السبت 5 محرم 1424 هـ الموافق 8 مارس 2003 كتاب ، السياسة والغذاء، الحلقة الخامسة: شركات الأغذية تتلاعب بالإرشادات والدعم الفيدرالي لمراكمة الأرباح، تأليف: ماريون نسلة: عرض ومناقشة: صلاح عويس ومع كشف للابعاد الحقيقية لهذه الصناعة كما يتم القاء الضوء على كيفية تلاعبها بصحة البشر اجل تحقيق مكاسب بمليارات الدولارات. ومؤلفة الكتاب هي ماريون نسلة، استاذة ورئيسة قسم دراسات التغذية والاطعمة في جامعة نيويورك والتي عملت مستشارة للسياسة الغذائية في وزارة الصحة والخدمات الانسانية، وهي تنتمي الى عائلة ذات ماض ـ وحاضر ايضا ـ في صناعة الغذاء، ولم يمنعها ذلك من انتقاد السياسات الغذائية لصناعة الطعام وتأثيرها على الصحة. في عام 1968 شكل مجلس النواب الأميركي لجنة مختارة لشئون التغذية والاحتياجات الانسانية، وكانت مهمتها قيادة الحرب ضد الجوع في أميركا، بعد ان كشفت التقارير عن انتشار الفقر وسوء التغذية بين الجماعات ذات الدخل المحدود في الولايات المتحدة، وفي عام 1976 قامت تلك اللجنة بتنظيم سلسلة من جلسات الاستماع حول علاقة النظام الغذائي بالأمراض القاتلة،وخرجت بتوصيات عن ضرورة العودة الى شعار «كل أقل». وبعد ذلك بعام وعلى أساس الشهادات التي طرحت في تلك الجلسات، كتب أعضاء اللجنة تقريراً سرعان ما أصبح سييء الصيت، وهو تقرير «الأهداف الغذائية للولايات المتحدة الأميركية». وقدمت اللجنة تقريرها ذاك في يناير 1977 في مؤتمر صحفي، وقد حدد التقرير ستة أهداف كان أولها زيادة استهلاك المواد الكربوهيدراتية الى ما بين 50 ـ 60% من كمية السعرات الحرارية في الوجبة الواحدة، أما الأهداف الباقية فكانت تعني بوضوح ان على الانسان أن «يأكل أقل» بأن يخفض الدهنيات (إلى 30% من السعرات) والدهون المشبعة (إلى 10%) والكوليسترول (إلى 300 ملليغرام في اليوم) والسكر (إلى 15% من السعرات) والملح (إلى 3 غرامات في اليوم). ولتحقيق تلك الأهداف أشار إلى ضرورة أن يتناول الاميركيون المزيد من الفواكه والخضروات والطحين الأسمر والدجاج والأسماك. وفي جميع الأحوال ينبغي عليهم أن يخفضوا من أكل اللحوم والبيض والأطعمة عالية الدسم، والزبد والسكر والملح وأن يستبدلوا بالحليب كامل الدسم حليباً قليل الدسم. وهذه التوصيات الأخيرة هي التي أثارت الزوبعة. وهذا ما يفسر العنوان الذي اختارته المؤلفة لهذا الجزء الخاص بتقرير الأهداف والذي يقول: «صدر، ولقي معارضة، وروجع عام 1977». التقرير والعاصفة شملت العاصفة التي أثارها التقرير مربي الأبقار ومنتجي البيض والسكر وأصحاب صناعة منتجات الحليب. وقام هؤلاء بتسجيل احتجاج شديد اللهجة على فكرة أن يقوم الكونغرس بالذات باخبار الناس بأن منتجاتهم مضرة بالصحة. وطالب مربو الماشية في ولاية داكوتا الشمالية مسقط رأس ماكجفرن نفسه رئيس اللجنة بسحب التقرير على الفور. وطالب منتجو اللحوم والبيض بعقد جلسات استماع اضافية للتعبير عن آرائهم، ورضخت اللجنة لهذا المطلب. وقد أعربت المؤلفة عن استمتاعها بقراءة نصوص سجلات تلك الجلسات لأنها تكشف بوضوح شديد تحركات المصالح وهي تعمل، فعلى سبيل المثال عرض السيناتور الجمهوري روبرت دول عضو اللجنة على مستر راي فيني رئيس اتحاد مربي الماشية، عقد صفقة بالنسبة لصياغة معظم سطور التوصية موضع النزاع والتي تتحدث عن «تخفيض استهلاك اللحوم»، وكانت التوصية تحمل رقم (2)، وهذا ما قاله دول: «أتساءل عما إذا كنت تستطيع تعديل رقم (2) وأن تقول: «تخفيض استهلاك اللحوم الخالية من الدهن.. هل يبدو ذلك مستساغاً لك؟».