الاحد 13 محرم 1424 هـ الموافق 16 مارس 2003 أثار كتاب «نهاية الحقبة الأميركية» نقاشاً عاصفاً في الأروقة الفكرية والسياسية والاستراتيجية والمهتمة بالمستقبليات، وهو علم في غاية الأهمية في الغرب في هذه الحقبة التاريخية. ويشدد تشارلز كينشان مؤلف الكتاب على مجموعة مهمة من الأفكار الجديرة بالتأمل، حيث يرى أن الولايات المتحدة لا تملك استراتيجية كبرى، وهي قوة تائهة ومتخبطة وسياساتها متناقضة وإدارة بوش تمادت في سياستها الانعزالية والانفرادية. وأن القطبية الأميركية لن تدوم طويلاً، وحتمية التاريخ تقضي بعودة الصراع الدولي. اذا كانت أميركا تريد امتلاك استراتيجية كبرى، فعليها ان ترسم خريطة جديدة للعالم تحدد القوى الجيو ـ سياسية التي سوف تشكل النظام الكوني وتكون مبنية على الواقعية والمنطق السياسي وتوازن القوى. ان مسار التاريخ هو السبب الرئيسي الذي يجعلنا نعتمد الواقعية كمبدأ منظم لخارطة العالم الجديد، لأن الدول ظلت تتصارع في ما بينها على مدار العصور. وقد شجعت الحقبة الحالية على ظهور توجهات متفائلة بخصوص الديمقراطية والعولمة وتراجع التنافس الجيو ـ سياسي. ولكن البشرية غالباً ما تتناسى ويلات الحروب، ولذلك من الصعب الحكم بانتهاء الواقعية والتنافس على السيادة، والأمن والثروة والمكانة. الا ان القيادة والمخططين يجب ان يأخذوا في الحسبان كيف يمكن وقف الصراعات قبل انفجارها، كما ان الواقعية يجب ان تتمازج مع المثالية ـ أي اتباع الحكمة والقانون والمثل والمؤسسات لتدجين القوى المادية ـ اذا ما أردنا ان يكون المستقبل أقل دموية من الماضي. وتقدم أوروبا المعاصرة مثالاً على ذلك، فمن خلال التعامل السياسي والاقتصادي استطاعت ان تزيل نقاط الصراع بين دولها مما زاد من ابعاد احتمالات الحروب في هذه القارة. ومع ان المثال الأوروبي نادر الحدوث الا انه يعطينا صورة للمستقبل. فقد رأى الأوروبيون بعد الحرب العالمية الثانية التحديات التي تواجههم فرسموا خارطتهم الجيو ـ سياسية وبدأوا في تنفيذها من خلال الربط بين دولهم بشكل يضمن التعاون والمكاسب المشتركة بدلاً من المنافسة. وقبل الحديث عن الخارطة الجديدة للعالم المتشكل والاستراتيجية الكبرى للتغلب على الصراعات من خلال الربط بين الواقعية والمثالية، دعونا نلق نظرة على آخر خريطة أميركية للعالم أثناء الحرب الباردة. فخلال عام 1946 كان الاتحاد السوفييتي يقضي على أحلام الرئيس روزفلت في تحويل تحالف فترة الحرب الى شراكة سلمية، من خلال ايجاد أنظمة تابعة في أوروبا الشرقية ومحاولة السيطرة على مضيق الدردنيل وتمركز القوات السوفييتية على حدود ايران الشمالية. كانت كل الدلائل في مارس 1946 تشير الى حدوث متاعب، فكيف كان رد الاستراتيجيين الأميركيين على ذلك؟ واذا كان العالم سينحاز الى معسكرين متنافسين، فمن الذي سينضم الى السوفييت ومن الذي سينضم الى الغرب؟ وهل يتعين على الولايات المتحدة الاعتماد على قوتها العسكرية لاحتواء الشيوعية، أم ان الانتعاش الاقتصادي في أوروبا الغربية واليابان، وتنامي القومية في العالم الثالث والانقسامات في المعسكر الشيوعي ستقوم بالمهمة؟ فكيف كان شكل آخر خارطة أميركية للعالم؟ ان الاجابة عن هذه الأسئلة تساعد في الاضاءة على موضوع هذا البحث. دروس الماضي في 22 فبراير 1946 أعاد السفير جورج كينان «والذي شغل لاحقاً منصب رئيس دائرة التخطيط في وزارة الخارجية الأميركية» الى واشنطن برقية السفارة في موسكو التي نشرها بعد ذلك في مجلة «الشئون الخارجية» تحت اسم مستعار، وتحدث فيها عن موضوع واحد هو: احتواء الاتحاد السوفييتي عبر مجموعة من المبادئ طويلة المدى. واتخذت هذه المبادئ شكلها النهائي في عام 1947 وتلخصت في ان طبيعة التهديد السوفييتي سياسية، وأن باستطاعة الولايات المتحدة احتواء الشيوعية من خلال اعادة العافية والثقة السياسية في مراكز القوى الرئيسية، بريطانيا وفرنسا، ألمانيا واليابان. كما أوصى كينان بمقاومة الانتشار الشيوعي في الصين ودول شرق آسيا، لكن على أميركا ان تتجنب التدخل العسكري على الأرض، وأن تضمن الوصول الى الجزر والمناطق الاستراتيجية الأخرى التي يمكن منها انطلاق القاذفات بعيدة المدى، مثل الفلبين والدردنيل وقناة السويس ومضيق جبل طارق ومضيق هرمز. ورأى ان هناك حاجة للدعم العسكري والاقتصادي لتعزيز الدفاعات ضد التوسع السوفييتي، لكن ذلك يتطلب كلفة عالية ويثير الحفيظة الروسية التقليدية بعدم الشعور بالأمن. ولهذا كانت خارطة كينان للعالم متعددة الوجوه، فخط الصراع كان بين المعسكر السوفييتي والديمقراطيات الصناعية، وتحصين أوروبا الغربية واليابان ضد الشيوعية من خلال النمو الاقتصادي والثقة السياسية والسيطرة على النقاط الاستراتيجية سوف تمكن الغرب من ضبط الأمور. وظلت أميركا تسير على هدى خارطة كينان حتى نهاية عام 1949 فقط، لأن ادارة الرئيس ترومان اضطرت الى اتباع استراتيجية جديدة في أعقاب التجربة النووية السوفييتية في أغسطس 1949، والانتصار الشيوعي في الصين في اكتوبر من ذلك العام، ثم الحرب الكورية في يونيو 1950. وأعد هذه الاستراتيجية بول نيتز الذي خلف كينان في المنصب. وكانت خارطته من الأبيض والأسود «العالم الغربي والعالم الشيوعي». وبدلاً من كسب الوقت انتظاراً لتحلل المعسكر الشيوعي من الداخل، كان على الولايات المتحدة ان تأخذ المبادرة وتحيط الاتحاد السوفييتي بقوة عسكرية متفوقة، ولم تجد مناصاً من حشد الموارد لزيادة تسلحها التقليدي ولمواجهة التقارب بين موسكو وبكين الرامي الى انهاء النفوذ الغربي في آسيا، وللحيلولة دون سقوط دول جنوب شرق آسيا مثل أحجار الدومينو. وعلى أساس هذه الاستراتيجية قاتلت أميركا السوفييت ودعمت قدراتها التقليدية من دون حشد ترسانتها النووية، وأنشأت أحلافاً حول الاتحاد السوفييتي وأوجدت وكلاء في كل بقاع العالم وخاضت حربين مكلفتين في كوريا وفيتنام. ثم تراجعت الولايات المتحدة مؤقتاً في السبعينيات واتبعت سياسة وفاق لمدة عقد من الزمن والتزمت برؤية شبيهة باستراتيجية كينان. الا ان الرئيس جيمي كارتر قلب المعادلة بعد دخول السوفييت الى أفغانستان في عام 1979، ثم جاء رونالد ريغان ليضع مزيداً من الضغط الدبلوماسي والعسكري