الخميس 10 محرم 1424 هـ الموافق 13 مارس 2003 شكلت المأساة عنصرا ذا أهمية وحضور كبيرين في الكثير من الأعمال والأفكار الذي طرحها معظم الكتاب والفلاسفة والمفكرين والأدباء على مر العصور. فهذا الموضوع وثيق الصلة بالوجود البشري، ولازم الفكر الإنساني منذ عهد بعيد، حيث الملهاة (الكوميديا) والمأساة (التراجيديا) من أكثر الموضوعات التي شغلت بال الفلاسفة والأدباء القدماء، إذ بالكاد نرى عملا من الأعمال يخلو من تعرضه لهذين الجانبين. ومع ذلك احتلت المأساة حيزا أكبر من الكوميديا نظرا لارتباطها بالكثير من المفاهيم الأخرى، مثل صراع الخير والشر ، الكوارث الطبيعية والبشرية، والسعي الدؤوب لتحقيق العدالة البشرية على حساب الآخرين، إلى جانب الطباع البشرية الميالة في الغالب الاعم إلى الشر وارتكاب الكثير من المآسي. والكتاب الذي نناقشه هنا للمؤلف تيري ايغلتون، إستاذ النظرية الثقافية في جامعة مانشستر، يطرح دراسة شاملة عن المأساة، بدءا من أسخيلوس إلى العصر الحديث، إذ يعالج هذا الموضوع من حيث النظرية والتطبيق، متنقلا ما بين أفكار المأساة وتحليلات بعض الأعمال والمؤلفين. بيد أن الكتاب لا يتطرق إلى فن المأساة فحسب، بل يناقش ما يتجاوز المسرح الواقعي، فيعمق الفكرة في الحياة اليومية في الرواية، وفي أهم الأعمال الأدبية التي طرحها كبار الكتاب مثل ميلفا، وستندال، وتولستوي، وفلوبرت، ودوستويفسكي، وكافكا، ومانزوني، وغوته، ومان، بالإضافة إلى كبار الكتاب الانجليز. وبالاعتماد على قدراته المميزة وتحليلاته المعمقة المعروفة، والتي ظهرت في الكثير من أعماله الفذة مثل، «وهم ما بعد الحداثة»، و«النظرية الأدبية»، و«فكرة الثقافة»، و«فكرة الجمال»، يجمع إيغلتون بين الأدب والفلسفة والأخلاق واللاهوت والنظرية السياسية ليعصر خلاصة الفكر السياسي والفلسفي الغربي، من خلال كتابات إفلاطون وباسكال وديكارت وأوغسطين وسبينوزا وديفيد هيوم وكانت وهيغل وكيركغارد ونيتشه وشوبنهاور وسارتر وغيرهم من كبار الفلاسفة والمفكرين. وينبغي القول هنا ان المأساة التي طرحها الكاتب قد تعلقت كثيرا بالأدب والأعمال الفلسفية، من هنا فهو عندما يتحدث عن المأساة في العصر الحديث لا يتطرق بالضرورة إلى حالة المعاناة التي يعاني منها الكثير من البشر، نتيجة للكوارث البشرية أو الطبيعية، بل إلى المفهوم اصطلاحا. ولذلك عمد المؤلف في فصوله العشر إلى التعامل مع هذا الموضوع من زوايا مختلفة. فأولا يعالج إيجلتون الموضوع من حيث النظريات التي طرحت أو ناقشت مصطلح المأساة وما هي الأفكار السائدة وأبرز المتحدثين أو النظريات التي طرحت في هذا السياق، سواء كمصطلح تقني، أو في معرض إرتباط المأساة بالحزن الشديد ومعناها الأوسع. وثانيا، يتطرق المؤلف إلى الشخصيات البارزة التي كانت رمزا للمأساة في الكثير من الأعمال الأدبية، كما هو الحال مع شخصيات بيكيت أو سارتر أو أرسطو أو ديستوفسكي، ويحاول في