ويرد عليه فيني قائلا: «إن (تخفيض) كلمة سيئة أيها السيناتور»! وأصر أعضاء اللجنة الذين يمثلون ولايات تقع فيها ممتلكات ضخمة خاصة باللحوم، على ضرورة مراجعة التقرير. ونقل عن السيناتور ماكجفرن نفسه قوله «انه لا يريد تدمير الوضع الاقتصادي لصناعة اللحوم والدخول في معركة مع هذه الصناعة لا نستطيع كسبها». ويمكن للمرء أن يتصور ان قائل هذا الكلام هو رئيس اللجنة المعنية، والتي شكلت خصيصاً للحفاظ على صحة ابناء الشعب الأميركي. وكان واضحاً تماماً ان هؤلاء المحتجين لم يكونوا وحدهم، وانهم يلقون تأييد مجموعة كبيرة ضد «تقرير الأهداف الغذائية»، إذ لم يبد بعض العلماء موافقتهم على التقرير مرددين حججاً علمية لا برهان عليها والتعلل بالحاجة إلى مزيد من المراجعة على يد الخبراء، بل تمادى أحدهم ووصف التقرير بأنه كارثة غذائية. وزعم الاتحاد الطبي الاميركي ان معالجة الأشخاص المرضى على انفراد (على يد الاطباء الأعضاء بالطبع) أفضل من قيام الحكومة بتقديم النصيحة الغذائية التي تطبق على الجميع. وأشار الاتحاد الطبي ايضاً إلى ان «التوصيات تحمل في طياتها احتمالاً لعدم تشجيع الانتاج الزراعي لمنتجات غذائية معينة يمكن ان تعتبرها الحكومة غير ملائمة للأهداف الغذائية». التعديلات ومأساتها على الرغم من ان معارضة التقرير تمسحت في شكلها في الكفاءة العلمية التي كانت وراءه، إلا ان تلك المعارضة نشأت أساساً بسبب المضامين الاقتصادية التي احتوت عليها التوصيات. مثال ذلك ان اللحوم (لحوم البقر والخرفان والخنازير) تمد الجسم بنحو 50% من الدهون، والدهنيات المشبعة بنحو 62%، والكوليسترول بنحو 94%، وتوصية الجمهور بأن يستهلك كميات أقل من هذه المواد معناه تشجيعهم على تناول كميات أقل من هذه الأطعمة فضلاً عن الأطعمة المعالجة ذات النسب المرتفعة من الدهنيات والزيوت. وبحلول عام 1977 كانت الرسالة قد أصبحت مفهومة من جانب علماء التغذية وخبراء النظم الغذائية والناشطين الممثلين للمستهلك، وانعكس تأثيرها في نقص مبيعات الحليب والبيض. وعندما استمرت هذه الاتجاهات وبدأت مبيعات لحوم البقر ايضاً في الهبوط، بذلت مجموعات منتجي الأغذية مزيداً من المحاولات الجادة لاضعاف الثقة في نصيحة «كل أقل» واضعاف تأثيرها. وتحت ضغط مكثف أذعنت لجنة ماكجفرن ونشرت طبعة منقحة من «تقرير الأهداف الغذائية» في أواخر عام 1977. وقد شددت الطبعة الثانية نصائحها بالنسبة للبدانة والمشروبات الكحولية، ولكنها تضمنت ثلاثة تغييرات نفذت أساساً لاسترضاء منتجي الأغذية، وأصبحت التوصيات الجديدة على الوجه التالي: ـ زادت حصة الملح من 3 غرامات إلى خمسة في اليوم ـ أضافت الفقرة التالية: «يجب أن يوضع في الاعتبار أمر