الجمعة 11 محرم 1424 هـ الموافق 14 مارس 2003 ظهرت حرفة الوراقة في الإسلام عندما أخذ بعض الناس يمارسون بيع الأوراق والاقلام والحبر والمحابر كذلك بيع نسخ من القرآن الكريم وقد تطورت هذه الحرفة ومن ثم اتسع نطاقها فشملت كتب الأحاديث النبوية الشريفة وعلوم الدين والفقه والنحو والأدب والشعر حيث تطورت مرة أخرى وأصبحت صناعة تشمل نسخ الكتب وبيعها والبحث عنها لدى العلماء والأدباء لاعادة نسخها وتقديمها إلى الباحثين والقراء حيث زاول صناعة الكتاب هذه القضاة والأدباء والشعراء وتكسب بها هواة العلم وتعلق بها المؤلفون ومن أبرزهم هؤلاء: أبوحيان التوحيدي وياقوت الحموي. وفي دراسة للباحث عبدالغني العطري نشرت مؤخراً في دمشق يشير فيها الى انه رغم هذا التعلق بالكتاب واشتغال المئات بل الألوف بصناعته فإننا لا نجد في التراث الذي وصل الينا كتابا واحداً حول هذا الموضوع الأمر الذي يحجب عن الباحث كثيرا من المعلومات التي تتعلق بالكتاب ومحترفي صناعته وكذلك تغيب عنا كل الطرائف والقصص والملابسات التي تحدث لدى الوراقين. ولعل ابرز ما غاب في هذا النطاق ما يقال عن لجوء بعض الوراقين الى التزوير واقدامهم على نظم شعر أو اختلاق حوادث معينة ونسبتها الى اشخاص او جماعات يعنيهم أمر إظهارهم بالكرم أو البخل او الشجاعة او الجبن او غير ذلك من الصفات. فكل ما وصلنا حول هذا الموضوع شذرات صحيحة موزعة بين ثنايا بعض الكتب وخلال حديث عابر غير مقصود. هذا في الوقت الذي احب فيه العرب الكتاب واولعوا به الى حد العشق والهيام. كما أولعوا بالعلم والمعرفة فكانوا رواد نهضة علمية وقادة ثورة فكرية لاتزال نبراسا يهتدي به العرب ومرجعا لكثير من علومه وأدابه المعاصرة. وفي هذا الاطار يروي ابن النديم في الفهرست ان الجاحظ كان يكثر حوانيت الوراقين ويثبت فيها النظر. وكانت وكان سعد الوراق في ـ الرها ـ مجلس كل أديب ويترد عليها شعراء من الشام ومصر وكانت هذه السوق تضم نفائس الكتب وقد زعم محمد النوبختي: أن الاصبهاني صاحب الاغاني كان أكذب الناس لانه كان يدخل سوق الوراقين وهي عامرة والدكاكين مملوءة بالكتب فيشتري كثيرا من الصحف ويحملها الى بيته ثم تكون كل رواياته منها. كذلك كان المتنبي يتردد على سوق الوراقين لقراءة احسن ما فيها من الكتب فيروي احد الوراقين وكان المتنبي يجلس اليه انه قال: ما رأيت احفظ من هذا الفتى ابن عبدان ويقصد المتنبي كان اليوم عندي. وقد احضر رجل كتابا من كتب الأصمعي وهو في ثلاثين ورقة فأخذ ينظر فيه طويلاً فقال الرجل: اريد بيعه وقد قطعتني عن ذلك فإن كنت تريد حفظه من هذه المدة فبعيد، فقال: إن كنت حفظته الي عليك؟ قال: أهب لك الكتاب، فقال الوراق: فأخذت الدفتر من يده، فأقبل يتلوه الى اخره ثم استلبه وجعله في كمه وقام فعلق به صاحبه وطالبه بالثمن فقال: ما الى ذلك سبيل، قد وهبته لي «فمنعناه عنه وقلنا له: أنت شرطت على نفسك هذا للغلام، فتركه له. ويشير الباحث عبدالغني العطري في دراسته تحت عنوان «صناعة الكتاب في الإسلام» الى انه غابت عنا اخبار سوق الوراقين في بغداد كما غابت اخبار الوراقين في الشام ايام بني أمية في جملة ما عاب من حضارة الأمويين فكل ما استطعنا الوصول اليه هو ان وراقي ذلك العصر الاسلامي الزاهر. كانوا رواة للشعراء ومرافقين لهم. ينشدون اشعارهم وقصائدهم بدلا منهم في المجالس والمحافل والمناسبات فكانوا بالنسبة اليهم كالوراقين في العصور التالية يحفظون اشعارهم ويروونها وينشدونها عند الحاجة. ولعل من ابرز اسباب الاقبال على صناعة الكتاب ونسخه في الإسلام ما كان يحصل عليه البارعون في النسخ من ذوي الخط الحسن والسرعة والدقة في الحفاظ على الأصل من مال وفير او كسب سهل غزير وقد جمع بعضهم ثروات طائلة من صناعة النسخ هذه وبعض القضاة كانوا يتحسرون على أيامهم التي أفنوها في القضاء ولم يستثمروها على ايامهم التي افنوها في القضاء ولم يستشروها في صناعة الكتاب. وفي هذا الاطار يؤكد الباحث السوري ان اجرة النسخ كانت تختلف اختلافا بينا تبعا لجودة خط الناسخ وبراعته في ضبط الكلمات وسرعة انجاز المخطوط حيث يروى ان الإمام الشافعي اراد نسخ كتب محمد بن الحسن باسرع وقت فذهب الى منزله، واعطى كاتبه مئة دينار وأمره ان يجمع الوراقين على الفور لينسخوا له ما اراد ففعل كما يروي الخطيب البغدادي ان اجر نسخ الورقات الخمس كان في حدود درهم واحد. ولكن هذا المبلغ استكثر فيما بعد وجعل الدرهم لقاء عشر ورقات على ان هذا الاجر عاد فارتفع في النصف الثاني من القرن الهجري الثالث. كما ارتفع ثانية في أواخر القرن الرابع فصار اجر المئة ورقة دينارين على نحو مارواه صاحب كتاب «ارشاد الأريب» حيث كان يضطر الوراقون للمبيت في بيوت المؤلفين لمواصلة العمل والاسراع في النسخ وقد صنف يعقوب بن شيبة السدوسي مسندا وكان في منزله اربعون لحافا لمن يبيت عنده من الوراقين، لتبييض المسند ونقله ولزمه على ما خرج من السند عشرة آلاف دينار. ويشير المؤلف عبدالغني العطري في دراسته الجديدة ان من الناسخين الذين برعوا بجمال الخط ودقة الضبط أبوموسى الحامض ومحمد بن عبدالله الكرماني. وقد وصفه صاحب «الفهرست» بأنه «كان مطلعا بعلم اللغة والنحو، مليح الخط، صحيح النقل» وكذلك احمد بن محمد الفرشى. أما ابن مقلة، فقد كان خطه مضرب الأمثال في الجودة كذلك اشتهر من اصحاب الخطوط المتميزة: ابن البواب وياقوت المستعصم. وفي معرض الحديث عن صناعة الكتاب يشير العطري إلى ظاهرة الاملاء والأمالي حيث الإملاء هو ان يقصد عالم وحوله عدد من تلاميذه فيتكلم العالم ويتحدث بما تجود به قريحته ويفيض به خاطره في شتى العلوم والآداب فيكتب تلاميذه هذه الخواطر والأفكار وتصير من ثم كتابا ينسب الى ذلك العالم والأديب وفي تراثنا العربي عدد من كتب الأمالي منها «الأمالي لأبي على القالي، وأمالي الجحطة، وامالي ابن دريد، وأمالي الانباري وأمالي أبي العلاء المعري. وقد اتسعت مجالس الأمالي هذه في بغداد حتى باتت تضم الألوف، بل عشرات الألوف واجتماع هذه الاعداد في مكان كبير واحد، يتعذر معه ايصال صوت المتحدث إليها كلها، حيث يروي صاحب «تاريخ بغداد» ان الأملاء لم يكن يتجاوز منزل العالم المحدث ثم اتسع نطاق المستمعين والراغبين في الكتابة، فضاقت المنازل به، وأخذوا ينتشرون حول هذه المنازل والأزقة المجاورة حيث كانت مجالس الإملاء هذه تغص بالمستمعين والكتبة الذين يقدر عددهم بنحو ثلاثين ألفا. كما كان يبلغ عددهم أحيانا اكثر من مئة ألف وقد كان لابد لاسماع هذه الحشود الكبيرة