على (امبراطورية الشر) التي أعادت الحرب الباردة بسخونة أشد. وعندما انهار جدار برلين، بدأت الولايات المتحدة في دراسة رؤية جديدة للنظام العالمي. خمس خرائط بديلة ان مهمة اعداد استراتيجية جديدة للعالم يتطلب دراسة الخيارات التي يقدمها الآخرون، وتحديد نقاط الضعف والقوة فيها لاعداد هذه الاستراتيجية. وقد قدم عدد من المفكرين الأميركيين خمس خرائط بديلة للعالم، منهم فرانسيس فوكوياما الذي بدأ الحوار في نهاية الحرب الباردة في مقاله «نهاية التاريخ» والذي طوره الى كتاب «نهاية التاريخ والانسان الأخير» حيث ذهب إلى القول ان التاريخ أشرف على النهاية في أعقاب تفكك الاتحاد السوفييتي، وأن الدول الديمقراطية سوف تعمل معاً على بناء نظام عالمي سلمي ومستقر. واقترح ان تركز الولايات المتحدة سياستها الخارجية على تطوير الديمقراطية في العالم. أما جون ميرشيمر فناقش النظام الذي سينشأ بعد نهاية الحرب الباردة في مقالين : «لماذا سوف نشتاق قريباً للحرب الباردة»، و«عودة الى المستقبل: عدم الاستقرار في أوروبا بعد الحرب الباردة» اللذين نشرهما في عام 1990 ، وتضمن المقالان نظرة أكثر تشاؤماً من نظرة فوكوياما. ويتلخص رأيه في ان النظام الثنائي القطبية قد لعب دوراً رئيسياً في الحفاظ على السلام لعقود، وأن انسحاب القوات السوفييتية من أوروبا الشرقية وانهيار حلف وارسو، وتقليص الدور الاستراتيجي الأميركي في أوروبا سوف يعيد النزاعات الى القارة مرة أخرى. وفي كتابه: «صدام الحضارات» قال صمويل هنتنغتون ان الصراع سوف يكون بين الثقافات المختلفة وأن المعسكرات الأربعة : اليهودية ـ المسيحية ـ الأرثوذكسية الشرقية، الاسلام، والكونفوشية ، سوف تتصارع على السيطرة، واقترح ان تتحد أميركا وأوروبا في المعركة ضد الثقافات الأخرى. من جانبهما، عرض بول كيندي وروبرت كابلان رؤيتهما الرابعة للمستقبل، في مقالين: هل يجب ان يكون البقية ضد الغرب؟ و الفوضى الآتية، حيث قالا ان العالم سوف ينقسم بناءً على اعتبارات سوسيو ـ اقتصادية تشكل فيها الدول الصناعية الغنية معسكراً واحداً، والدول الفقيرة المعسكر الآخر. وسوف يتركز الصراع بين المعسكرين ولن تستطيع الدول الغنية تحصين نفسها من المتاعب الآتية من الجنوب والتي تتمثل في اللاجئين والكوارث البيئية وانتشار الأوبئة والجريمة والفساد. أما انهيار الدول فسوف يمثل بالنتيجة أكبر الأخطار لأكثر دول العالم تقدماً. أما توماس فريدمان، فقال عام 1999 في كتابه: «اللكزس وشجرة الزيتون»، ان العولمة سوف تكون السمة الجيو ـ سياسية المهيمنة في القرن الجديد، وان السوق سوف يكافئ الدول التي تحرر اقتصادها وتختار الديمقراطية، وسوف يعاقب الدول التي تحاول الحفاظ على مركزية الاقتصاد والحياة السياسية من خلال ضرب أسواقها وعملاتها ومجتمعاتها. وسوف يتحدد موقع الدول في النظام الجيو ـ سياسي المتشكل من خلال عدد أجهزة الكمبيوتر الشخصية وليس عدد الدبابات أو الطائرات. نهاية القطبية الأميركية لقد حاول هؤلاء المفكرون ان يساعدوا أميركا على التأقلم مع حقبة جديدة وغير مؤكدة، لكن