تسهيل هدف الكوليسترول بالنسبة للنساء ما قبل سن اليأس، والأطفال والبالغين حتى يتسنى لهم الحصول على منافع البيض في النظام الغذائي. ـ استبدلت عبارة: «خفض استهلاك اللحوم» بعبارة أخف استفزازاً وهي «اختر اللحوم والدجاج والأسماك التي تقلل من مقدار الدهون المشبعة». وما حدث بعد التعديلات شكل مأساتها الذاتية، فقد اعترض نك موتيرن عضو اللجنة الذي صاغ مسودة التقرير على التسويات التي تمت وطلب منه تقديم استقالته. وعندما ذكر السيناتور ماكجفرن شركة ماكدونالدز وغيرها من الشركات المماثلة بقوله: «انها إجمالاً لا تعتبر اضافة للنظام الغذائي المتوازن» بدا ان صناعة أخرى قد ألقت بثقلها في الميدان. ومع ذلك فقد كان نشر تقرير الأهداف الغذائية المعدل آخر أعمال اللجنة، وفي فبراير 1977، وبعد قليل من ظهور الطبعة الأولى، صوّت مجلس النواب لصالح دمج لجنة ماكجفرن مع اللجنة الفرعية للجنة الزراعية والتغذية والغابات بنهاية ذلك العام. ولم يستطع الغاضبون على التقرير مساعدة السيناتور ماكجفرن في حياته السياسية، ولقي الهزيمة في معركة إعادة الانتخاب عام 1980. وعلى الرغم من الصفقات التي تمت بشأن تقرير الأهداف الغذائية، فإن هذا التقرير أصبح نقطة تحول، فقد أرسى نموذجاً لجميع ما تلاه من توصيات غذائية، وبدل مسار التعليم الغذائي في الولايات المتحدة. ومثال ذلك ان الجمعية الأميركية للتغذية الاكلينيكية، وهي منظمة من الأساتذة والفيزيائيين الذين يقومون بأبحاث على التغذية البشرية، شكلوا لجنة في عام 1978 للرد على «الحجج المتحيزة» للعلماء الذين عارضوا تقرير الأهداف الغذائية، وكذلك لاجراء مراجعة شاملة للأبحاث القائمة، والعمل على توفير إجماع يكون مفيداً للمسئولين في وضع سياسة قومية. ولدهشة الجميع توصلت اللجنة إلى ان البحوث أثبتت زيادة كبيرة في مخاطر المرض بسبب تناول الكثير من الدهون والكوليسترول والملح والسكر والمشروبات الكحولية، وان من الممكن تخفيض هذه المخاطر بتناول كميات أقل من هذه العناصر، أي من مصادرها من الأغذية. وقدم الاتحاد الأميركي للقلب دعماً اضافياً لتقرير الأهداف الغذائية في عام 1978 عندما كرر علماؤه موقفهم القديم الذي ظلوا متمسكين به وهو نصح الناس بأن يأكلوا دهنيات أقل ودهوناً مشبعة وكوليسترول أقل. وفي عام 1979 أصدر المعهد القومي للسرطان توصيات تتفق مع تقرير الأهداف الغذائية في مشروعه الأول بالنسبة لدور النظام الغذائي في خطر الاصابة بالسرطان.وفي أواخر السبعينيات من القرن الماضي، أصبح العلماء في معظمهم (إن لم يكن كلهم) يجمعون على تعديلات غذائية متماثلة للمساعدة على منع أكبر سببين للوفاة في الولايات المتحدة الأميركية، وهما مرض الشريان التاجي والسرطان. الناس الأصحاء وفي عام 1979 اصدرت وزارة الصحة والتعليم والشئون الاجتماعية تقريراً بعنوان «الناس الاصحاء» بهدف «تشجيع الثورة الصحية العامة الثانية في تاريخ الولايات المتحدة، ولعلنا لا نرتكب خطأ في فهم مغزى هذه الوثيقة، وهي تمثل اجماعا برز بين العلماء والمجتمع الصحي على وجوب اعادة صياغة الاستراتيجية الصحية القومية للتركيز على