من تكليف أناس بنقل كلمات العالم او المحدث فكان هؤلاء يقف الواحد منهم على مسافة معينة من الآخر يلتقط من زميله أقوال المحدث ويرددها بصوت عال وقد اطلقوا على هؤلاء المنادين لقب «المستلمين» اي الذين ينقلون الأمالي من المحدث العالم أو الاديب والفقيه وقد ذكر الخطيب البغدادي ان الخليفة المأمون كان يحضر بعض هذه المجالس ويستمع من وراء الستار. من جهة أخرى يؤكد الباحث العطري ان عادة هذه المجالس العلمية انتقلت من الشرق الى الغرب فبلغت الأندلس حيث ابى الأندلسيون المغاربة إلا ان يسيروا في ركاب المشارقة ويقتبسوا عنهم عاداتهم وتقاليدهم وصار في قرطبة مجالس للعلم والإملاء كما هو الحال في بغداد والشام. وقد عرف بعض الوراقين بالعلم والاطلاع وسعة المعرفة كما عرف بعضهم بالحفظ والرواية والأدب وقول الشعر ولبعض هؤلاء الوراقين مؤلفات وتصانيف عديدة. حيث ان جاء في «الفهرست» لابن النديم ان عبدالله بن أبي سعد كان اخباريا نسابة، راوية للشعر. وله من الكتب: كتاب العربية وكتاب الإيمان والدعاء والدواهي وكتاب المدينة وأخبارها وكتاب الشعراء والألقاب ومن الوراقين الذين عرفوا بالعلم والأدب، على بن عيسى الرماني (أبوالحسن) فقد كان اماما من أئمة اللغة وعلامة في الأدب وقد اشاد بعلمه وسعة اطلاعه ابوحيان التوحيدي وفضله على الجاحظ وقال انه «لم ير مثله قط، عالما بالنحو، وغزارة في الكلام وبصرا بالمقالات واستخراجا للعويص وايضاحا للمشكل مع تأله وتنزه ودين يقيك وفصاحة وعفافة ونزاهة. حيث من ابرز الوراقين الذين عرفوا بالأدب وسعة الاطلاع ابوالحسن بن علي بن المغيرة الأثرم فقد كان صاحب كتب مفخمة وله من المؤلفات كتاب النوادر وكتاب عريب الحيث. كذلك من ابرز من تعاطى الوراقة واكثرهم شهرة ابوحيان التوحيدي ويصفه بعضهم بأنه إمام الوراقين غير أن أبا حيان كان كارها لهذه الصناعة، وكان يصفها بانها «حرفة الشؤم» وقد وصفه ياقوت الحموي بانه «فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة»، كما قال انه «فرد الدنيا لا نظير له ذكاء وفطنة وفصاحة». ويؤكد الباحث في دراسته الصادرة في دمشق الى تعلق العرب بالكتاب وعشقهم له وبسبب هذا العشق والهيام كان لكثير من العلماء والأدباء والوجهاء وراقون خاصون بهم ينسخون ما يطيب لهم من الكتب ويملون عليهم ما يجول في خواطرهم وما تفيض به قرائحهم الثرة من أفكار وأشعار ومعلومات. وقد احترف بعض الوراقين تجارة الكتب لما فيها من نفع مادي سخي ولأنها باب يطلون منه على اهل العلم والفضل فأخذوا يصنفون كتباً ذات لون شعبي خفيف تصلح للهو وتزجيه الوقت وبينها كتب في الخرافات والنوادر والاسحار والخوارق. وذلك لرواجها وإقبال العامة عليها وكان ابرز من يؤلف هذا اللون من الكتب الخفيفة أشخاص عديدون. ذكر ابن النديم في «الفهرست» اسماء بعضهم. كما كان الوراقون يروون اخبار العشق والعشاق ويزعمون ان أناسا يعشقون من الجن وان بعض الجن يعشق من الإنس كذلك كانت هذه الكتب تنطوي على رحلات خيالية إلى بلدان بعيدة يختلقون فيها الغرائب والخوارق ويغوصون في اعماق البحار ويتحدثون عن أمور خيالية لا اساس لها من الحقيقة والواقع حيث اقتبس الوراقون هذا اللون من أدب الخرافات بسبب اقبال الناس عليه فضاعفوا نشاطهم