ذلك إيجاد قاسم مشترك أو مختلف بين هذه الشخصيات التي صنعها البشر، والتي كانت المأساة نتيجة لصراع مع الطبيعة، أو مع المجتمع، أو مع الذات الإنسانية. وثالثا لم يقتصر الكاتب في معالجته للموضوع على الأدب حسب، بل تطرق إلى كبرى الأعمال الفلسفية التي طرحها بعض الفلاسفة مثل هيجل، ونيشته، وفرويد، وغيرهم، حيث عالج هذا الموضوع من زوايا متعددة، مزاوجا ومقارنا بين المأساة وبين المشاعر والسجايا البشرية الأخرى: كالفرح والحزن والخير والشر والسيطرة والتضحية، والإيثار والأنانية، وكيف إن الكثير من هؤلاء الفلاسفة يعزون المأساة إلى طابع ونزعة متأصلة في الطبع البشري. المأساة والمعنى الأوسع ينطلق المؤلف بالقول إن المأساة، كمصطلح، تعني شيئا يبعث على الحزن الكبير والشديد. وفي الوقت الذي تأخذ الكلمة معناها الذي يقترن عادة بالأحداث اليومية المتكررة لما يحصل من فواجع عند مفترق الطرق، أو لما يصاحب حوادث السيارات أو الطائرات، أطلق قدماء الإغريق هذه الكلمة على الأحداث التي رافقت النتائج المأساوية من جراء ذبح أحد الملوك في مكان مماثل. ولكن المؤلف يرى في هذا المصطلح أبعد من إشارته إلى الحوادث المأساوية، ولا يقتصر على مجرد المآلات أو العواقب التي يصادفها الأبطال الواقعيون أو الخياليون في مختلف أشكال المعاناة الطبيعية أو البشرية، كالزلازل والبراكين والحروب والتلوث والكوارث الأخرى. وعند المقارنة ما بين المأساة والحزن الشديد، يأخذ الأول معنى فنيا، في الوقت الذي لا يوجد مثل هذا البعد في مصطلح الحزن الشديد، من هنا كانت الكثير من الأعمال الأدبية كالقصص القصيرة والروايات، تتسم بالمأساوية مع إن البعض منها لا ينطوي على معنى الحزن الشديد. ومن جانب آخر، يرى الكاتب إن المأساة، تعريفا، تطرح مشكلة أخرى وتتمثل بأن هذا الكلمة ذات معان متعددة لا تقتصر على الدلالات الشائعة أو المتداولة. فهي، كما الحال عليه مع الكوميديا، تشير إلى أعمال أدبية أو أحداث واقعية، أو آراء عالمية، أو حتى هيكلية للمشاعر. فالمرء يمكن أن يكون كوميديا (ساخرا) من دون أن يكون متفائلا، أو من دون أن يكون مضحكا. وكما يصور دانتي المأساة، فإن التمييز بين الفن والحياة الواقعية ينبع من الفكرة القائلة بأن المأساة تتأصل في النظام الإجتماعي. وتتركز النظرة إلى المأساة في فترة ما شهدت العديد من المآسي أكثر من غيرها من فترات التاريخ. وعلى الرغم من أن الكثير من العلماء والباحثين في العصور الحديثة قد يتحدثون عن اضمحلال وأفول المأساة في ظل هيمنة الكثير من المفاهيم السياسية والفكرية التي تم طرحها على المسرح العالمي، فإن التاريخ، كما ينظر إليه إيجلتون، منغمر بالكثير من المآسي، كالحروب والمذابح والأمراض المعدية والمجاعات والاغتيال السياسي. وفي الوقت الذي توسعت رقعة المأساة، فإن حساسية البشر تجاهها قد تفاقمت هي الأخرى، فكانت الفترات الأكثر دموية هي تلك الأكثر مأساوية، والتي