منع الامراض». وهذا التقرير ازاح خطة ادارة الصحة العامة العشرية لتحسين صحة الشعب. وفي قسم صغير من التغذية في تقرير «الناس الاصحاء» نصح التقرير بتناول المواد الكربوهيدراتية والمزيد من الاسماك والدجاج، وتناول القليل من المواد المتهمة العادية: السعرات الحرارية، والدهون المشبعة، والكولسترول، والملح، والسكر، وكذلك الاقلال من تناول اللحوم الحمراء، ونظراً لملاحظة التقرير أن نصف النظام الغذائي الاميركي يتكون من الاطعمة المعالجة، فقد طلب ايضا الحذر من الصفات الغذائية لتلك الاطعمة، ولما كان المسئولون يدركون ما سوف تثيره التوصية بتناول لحوم أقل والحذر من الاطعمة المعالجة، من اهتمام غاضب، فقد نشروا التقرير بدون عقد مؤتمر صحفي، وكان هذا آخر عمل رسمي يقوم به جوزيف كاليفانو الذي فصله الرئيس الاميركي جيمي كارتر من منصبه كوزير لوزارة الصحة والتعليم والشئون الاجتماعية، واثار التقرير «عاصفة من الاحتجاجات» من جانب صناعة اللحوم.وكان هذا التقرير آخر نشرة فيدرالية توصي بوضوح بتناول كميات اقل من اللحوم الحمراء.وترى مؤلفة الكتاب أن وزارة الزراعة الاميركية، وخبراء التغذية فيها لم يكونوا واثقين من ان الناس سوف يتبعون نظاما غذائيا يبدو لهم أنه يلغي انماط الطعام المعتادة ولذلك اصدر هؤلاء الخبراء سلسلة من المطبوعات لمساعدة الناس في تقبل تقرير الاهداف الغذائية، وكانت اولى محاولاتهم هي كتاب «الطعام: المرشد الخالي من المشاحنات الى نظام غذائي افضل» وقد بدا الكتاب محايدا بحذر بالنسبة للمسائل المتعلقة بالنظام الغذائي والصحة، فقد جاء فيه مثلا: «يقول كثير من العلماء ان النظام الغذائي الاميركي يتسبب في بعض الامراض المزمنة التي تصيب الناس في اواخر العمر، وهناك علماء آخرون يرون بالقوة نفسها ان الدلائل لا تؤيد مثل هذه الاستنتاجات». ومع ذلك فقد وضع هذا المرشد الخضروات والفاكهة ومجموعات الخبز وانواع الكورن فليكس في ترتيب يسبق مجموعات منتجات الالبان واللحوم، واضاف مجموعة خامسة من الاطعمة في قاع القائمة، وهي الدهون والحلوى والمشروبات الكحولية، ولتخفيض مقادير الدهون، طرح المرشد مقولة: «خفض اللحوم الدسمة» وفي هذه المرة اشتكت صناعات اللحوم ومنتجات الالبان والبيض لا من النصح بأن «تأكل أقل» ولكن لاعتبارهم انه ليس من المصلحة وضع مجموعاتهم الغذائية في ترتيب يقع تحت مجموعات الاغذية النباتية.ومما يوضح مدى نفوذ شركات الاغذية ان كارول تاكر فورمان مساعدة وزير الزراعة الاميركية لشئون الطعام وخدمات المستهلك وعددا من مؤيدي نصائح المرشد، فقدوا مناصبهم السياسية في انتخابات عام 1980، ووجد منتجو الاطعمة ترحيبا كبيرا هم وشكاواهم من النظام الجديد في وزارة الزراعة التي اوقفت اعادة طباعة المرشد، وعلقت تنفيذ مطبوعات تالية في تلك السلسلة من الكتب، وكان كتاب «الطعام» ذاك آخر مطبوعات الوزارة التي توصي بأية قيود على مقادير اللحوم في الاعوام الستة عشر التالية. وتتناول ماريون نسلة في كتابها المحاولات المخادعة التي لجأت اليها وزارة الزراعة في محاولة منها لاصدار توصيات للجمهور بشأن الطعام لا تثير