خرائطهم مضللة وقصيرة النظر ولا يمكن الاعتماد عليها. فمع ان كل واحد منهم يلتقط عنصراً مهماً من النظام العالمي الحالي، الا أنهم جميعاً أخطأوا الهدف فيما يتعلق الأمر بتحديد خطوط الصراعات. فمن جانب، علق ميرشيمر في الماضي متجاهلاً التغيرات العميقة الجارية في السياسات الكونية، أما الآخرون فعلقوا في الحاضر الذي يقدم نظرة خاطفة للحظة مؤقتة .... نظرة تتركز على سمة وحيدة لعالم اليوم وهي تفوق القوة الأميركية. أما بالنسبة لخارطة هذا الكتاب فان التفوق العسكري الأميركي هو السمة الرئيسية للمناخ الجيو ـ سياسي الحالي، حيث ان النظام العالمي يتشكل حسب توزيع القوة وكيف تتصادم الأقطاب المتعددة من أجل الهيمنة. ويعني حجم القوة الأميركية ان هناك قوة قطبية وحيدة في العالم لا تواجه تحدياً لهيمنتها، وهذا هو السبب في ان التعددية القطبية أكثر استقراراً وأقل ميلاً للحرب من كل الخيارات الأخرى. لقد حدثت أكثر حروب العالم دماراً عندما اختارت القوى العظمى القتال لحسم الصراع على الهيمنة، كما يتضح من السجل الدامي للقرن الماضي، على سبيل المثال. إن لحظة القطبية الأميركية تجعل الولايات المتحدة الهدف الرئيسي للأيديولوجية الانتقامية الناجمة عن التشدد والقلق الاجتماعي. صحيح ان هذه الهجمات أحدثت صدمة ودماراً، الا أنها لم تغير نسيج النظام العالمي. ولذلك، فان لحظة القطبية الأميركية تواصل تشكيل المشهد الدولي، وعليه فان خارطة العالم الجيو ـ سياسية الحالية خالية من نقاط الصدام الكبيرة. وسوف يظل (الارهاب) مصدر تهديد، الا ان التهديد الأعظم المتمثل في صراع القوى الكبرى لا يزال تحت السيطرة، وتجني الولايات المتحدة فوائد كثيرة من هذا العالم، وكذلك دول أخرى كثيرة، وفي ذلك أنباء سارة، لكن هناك أنباء مزعجة أيضاً. صحيح ان القطبية الأحادية هي الطاغية، لكنها لن تدوم طويلاً، والأرقام أحياناً ما تكون خادعة. فالقدرة الاقتصادية والقوة الأميركية لا يمكن مجاراتها، ووصلت الثقافة الأميركية الى مديات غير مسبوقة، كما ان أميركا مرشحة للبقاء في طليعة ثورة التقنية. الا ان محللي المستقبل غالباً ما يقترفون الخطأ ذاته في وضع تصوراتهم لأنهم يعتمدون كثيراً على الحاضر. ففي أواخر الثمانينيات كانت أميركا تنحدر وتفوقت اليابان عليها مبشرة بقدوم القرن الآسيوي. وفي أواخر التسعينيات جرى تجميل النموذج الأميركي وانتصرت الأسواق الانجلو ـ سكسونية على كل الأسواق وأزاحت العولمة كل البدائل من طريق أميركا، فهذا العصر ، كما سابقه ، سوف يكون أميركياً، مثل سابقه. لكن المشكلة تكمن في ان اشارات الحاضر لا تضيء كثيراً المستقبل، أما النماذج التاريخية فتكشف حقيقة ان التفوق الاقتصادي ينتقل من مركز جغرافي الى آخر مع مرور الوقت. ومما لا شك فيه ان الاقتصاد العالمي سوف يشهد تحولات كثيرة في السنوات المقبلة، ومن المؤكد ان التفوق الاقتصادي الأميركي سوف يتلاشى تدريجياً. وهناك نهجان حتميان يؤكدان أن لحظة القطبية الأميركية لن تتعدى هذا العقد. وأول هذين النهجين هو اضمحلال القوة ذلك ان أي قوة مهيمنة لم تستطع الحفاظ على مركزها الى ما شاء الله. كما ان توزع القوة الاقتصادية سوف يحدث اليوم بسرعة أكبر من الفترات السابقة. وتواجه أميركا تحدياً فورياً من الاتحاد الأوروبي يتمثل في الثروة الجماعية لأعضاء الاتحاد ومصادر أكثر من عشر دول أوروبية أخرى، مما يعطيها ثقلا في مجال التجارة والمال موازياً للثقل الأميركي، ويجعل اليورو عملة الاحتياط الرئيسية بدلاً من الدولار، يضاف الى ذلك ان أوروبا تعد سياسة دفاعية مشتركة وتحشد قوتها العسكرية مما يجعلها تستغني عن الولايات المتحدة. ولذلك، سوف تصبح القوة موزعة على جانبي الأطلسي. ومع ان أوروبا تشترك مع الولايات المتحدة في التقاليد الديمقراطية ، الا أنها سوف تطالب بصوت يتناسب مع قوتها. وسواء أرادت الولايات المتحدة ذلك أم لم ترد، فان أوروبا سوف تصبح مركزاً جديداً للقوة الكونية، وسوف تتراجع الهيمنة الأميركية نتيجة لذلك. أما الدول الآسيوية فما تزال بعيدة عن مرحلة الاندماج التاريخي، ومع ذلك فان المنطقة تمتلك امكانيات اقتصادية هائلة، فاليابان تملك قوة بشرية مؤهلة ومدربة وقاعدة صناعية وتقنية وشبكة سوق متطورة، مما يؤهلها بعد اتخاذ الاصلاحات الضرورية الى الوصول الى نمو اقتصادي مدهش. كما يقدر البنك الدولي ان الصين سوف تصبح في عام 2020 اكبر ثاني مصدر ومستورد في العالم تنافس أقوى الدول الصناعية. ومع تطور القرن الجديد سوف تصبح منطقة شرق آسيا، مثل أوروبا، قوة معادلة لأميركا. أما الاتجاه الثاني الذي سيؤدي الى نهاية سريعة للحظة القطبية الأحادية فهو التغير في مسار العالمية في الولايات المتحدة. ان القطبية الأحادية تعتمد على وجود نظام سياسي لا يتمتع فقط بالتفوق، وانما يكون مستعداً لتوسيع مصادره الكبيرة من أجل ضبط الآخرين وفرض نظام عالمي. واذا تعبت الولايات المتحدة من لعب دور الحامي الكوني الأخير فسوف تنتهي القطبية الأحادية حتى لو ظلت الامكانات الأميركية مهيمنة.والسبب في تراجع عالمية الدور الأميركي ليس نتاج التفسخ السياسي أو العودة الى أيام الانعزالية المظلمة التي اتسم بها الماضي الأميركي، وانما هو نتيجة حتمية للزمن وموقع أميركا والظرف الاستراتيجي الذي تمثل فيه الهجمات الارهابية، وليس الهيمنة على أوروبا أو آسيا، أكبر تهديد مباشر للوجود الأميركي، ولذلك فان سياسات واشنطن أخذت تستجيب للحقائق الجيو ـ سياسية، والتركيز على التقليل من المخاطر المحتملة. وسوف ينجم عن انسحاب أميركا من الشئون الدولية عواقب وخيمة على الاستقرار العالمي لاعتماده على قوتها. الانعزالية الأميركية ما يدعو للقلق ان الانعزالية الأميركية المتزايدة سوف تؤدي الى انخراط أقل في الحفاظ على النظام العالمي في السنوات المقبلة، واذا ما فعلت ذلك فسوف تقوم به بشكل منفرد ودون التشاور مع الحلفاء، كما في مشروع الدفاع الصاروخي، مما يثير غضبهم ورفضهم الانجرار وراءها، ومثل الحرب على الارهاب التي أنتجت تحالفاً نظرياً مؤقتاً بينما رفضت 56 دولة اسلامية (استهداف أية دولة اسلامية أو عربية تحت هذه الذريعة) أما القضايا التي كانت موضوع خلاف مع أوروبا وروسيا