ينعتها البعض خطأ بالإنسانية. والسبب في ذلك إن الإنسانية والبشرية، اللذين هما مصدر الدمار الذي حل بالإنسان في معظم فترات العصر الحديث، يوليان احتراما بارزا إلى الحياة البشرية، وهي بالفعل الفترة، وكما يقول عنها المؤلف مستغربا، التي أٌريق فيها الكثير من الدماء، في الوقت الذي تم الاعلان فيه عن أن المأساة قد قضت نحبها أو ذات قيمة مطلقة. وما يحصل للمأساة في القرن العشرين، وفقا لمنظور الكاتب، هي أنها في واقع الحال، أو كما تظهر المعطيات الحالية، ليست في صدد الاحتضار، بل إنها تحولت صوب المدنية والحداثة التي تقف على شفا نقيض الديمقراطية وتتلهف إلى صورة الفوضى البدائية. وفي العصر الأخير، يعبر المصير الرمزي أو الخيالي، الذي كان يظهر في أعمال المأساة السابقة، عن وجهه الحقيقي بقناع خفي للقوى المتصارعة- اللغة، والرغبات الشريرة، والقوة، والتاريخ، والانتاج، والسيطرة- التي تقود بني البشر وتتحكم بهم أكثر مما يتحكم بها البشر في العصر الحالي. فالتغيير الذي طرأ على العصر الحالي، ما هو الا كما قال عنه بيكيت أو جويس، عودة للأشياء التي كانت سائدة في عصور ما قبل التاريخ. وبالنسبة للكثير من الفلاسفة والمفكرين المعاصرين، مثل نيتشة وفرويد وزيمل، فإن الحضارة قد إنقلبت على نفسها بنحو مدمر، وإن النتاج المادي يولد ثقافة تقوض ذاتها بفعل نزعتها المادية وأنانيتها. ويرى فرويد ان الثقافة والحضارة باتتا متقوقعتين في صراع مأساوي مع القوى المدمرة بالذات والتي كان من المفترض أن تتغلبا عليها. وفي الوقت الحالي بات هذا المصطلح متلبسا بحلة ضيقة أو ذات معنى محدود، حتى كأن المعنى الحقيقي قد ولى إلى غير رجعة. من هنا يرى الكثيرون حاليا بأن مصطلح المأساة لا يمت للأعمال الأدبية أو إلى الشخصيات الرمزية بأية صلة، فهي، بالنسبة لهم لا تمثل سوى حدثا واقعيا، وإن الكثيرين الذين يستخدمون هذا المصطلح ربما لا يعلمون ان له معنى أدبياً أو فنياً باتاً. ولذلك فعندما يرى النقاد المحافظون بأن من غير الدقيق أو الصحيح نعت الأحداث اليومية بالمأساة، يستخدم زملاؤهم المصطلح للإشارة إلى الأحداث المؤلمة التي تحل بالكثير من العوائل أو بمدمني المخدرات، علما ان هؤلاء النقاد قد يصابون في الذهول عندما يشاهدون فيلما أو يقرأون رواية تحمل الاسم ذاته. المأساة في الأعمال الأدبية يقول إيجلتون ان المأساة قد شغلت الكثير من الأعمال الأدبية وعلى مر العصور، فكانت موضوعا مهماً للأدب الإغريقي الذي تمثل في المسرحيات المتعددة، وكذلك في الأعمال البارزة، كالالياذة والأوديسة، وأعمال شكسبير والروائيين الآخرين. وكان السبب في ذلك، كما يراه الكاتب، ارتباط عامل المأساة بالحالة الإنسانية التي سعى الكثير من الكتاب إلى تصويرها من جانب، ولدور المأساة في الصراع الدائم في ما بين الخير والشر. وفي هذا السياق، يشير إيجلتون الى ان الفن المأساوي يفترض سلفا، من حيث النظرية، وجود