الخميس 10 محرم 1424 هـ الموافق 13 مارس 2003 وقف الذهب على مر العصور معتليا قمة المعادن الموجودة على سطح الأرض وبدا للعيون على الدوام أكثرها جمالاً وفتنة ولطالما كان الذهب ولا يزال مصدراً للثراء، ليس بالنسبة للأفراد فحسب وإنما بالنسبة للدول كذلك.كما انه مصدر كذلك لنكبات وتدهور شعوب تلك الدول في حال اختفائه إذ ترجع بهم الحال مرة أخرى إلى ما كانوا عليه إذا ما نضب وذهب الذهب، وهذا هو المثل الذي ينطبق قلباً وقالباً على مدينتي شيوفن وشينغواشيه الواقعتين شمالي تايوان بالقرب من العاصمة تايبيه، التي كانت تعرف في فترة من الفترات بأنها عاصمة الذهب في آسيا. ولكن عندما نضب معين مناجم الذهب هناك، فقدت هاتان المدينتان بريقهما، ولم يعد للناس هناك سوى دولارات السياح يعيشون عليها كمصدرهم الأساسي للرزق. غير ان الفترة القليلة الماضية شهدت أخباراً سعيدة لأهل شمال تايوان تمثلت في إعلان وزارة الشئون الاقتصادية التايوانية عن ان مسحاً جيولوجياً أجرى مؤخراً، أثبت ان هناك تقريباً 50 طناً من الذهب موجودة على بعد 400 متر تحت سطح التربة في مدينة شينغواشيه، وأن مزيداً من الدراسات والتجارب ستجرى في الفترة المقبلة للتأكد من هذا الأمر. وإذا ثبت هذا الاكتشاف، فإنه يعني انه في ظل الارتفاع المجنون والمتواصل لأسعار الذهب في الأونة الاخيرة، فإن أراضي المنطقة يمكن أن تكون سابحة حالياً على عشرات الملايين من الدولارات. ولقد تسبب هذا الإعلان من قبل الوزارة التايوانية في إطلاق موجة من النشاط الشعبي والحكومي بغرض الاستفادة من ذلك الكنز الذي يقبع في بطن الأرض. واعلنت وسائل الاعلام المحلية انه حتى الآن عبر كونسورتيوم استرالي ـ هولندي يدعى «بلير دوم» عن رغبته واهتمامه باستغلال المنطقة. وتعتبر المنطقة التي يقال ان الذهب يقبع تحتها من أجمل وأندر المناطق التايوانية من الناحية الجغرافية، حيث تأخذ هذه المنطقة شكل حرف «يو» باللغة الانجليزية، ويوجد بها واحد من اشهر جبال البلد وهو جبل «كليونغ»، وهو الجبل الذي يطلق عليه شعب المنطقة اسم «جبل الجمال الحامل»، وذلك لانه يشبه في شكله المرأة الحامل وهي مستلقية على ظهرها، وشعرها الطويل يتدفق نحو البحر وكأنه يغتسل في مياهه المتكسرة. وهذا الشكل الغريب للمنطقة هو في نظر أهلها، السبب وراء جفاف مناجمها الذهبية، حيث يقولون انه بمرور السنوات انحدرت كميات الذهب الخام نحو البحر واختفت، غير ان هذا القول بالطبع، لايؤيده كثير من العلماء الذين يرون ان الذهب استنفد بشكل طبيعي بفعل استغلال الحكومة والشعب له. وبينما كانت المدينتان من اكثر المدن احتواء على الذهب في قارة آسيا، إلا إنهما كانتا تحتويان كذلك على الفضة، وبالأخص شيوفن، والنحاس من شينغواشيه. وتستمد كلمة «شينغوا» من النطق التايواني لنبات «اليقطين» وذلك لأن الجبل الذي اكتشف وجود الذهب به يتشابه في شكله إلى حد ما مع نبتة اليقطين. ومنذ اكتشاف الذهب في المدينتين حتى أواخر عصر أسرة شينغ، وهي الأسرة التي حكمت في الفترة بين ماهي 1644 و1911، مرت كل من شينغواشيه وشيوفن بفترات ازدهار اقتصادي طويلة، حيث تدفق كل من لديه طموحات الثراء اليهما سواء من المدن التايوانية الأخرى أو البلدان المجاورة، وتضاعف نتيجة ذلك عدد السكان وتنوعت الصناعات ومصادر الدخل وارتفع مستوى دخل الأفراد، وحدثت طفرة بناء بسبب ارتفاع عدد السكان بشكل كبير للغاية لدرجة انه مع كثرة عدد المباني في المدينتين كانت اشعة الشمس تصل بالكاد إلى الشوارع، مما ادى إلى ان اطلق على شوارع المدينتين لقب «الشوارع المظلمة».. وكانت مدينة شيوفن اكثر ثراء من جاراتها، ونالت في فترات ازدهارها القاباً عديدة مثل «مدينة الغروب الذهبية»، و«شنغهاي الصغيرة»، «هونغ كونغ الصغيرة» و«مدينة آسيا الذهبية» ووصل شعبها إلي درجة فاحشة من الثراء حتى قيل ان الشخص إذا اراد ان يمنح الاتزان لمنضدة ما في منزله وضع قطعة ذهبية تحت أحد أرجل هذه المنضدة حتى لا تميل إلى جهة على حساب جهة! غير ان هذا الثراء الفاحش والازدهار الكبير الذي تمتعت به المدينتان لم يدم للأبد، حيث استنفدت جميع المناجم التي كانت موجودة في أراضيهما، حيث لم يكن يتم استغلالهما بشكل منظم ولكن بشكل غلب عليه الطمع والجشع سواء من الدولة أو القوات التي احتلتها، مثل القوات اليابانية، إذ كان اليابانيون يستخدمون أسرى الحرب اثناء الحرب العالمية الثانية في البحث عن الذهب والنحاس في مناجم البلاد. وبدأت صناعة التعدين في التدهور خلال فترة الستينات من القرن الماضي، وانهارت تماماً رحلات البحث عن الذهب عام 1971، وبدأ بعدها القرويون الذين هاجروا إلى المدينتين في النزوح الى مناطق اخرى، بحثا عن الرزق، بعدما انتهى سبب وجودهم هناك. ويبقى السؤال بعد الإعلان الأخير عن وجود ذهب في شمال تايوان: هل يمكن ان تعود المنطقة إلى سابق عهدها من الثراء؟ هذا ما سوف تكشفه الفترة القليلة المقبلة.