والصين قبل هجمات 11 سبتمبر فلم تنته وانما اختفت تحت قناع تضامن مؤقت. وحتى لو استمرت الحرب على الارهاب ، فان الأخطار التي تواجهها الولايات المتحدة تفرض عليها التحصن من خلال سياسة أمنية وطنية من خلال تخفيف أحمال المهمات الخارجية. ونتيجة لهذه السياسات سوف تجد الولايات المتحدة نفسها في يوم من الأيام بحاجة الى مساعدة من الآخرين وسوف تكتشف بأنها وحيدة وبأن هذا العالم أصبح موحشاً. وباختصار، فان لحظة القطبية الأميركية الأحادية ليست مناسبة لهذا العالم، وسوف تضمحل الهيمنة الأميركية وشهوة تصدير القوة خلال هذا العقد، وسوف تسود الانعزالية في وجه تعدد القطبية والتنافس الاستراتيجي، وسوف يختل وضع العولمة والديمقراطية وكذلك المؤسسات الدولية المعتمدة على قيادة واشنطن التي يتعين عليها اعداد استراتيجية للتعامل مع بؤر الصراع الناجمة عن المنافسة مع مراكز القوى في أميركا الشمالية وأوروبا وشرق آسيا. وسوف تقوم الأجزاء اللاحقة من هذا الموضوع على خارطة العالم هذه، وسوف توضح لماذا هي دليل للمستقبل أفضل من الخيارات الأخرى. ويمكن اختصار البحث بأن نطرح جانباً ثلاث خرائط بديلة ـ هنتنغتون، كيندي وكابلان، وميرشيمر. فهناك اثباتات قليلة تدعم ادعاء هنتنغتون بأن الثقافات الأخرى سوف تصطدم مع الغرب، كما ان فشل تشكيل أحلاف مضادة للغرب يشكل ضربة قاصمة لنظريته. فالولايات المتحدة وسعت حلف الناتو، وطوّقت روسيا وقادت الحلف في الحرب ضد الصرب وسلوفاكيا بدون قرار من الأمم المتحدة وحوّلت قنابل الطائرات الأميركية جزءاً من السفارة الصينية في بلغراد الى رماد، وظلت الولايات المتحدة تنتقد سياسات بكين القمعية وتهديداتها ضد تايوان. وواصلت الطائرات الأميركية قذف العراق طوال العقد الماضي، وظلت الادارة الأميركية تدعم حكومة اسرائيل اليمينية التي أفشلت عملية السلام مع الفلسطينيين. وكانت كل هذه السياسات حرية باثارة غضب الجماهير الأرثوذوكسية والكونفوشية والمسلمة. لكن هذه الحضارات لم تتحالف ضد الغرب ولم يشحذ أحد سيفه ضده، ولم ترفع روسيا اصبعاً في وجه أميركا، بل انها والصين يجهدان في تحسين العلاقات مع واشنطن، ومعظم الدول العربية ظلت بعيدة عن صدام حسين الرئيس العراقي. وباختصار ما زالت النزاعات والصراعات الداخلية هي الغالبة بين الحضارات نتيجة لسياسات فرق تسد أيام الحرب الباردة. ومع ان هجمات 11 سبتمبر فسرت على أنها دليل على التصادم بين العالم الاسلامي والغرب، الا ان معظم دول الشرق الأوسط سارعت الى ادانتها. ولا شك ان هنتنغتون محق عندما يتحدث عن حتمية الصراع، لكن هذا الصراع سيكون بين أقطاب القوى، وليس بين الحضارات. أما خارطة كنيدي وكابلان فتعاني من عيوب كثيرة. فليس هناك من شك بأن المناطق النامية في العالم، وفي أفريقيا بالذات، تقترب من حافة أزمة خطيرة نتيجة لمرض الايدز والجفاف والكوارث الطبيعية والجريمة. والمشكلة ان دول الشمال الصناعية لها قدرة غير محدودة لحماية نفسها من المعاناة والصراعات في العالم النامي، كما أنها تدفع النزر اليسير للتخفيف من هذا الوضع. ولأن الدول النامية لا تملك قاعدة صناعية أو مصادر مالية، فان قدراتها العسكرية بدائية، ولهذا يجري تجاهل معاناتها.