رؤية مأساوية، ونظرة كئيبة إلى العالم، وإيمان مطلق بكون المرء على أتم الاستعداد للتضحية بحياته من أجله وللذود عنه. وكان المسرح والأعمال المسرحية من أولى أشكال الأدب، فكان المسرح في الواقع صورة وتجسيدا لطرح كافة التناقضات البشرية والمآسي التي صنعها الإنسان، فعمل قدماء الإغريق ومن خلال المسارح المفتوحة على طرح الكثير من الأفكار الغريبة كتناسخ الأرواح، والنزعة البشرية إلى الشر، والاختلافات، والبحث عن الذات، والآلهة التي تمثل البشر أو كانت من صنعهم. أما الشخصية المأساوية التي يراها المؤلف الأبرز في الأدب على مر العصور فتتمثل بأوديب، الذي يجسد الطبيعة البشرية لكونه صورة مزدوجة ومتناقضة في ما بين الآلهة والوحوش. وكانت تلك الشخصية الرهيبة، والتي باتت رمزا بارزا للمأساة البشرية، تحمل الكثير من الغموض والتناقضات التي عجز الكثيرون عن معرفة كنهها أو الوقوف على الدوافع الحقيقية وراء تصرفاتها وسلوكياتها. ولذلك كان أوديب، الذي تمكن من تحليل أو فك غموض النفس أو الطبع البشرية، عاجزا عن تحليل نفسه، أو تفسير مأساته. ويقترح الكثيرون، بما فيهم فرويد، إن أوديب هو صورة تجسد البشر جميعا من دون استثناء، وليس ذلك للرغبة التي قد تكمن في جميع البشر إلى قتل الأب أو إلى تطوير علاقة غامضة أو غير مشروعة مع الأم. فالمشكلة التي كانت تواجه أوديب هي الهوة الكائنة في ما بين موقعه الموضوعي في الترتيب الرمزي وأفكاره غير الواقعية عن نفسه، أو بين ما يمثله هو للآخرين وما يمثله لنفسه. فكان يشعر بأنه الملك والزوج والأب، بفضل شخصيته وذاته المنفصلة. ويشير المؤلف الى إن أوديب يماثل إلى درجة ما الكثير من شخصيات شكسبير من الملوك. فالملك لير هو أحد الشخصيات التي تعيش صراعا بين الجسد والإدراك إذ يمثل الأول إشارة إلى وجودنا المادي الحقيقي، والذي نتشاطره مع الكثير من غيرنا، في حين يصور الآخر قدرتنا وإمكانياتنا التي تعبر بشدة عن رغباتنا. وإثر الصراع الداخلي المرير الذي يعيشه الملك، يضطر إلى نفي زوجته كورديليا بعيدا ويعزل لير نفسه عن العالم الخارجي، وعن لذات الحياة التي كانت في متناوله، وعن تقاليد الملكية، ليترك الحبل على الغارب لوعيه الذي يدور في حلقة غير مفرغة. وبفعل حالة الجنون التي تصيبه، يتخطى فكرة حدود الحياة البشرية، ويكون قادرا على تدمير وجوده بالذات، وهذا ما حدث حقا، عندما ينقاد لير، بفعل عقله، إلى الكثير من السلوكيات والتصرفات غير المقبولة. ويخلص الكاتب إلى القول، وفي معرض الحديث عن مسرحية الملك لير، بأن العديد من أعمال المأساة التي كتبها شكسبير عن ملوك مختلفين، مثل ماكبث أو يوليوس قيصر، تتحدث في نهايتها عما نشعر به، وليس ما يجب علينا أن نقوله. وصورة أوديب المأساوية تتجسد في بعض أعمال توماس مان. وفي روايته، سالمذنب المقدسس، ثمة تناقض غريب عن تلك الحالة، وتمثل التضحية في التصرفات التي لجأت شخصية الرواية الرئيسية