مشكلات سياسية، فقامت في فبراير 1980 باصدار مطبوعة بعنوان «الارشادات الغذائية للاميركيين» وكانت توصيات المطبوعة، التي تبدو في الظاهر انها مفيدة، تدور حول العبارات التالية: «تناول اطعمة متنوعة، احتفظ بوزن مثالي، تجنب الدهون الكثيرة، وتجنب الاكثار من الدهون المشبعة والكوليسترول، تناول الاطعمة الغنية بالنشاء والالياف، تجنب الاكثار من السكر، تجنب الاكثار من الصوديوم، واذا كنت تتناول المشروبات الكحولية، فافعل ذلك باعتدال». وتوقع المسئولون اعتراضات قليلة من منتجي الاغذية لانهم استبدلوا عبارة «كل أقل» بعبارة اخرى غامضة هي: «تجنب الاكثار» والواقع ان مؤسسة تسويق الاغذية، وهي منظمة تجارية تمثل سلاسل محلات السوبرماركت، وعدت بتوزيع مطبوعة الارشادات على اعضائها لانها «بسيطة ومعقولة وتوفر حرية كبيرة في الاختيار» وحتى المؤسسة الاميركية للحوم قالت ان مطبوعة الارشادات تقدم العون لما أسمته «الدور المركزي المستمر للحوم»، بعد ذلك اصدرت الاكاديمية الوطنية لعلوم الطعام والتغذية تقريراً يقول ان الناس الاصحاء لا ينبغي لهم ان يحدوا من مقادير الدهنيات او الكولسترول، وقد اتهم النقاد العلماء الذين أصدروا التقرير بأنهم على علاقة وطيدة بشركات اللحوم ومنتجات الالبان والبيض، وازاء هذه الورطة غيرت الاكاديمية اولئك العلماء. وفي عام 1982 اصدر العلماء الجدد، ذوو العلاقات القليلة بصناعة الطعام، تقريرا عن النظام الغذائي والسرطان يدعم مطبوعة الارشادات الاولى ويوصي بالحد من مقادير اللحوم شديدة الدسامة، ومن الملح، وخاصة اللحوم المملحة مثل الهوت دوجز والنقانق وشرائح لحم الخنزير لخفض المواد المسرطنة، واعتبر منتجو اللحوم التقرير مسئولا عن انخفاض اسعار المواشي عقب صدوره، اما منتجو لحوم الخنزير فقد دفعوا سبعة من اعضاء الكونغرس الى تقديم طلب بإجراء تحقيق، وانضم عدد من العلماء الى حملة المعترضين على التقرير. وترى ماريون نسلة في كتابها ان اكبر مفارقات التاريخ في هذا المجال ان الادارات الفيدرالية كانت قادرة على تحقيق اجماع عريض على التوصيات الغذائية اثناء ادارة ريغان المحافظة، غير ان ذلك لم يحدث وبعد انتخاب رونالد ريغان رئيساً للولايات المتحدة في نوفمبر عام 1980، اصيبت نشرة الارشادات الغذائية بالموت المفاجيء، واراد الكونغرس التأكد من توحيد موقف الادارات الفيدرالية من مسألة النظام الغذائي والصحة، فاصدر توجيهاته على الفور الى تلك الادارات لتعمل مع مجلس الطعام والاغذية لمراجعة الارشادات الغذائية، وفوجيء النقاد بتفاهة التعديلات التي اجريت عليها والتي انحصرت في ثلاث كلمات فأصبحت عبارة «حافظ على وزن مثالي» : «حافظ على وزن مرغوب فيه»، وتغيرت كلمة «الكحول» الى «المشروبات الكحولية» واثبتت عملية المراجعة تحقيق اجماع على الانواع على حساب الشفافية والوضوح، وارادت التعديلات ارضاء بعض الشركات التي ينظر اليها على انها «سيئة» فذكرت لجنة المراجعة ان «أي طعام» يمد الانسان بالسعرات الحرارية والمواد المغذية يجب ان يعترف بأنه مفيد، واكثر من ذلك لجأت اللجنة الى تعديل صياغة بعض العبارات لكي