وهناك احتمالات كبيرة بانهيار بعض هذه الدول مما سيحدث مزيداً من الفوضى وعدم الاستقرار، وسوف تدير لها الدول الصناعية ظهرها، كما حدث في الماضي، وسوف يرتفع الجدار الفاصل بين الشمال والجنوب للحد من الهجرة، لكن ذلك لن يمنع الحركات الارهابية من اثبات وجودها. ولذلك، فان الجنوب يشكل خطراً انسانياً وليس استراتيجياً للشمال، وقد يأتي الخطر من مجموعات منعزلة أو دول مارقة وليس من العالم النامي ككل. وقد تلجأ الولايات المتحدة الى عمليات ضد هذه المجموعات أو الدول الداعمة لها، لكن الأمر لن يتطور الى صراع بين الشمال والجنوب. وتشترك خارطة هذا الكتاب مع تحليل «ميرشيمر» في كثير من الأوجه بخصوص عودة الصراع الجيو ـ سياسي بين أقطاب القوى العالمية. ويرجع سبب العجز في تحليل ميرشيمر الى فشله في الاعتراف بقدرة الاختيار السياسي في التغلب على منطق الواقعية المنافس. فالعوامل الوحيدة التي تشكل خارطة العالم هي طبيعة القوة العسكرية وانتشارها. وبناء على تحليله فان أفضل ما يمكن ان نأمله هو ان تتراجع دول العالم الرئيسية وراء جدرانها وتوجه أسلحتها الذرية ضد بعضها البعض وتعتمد تهديد الدمار المتبادل لمنع الحرب. وفقاً لواقعية ميرشيمر، كان يجب ان يؤدي بروز الولايات المتحدة الى التنافس والصراع مع بريطانيا العظمى المهيمنة، لكن الذي حدث هو أنهما تبادلا الغنائم التجارية واتفقا على حل الخلافات من خلال التحكيم وأقاما روابط سياسية قوية. كما يتنبأ بأن أوروبا كان يجب ان تقع ضحية للصراع الجيو ـ سياسي الناجم عن نهاية الحرب الباردة . لكن ما حدث هو العكس، فالاتحاد الأوروبي يسعى الى العمل الجماعي ويتوسع باتجاه الشرق. وقد فشل في الاعتراف بحالات التحول الجيو ـ سياسي لأن مرجعيته الفكرية تمنعه من ذلك، فهو لا يرى ان تقارب الولايات المتحدة وبريطانيا في بداية القرن الماضي قد أدى الى تغيير جوهري في نظرة كل منهما الى هوية الأخرى، مما أبعد خيار الحرب. كما ان الاتحاد الأوروبي تمكن من مقاومة منطق الواقعية بسبب الطبيعة المحلية للدول الأوروبية، والدور المتوازن للتكامل والمؤسسات والتوصل الى هوية أوروبية موحدة. لقد أصاب ميرشيمر بالقول بأن عودة التعددية القطبية سوف تجلب المخاطر، لكنه أخطأ لاستسلامه منذ البداية ودعوته الى استخدام السلاح الذري. أما نظريات فوكوياما وفريدمان فأكثر تعقيداً، وتمثل رؤيتهما حول الديمقراطية والعولمة تحدياً لفكرة هذا الكتاب الأساسية وهي ان ظهور التعددية القطبية سوف يعني اعادة ظهور بؤر الصراع الجيو ـ سياسية والتنافس الدولي. ويطلب منا فوكوياما ان لا نقلق لأن عالماً من الديمقراطيات سوف يكون عالماً مستقراً لأن الديمقراطيات لا تشتبك في صراع جيو ـ سياسي ضد بعضها البعض. ويقر فريدمان بأن التعددية القطبية سوف تلعب في عصر العولمة ما لعبته في الماضي، فالدول الكبرى سوف تتعاون فيما بينها وستكون متشابهة وستكون منهمكة في شبكة الانترنت بدلاً من الصراع الجيو ـ سياسي.