارباكي كان جدياً، أما العبرة منه فيمكن تطبيقها بشكل أعم اليوم. وقبل الحادي عشر من سبتمبر بكثير، اعتبر أنه مع التقنية الحديثة، سيخسر الأغنياء والأقوياء احتكارهم لوسائل العنف ويمكن أن يعدوا ضمن ما سيعانونه من فظاعات على أرضهم نفسها. إذا ألححنا في إيجاد مستنقعات إضافية، سيكون هناك بعوض أكثر مع قدرة تدميرية مريعة. إذا كرسنا مواردنا لتجفيف المستنقعات ولاقتلاع جذور «حملات الحقد»، لا يمكننا تقليص التهديدات التي نواجهها وحسب، وإنما يمكن العيش حسب المثاليات التي نعلمها والتي هي في متناول أيدينا إذا قررنا أخذها على محمل الجد. ترجمة: باسل أبوحمدة عن «لا أوبنيون بوبليكا» ـ اسبانيا