إليها. فغريغوريوس، الذي يغوص في ذنوبه، يجنح في سلوكه في النهاية ليشبه أوديب في نظرته إلى الحياة البشرية. وفي بحثه عن مستقر ليحيا في عزلة تامة وبعيدا عن المجتمع البشري، ينتهي به المطاف ليكون مكبلا بسلسلة بالقرب من إحدى البحيرات. ويظل على تلك الحالة لأكثر من سبعة عشر عاما ريثما يتقلص شكله وجسمه، ليماثل كائنا طبيعيا. وفي تلك الأثناء يبحث الفاتيكان عن بابا جديد، ويدرك القائمون عن تعيين البابا، ومن خلال الرؤيا، بأن ذلك الشخص مكبل بسلسلة بالقرب من إحدى البحيرات. وهكذا عملت الصدفة وحدها من جعل هذا المخلوق الغريب البابا غريغوري الكبير، الذي ما كان ليتسبب بالكثير من الأذى والمآسي لو إنه بقي على حاله. أما أعمال دويستوفسكي فتعج بالكثير من المآسي المتمثلة بالضحايا الأبرياء، وبالرغبات البشرية المبهمة نحو الشر. فإيفانوف كارامازوف يرفض بشدة فكرة التضحية- وإن الأطفال، الذين لا حول لهم ولا قوة، لا ينبغي أن يكونوا ضحية أو نتيجة لسوء أو ذنوب الآخرين. ومن خلال رفضه فكرة الخلاص احتجاجا على الأفكار أو المفاهيم المضللة والمنحرفة، يصبح إيفانوف نفسه شخصية مأساوية، وهي الصورة التي تظهر في بعض الشخصيات الأخرى في هذه الرواية التي تتناول البعد الإنساني بصورة نفسية وواقعية مميزة. أما إليوشا كارامازوف، فيؤمن بحاجة الجميع من حوله إلى التضحية والمأساة، وإن على الجميع أن يكونوا مسئولين عن الآخرين، وهو الأمر الذي يلغي دور الضحية ويبعد حالة المأساة، فيتحول مجتمع الذنب المتبادل إلى مجتمع متسامح ينعم بالحرية. وفي هذه الحالة سيتحول مجتمع المنتصرين والضحايا إلى مجتمع يتشاطر مسؤولياته ومهامه. ويصور دانتي أن المأساة لا تتعلق بالأحداث المؤلمة وليست بذات صلة بالحزن والكارثة. من هنا فهو يعرف المأساة بلغة ذات درجة عالية من الجدية والأهمية- أشكال شعرية مؤثرة، وتركيب تسلسلي، ومفردات رائعة، ومادة ذات عمق كبير. وكانت أعمال دانتي، أو تلك التي يتحدث عنها، مأساوية على الرغم من أن البعض منها يحتوي على الانتصارات بدلا من الكوارث ويكون سير الأحداث من الكوارث إلى الانتصارات وليس العكس بالعكس. ولذلك تمثلت المأساة في الأعمال الأدبية القديمة بفساد الطبقة الحاكمة. وفي رواية ميلغل«موبي ديك» التي يراها الكاتب من أروع الروايات التي كتبت على مر العصور الأدبية المختلفة، تصور المأساة من بعد آخر كانت لليد البشرية والجشع والأنانية العامل الأكبر والمساهم الأوسع في صنع الأحداث. حيث الحياة والموت يشكلان المغزى الرئيس في ذلك العمل، بالرغم من إنها تسلط الضوء على صيد الحيتان كوسيلة عيش للكثيرين في عرض البحر. وتتأرجح الشخصية الرئيسية، أهاب، ما بين الحياة والموت، ويتعلق وجوده بالكامل على عامل الصدفة، بالرغم من أن الموت والمأساة تبدو كأنها المنتصرة في الكثير من المنعطفات والأحداث. وفي جنوحه نحو الموت، يشبِّه ميلفن وجود أهاب كالقدم العاجية