السبت 5 محرم 1424 هـ الموافق 8 مارس 2003 التقديرات حول استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين بعد الحملة الاميركية في العراق واسعة الانتشار. ادارة بوش ستطرح خريطة الطرق بالتأكيد على اسرائيل وستبدأ في تطبيقها ولكن في سياق ذلك قد ينسون العبرة الأساسية من هجمات سبتمبر على امريكا: المفاوضات يمكن ان تجري فقط مع خصم ذا أهداف محدودة، قابلة للتحقق وقابلة للمساومة، أما العدو صاحب الأهداف غير المحدودة فيجب الرد عليه من خلال الحرب فقط حتى هزيمته: لا يوجد ما يمكن التفاوض حوله معه، هذا الاستخلاص الذي توصل اليه بوش عندما قرر خوض حربه الشاملة العالمية ضد الارهاب بعد هجمات القاعدة على الولايات المتحدة. واسرائيل هي الاخرى تواجه عدوا ذا تطلعات وأهداف لا محدودة، هدف حماس والجهاد الاسلامي والمنظمات المماثلة المرتبطة بعرفات وحزب الله هو القضاء على دولة اسرائيل، لا مجال للتفاوض معهم عملية اوسلو ارتكزت على افتراضات أساسية خاطئة، على وهم ان عرفات مستعد للتخلي عن هدف م.ت.ف المعلن بإبادة اسرائيل، وانه سيقوم بقمع المنظمات المتشددة بعد التوقيع على الاتفاقات، اسحق رابين كان على اقتناع بأن عرفات سيقوم بالمهمة أفضل من الجيش الاسرائيلي، لهذا الهدف أُعطي 20 ألف بندقية لتسليح قواته البوليسية. ولكن تبين ان هذا كان مجرد وهم فعرفات لم يتخل عن هدف م.ت.ف الأساسي وبرهن على انه لا يريد القضاء على التنظيمات المتشددة التي عملت في مناطق السلطة الخاضعة له، كما انه قام، بالمناسبة، بتشجيع هذه التنظيمات على تنفيذ عمليات ارهابية بهدف كسر قوة اسرائيل على الصمود، الا ان اسرائيل تواصل التصدي للعنف الفلسطيني، واذا لم يكن الفلسطينيون يرغبون أو يستطيعون وقف العنف الفلسطيني فعلى الجيش الاسرائيلي ان يفعل ذلك بنفسه. هناك من يدعون ان دافعية الفلسطينيين للقيام بعمليات عنف تعتمد على درجة استعداد اسرائيل للاستجابة لبعض مطالبهم أعطوهم «أفقا سياسيا» فتنخفض الدافعية لديهم، لاحقوا المتشددين - فسترتفع الدافعية، هذا الادعاء مردود عليه، فلم يكن أحد يستطيع ان يرسم للفلسطينيين أفقا سياسيا أكثر وردية من الأفق الذي وضعه لهم ايهود باراك في كامب ديفيد، ولكن يبدو ان هذا «الأفق» هو الذي قام بارسال الانتحاريين الى شوارعنا والى باصاتنا والى احتفالات عائلاتنا. هل يعتقد أحد حقا ان اسرائيل تستطيع اقناع الشيخ احمد ياسين ورجاله او المسلحين التابعين للجهاد الاسلامي وفرق كتائب شهداء الاقصى من خلال حلاوة اللسان؟ كل هؤلاء يتحركون بدافع أهداف وغايات لا يمكن المساومة عليها، وكما برهنت فترة ما بعد كامب ديفيد يبدو الاستعداد للتنازل من وجهة نظرهم كضعف يزيد من دافعيتهم للعنف، لذلك لا يوجد ما يمكن كسبه من طرح الوعد باقامة الدولة الفلسطينية في هذه المرحلة كما فعل قادة اسرائيل، ولكن هناك الكثير الذي يمكن ان نخسره. الجدار الذي يقام الآن سيصعب في بعض المواقع دخول الانتحاريين الفلسطينيين الى اسرائيل، ولكن الجدار لا يحمينا من العنف الفلسطيني واذا لم نقض عليه فلن تستطيع اسرائيل ان تعيش بسلام. هناك احتمالية جيدة لأن يؤدي نجاح المعركة الاميركية في العراق الى إحداث تغييرات ايجابية في العالم العربي، واذا حدث ذلك فستكون العملية بطيئة على ما يبدو، لذلك لا يتوجب ان نقطع الأنفاس منتظرين هذه التغييرات، الجيش الاسرائيلي والاجهزة الأمنية ملزمون بوضع حد للعنف، والاشهر الاخيرة دليل جيد على قدرتهم في قمع العنف الفلسطيني، عليهم ان يواصلوا مهمتهم بدون شفقة أو رحمة، وهذا هو الامر الذي يتوجب على الحكومة الجديدة ان تصدره لهم. عن «هآرتس»