الثلاثاء 8 محرم 1424 هـ الموافق 11 مارس 2003 لقد كانت الفرصة الأخيرة التي تحدثت الأخبار فيها عن ياسر عرفات، تبين أنه أحد الزعماء الأثرى في العالم. ومن غير الواضح ماذا يفعل بهذا المال بين أنقاض المقاطعة، لكن هذا الخبر أدى الى قطع شعرة أخرى بالنسبة لموقعه، والذي تجول قبل فترة قصيرة بين عواصم العالم، ورقص على كل حبل دقيق اعترضه، وفاز بجائزة نوبل وتحول تقريبا الى اسطورة دولية. انتهت الشهرة لدى العالم بعد عملية حيفا، فمثلا لم تطرح الامكانية الاحتفالية «لطرد عرفات من المناطق»، والتي كانت في أحد الأيام معادلة عجيبة للشعائر الحالية التي تحيط بشارون، وعلى انفراد لدى كل من: موفاز، شالوم ونتانياهو. لا يوجد من نقوم بطرده. في هذا المكان الذي يوجد فيه عرفات لا يوجد شيء. لربما «انه يحكم ببأس» يحكم من؟ نبيل شعث؟ الكيان الفلسطيني الذي يقف على رأسه انه مثال «الكيان ولا شيء» لجان بول سارتر، يتم وصفه وفق ما لا يوجد فيه، مثلما يتم وصف عرفات اليوم وفق ما لا يوجد لديه. لا اقتصاد لديه، لا جيش لديه، لا يوجد لديه ما يعرضه على شعبه الفلسطيني والذي يعتريه اليأس. انه لربما «الرمز»، لكن هذا الرمز لا يمثل أكثر من تقرير المصير الفلسطيني المنكمش. يعيش عرفات بسبب الموازين الراهنة الدقيقة: بين حماس والجيش الاسرائيلي، بين جباليا وسدروت، بين بوش وصدام. انه يجلس في قلب اللعبة الدموية، لكن هذه اللعبة تجري من دون مشاركته، ومن دون أن يقدر على توجيهها، ومن دون أن يتمكن من ايقافها، ودون أن يتمكن من تمثيلها، ويكشف وجهه أمام الكاميرات، والشعور ثانية برفرفة جناحي التاريخ. انه يستمع عن وقوع العمليات من خلال الاذاعة أو التلفزيون سوية مع سكان اسرائيل، ويكتشف أنه حتى لا يتهمونه بهذه العمليات. أن أداة اللعب الأخيرة التي بقيت لديه هي التحرك في خطوات ترتجف لها الفرائص من خلال تعيين رئيس حكومة فلسطين. ان الجدال الدائر بين المؤرخين والمحللين الصحافيين حول ماذا أدى بعرفات ان يقوم بهذه الخطوة، سيستمر وأشك أن يصل الى نتيجة. ان الوسيلة الوحيدة هي توجيه اصبع الاتهام اليه فقط. لكن عن الوضع التعيس الذي وصل اليه فيتحمل مسئوليته العديدون من الأمة العربية، وبالطبع من القيادة الاسرائيلية. ابتداءا من نتانياهو الذي أوقف تنفيذ اتفاقيات أوسلو، وانتهاء بالعناق المتعال لباراك، ناهيك عن الحديث حول شارون الذي استمر بحساباته الدموية معه والتي كان قد ابتدأها في بيروت. لكن دور عرفات بما جرى له لا يمكن التغاضي عنه. فهو لم يقرر من هو: تشي جيفارا الفلسطيني، رجل منظمات بروحه، يكره السلام ورتابته، أم أنه نلسون مانديلا فلسطيني، والذي يلقي فعلا بالماضي من وراء ظهره. في اللحظة التي ذهب فيها عرفات الى اتفاقيات أوسلو لا يمكنه عندها أن يكون تشي. وعندما لم يقم على اسكات العنف الذي خرج من بيته، وفي مراحل معينة قام على دعمه، فقد الفرصة ليكون مانديلا. ففي العالم الصعب والقاسي الذي يعيش فيه، على الانسان أن يقرر من هو وكم بالحري قائد وطني. فمن لا يقرر يتم محوه. عن «معاريف»