التي ما هي الا شئ ميت تم إدخالها إلى دم ولحم بشري. وفي بحثه عن الحوت الأبيض، يرفض أهاب الاستسلام إلى عقله ويتحطم في النهاية بفعل نزعاته ورغباته الشريرة. وفي الحقيقة فإن ما يرغب به أهاب في موبي ديك، الذي يجسد لونه الأبيض قدسية لشيء رائع ومبجل، هي الفراغ الغريب والذي يفوق التصور. ويقترح الكاتب بأن موبي ديك تمثل رمزا للحقيقة الروحية ورمزا للواقع المرعب. وسواء أكان المرء ينظر إلى هذا المخلوق كشيطان أو ملاك، فإن هذه الصورة تعتمد إلى درجة كبيرة على مزاجنا وعلى الرؤية التي ننظر من خلالها إليه. البطل المأساوي ولا يتحدث أرسطو عن البطل المأساوي، ولم يتطرق قدماء الإغريق إلى مثل هذا المصطلح بصورة عامة. وفي الوقت الذي يتحدث فيه أرسطو في أعماله الفلسفية عن الأعداء أو الخصوم المأساويين، فإن الحدث المأساوي لا يركز على مثل هذه الشخصيات، ولم تكن المأساة أيضا الموضوع أو المغزى الذي يربط في ما بين الأحداث. وكانت شخصيات أرسطو، التي يمكن نعتها في الوقت الحاضر بالمناؤئين للبشرية نظريا، ضربا من التلوين الأخلاقي، وهم ضحايا ومساندو المأساة، وليسوا السبب في حدوثها. ويختلف أرسطو، كما يراه الكتاب، في تعامله مع المأساة، إذ يقول إن الأحدث المأساوية من دون الشخصيات هي أمرا ذائع الشيوع ومتكرر الحدوث. وبالرغم من أن الكثير من الأعمال المسماة مأساة تنتهي نهايات غير سعيدة، فإن العدد الآخر منها لا ينطوي في الضرورة على نهاية مأساوية أو حزينة. ويعلل المؤلف ذلك بأن أرسطو يجنح بالأحداث لتكون عرضية، لا أن يكون في عرضه متناقضا. وعلاوة على ذلك، لم تكن النهاية السعيدة أمرا ضروريا للأعمال المأساوية الإغريقية، بالرغم من أن ذلك كان التيار السائد على الكثير منها. وفي العديد من الأعمال التي طرحها الفيلسوف الوجودي المعروف نيتشه، فإن المأساة هي الطابع السائد عليها، وإن الكثير من هذه المأساة قد سببتها المدنية الحديثة. ويرى نيتشه بأن المأساة تحتاج إلى أسطورة، وإن المدنية قد عملت على تغييب كل منهما. وكانت الرؤية التي تصورها نيشته، تماما كما أفصح عنها كبار الفلاسفة الآخرين مثل فاغنر وهولدرلين، بأن الأسطورة ستولد مرة أخرى على مستوى ملحمة ضخمة في قلب المدنية. وأخيراً، فإن حالات التوتر المأساوية التي تحفل بها مسرحيات أو أعمال سارتر الروائية فهي ذات طابع سياسي وميتافيزيقي. فالمرء لا يمكن أن يحارب من أجل العدالة من دون وجود فكرة منظمة للخير في ما وراء الحالة الحاضرة. ولكن المجتمع العدالة هي غاية صعبة المنال في حد ذاتها، وإن الناس الذين يحاربون للوصول إلى مثل هذا المجتمع هم في الغالب، وكما يصورهم سارتر، آخر من يمثلون الفضيلة، أو أنهم ببساطة يولدون بعد قيام مثل هذا المجتمع. وفي نهاية بعض المسرحيات، يعمد سارتر إلى إيجاد الحل إلى هذه المعضلة، عندما يوازن بنحو مؤثر للغاية في ما بين الخير وأنانية الشر، إذ يمزج فيما بينهما باسم عمل ثوري.