تجعلها تبدو اكثر ايجابية واقل اصرارا على الحد من تناول انواع معينة فحولت اللجنة عبارة «تجنب الكثير من .. » الى عبارة: «اختر نظاما غذائيا منخفضا من ... »، وتحولت عبارة «اختر لحوما خالية من الدسم» الى «تناول حصتين او ثلاث حصص من اللحوم» وتقول المؤلفة عن فترة الثمانينيات في عهد الرئيس الاسبق رونالد ريغان انها شهدت اعتبار سعى المستهلك الى شراء الاطعمة امرا «صحيا» بينما، اي نصيحة بالامتناع عن تناول طعام ما تعد امرا «غير صحي».وانتهزت صناعة الطعام الفرصة لاستغلال الارشادات الغذائية والدعم الفيدرالي في تسويق منتجاتها معتقدة ان تلك الارشادات المعدلة سوف تشجع الشركات على انتاج اطعمة للمستهلكين المهتمين بعملية التغذية، وان الطلب الاستهلاكي سوف يشجع شركات الاغذية على لفت الانظار الى منتجاتها المطروحة في الاسواق، وفي الوقت نفسه تقوم بصناعة تشكيلة واسعة من المنتجات ذات النسب العالية من الالياف، والصوديوم المنخفض، والدسم القليل، والكوليسترول القليل، كذلك مارست صناعة الاغذية ضغوطا كبيرة على الادارات الفيدرالية لاصدار تعليماتها بشأن الملصقات التي توضع على المنتجات الغذائية التي من شأنها ان تسمح للشركات باستغلال الادعاءات الصحية ووضعها على منتجاتها. أسباب الحيرة ترى المؤلفة ان كثيرا من الناس ظلوا يشعرون بالحيرة ازاء ما يجب عليهم ان يأكلوه، وذلك على الرغم من التكرار المستمر لموضوعات التوصيات الغذائية التي تحث على المحافظة على صحة الناس، مثل شعار «تناول اطعمة نباتية اكثر، واطعمة حيوانية ومعالجة اقل» وتعيد ماريون نسلة اسباب تلك الحيرة الى اقتصار المناقشات العامة حول قضايا التغذية على التركيز على مواد مغذية وحيدة، وعلى التمييز بين منظومة من الارشادات، ومنظومة اخرى، وبذلك اصبحت الامور شديدة الغموض بالنسبة للمستهلكين على الرغم من العقود العديدة من السنوات التي شهدت صدور ارشادات غذائية كثيرة، كذلك فان ما يفسر حيرة الناس هو ان شركات الاغذية تعمدت ذلك بجهودها الدائبة لنسف مفاهيم شعار «كل أقل» وقد اجبرت ضغوط تلك الشركات المسئولين الحكوميين وخبراء التغذية على صياغة ارشادات غذائية بطريقة تخفي رسالتهم للناس وتخفف من دعمهم لذلك الشعار. ولا يستطيع احد اكتشاف المعنى الحقيقي من رسالتهم الا بعد امعان القراءة والتفسير والتحليل. فضلا عن ذلك فان التحالفات بين الجمعيات الغذائية، والادارات الفيدرالية، وجماعات صناعة الاغذية، زادت من حيرة الناس بسبب تبنيها لفكرة انه لا يوجد طعام معين او مجموعة معينة من الاغذية يمكن تصنيفها على انها جيدة او سيئة، مما يتناقض مع الارشادات الغذائية الصحية، وحتى منظمة الغذاء والزراعة (الفاو) التابعة للأمم المتحدة تقول ان توصياتها تتعمد تناول النظام الغذائي الاجمالي لا المواد الغذائية المنفردة لان «انماطا غذائية متعددة تنسجم مع الصحة الجيدة».وهكذا فان الارشادات الغذائية الاربعة لهذه المنظمة كفيلة باثارة الاضطراب والحيرة.وهذه الارشادات هي: «تمتع بأطعمة متنوعة ـ تناول الطعام لتلبية احتياجاتك ـ اعمل على حماية جودة وسلامة طعامك ـ كن نشطا وحافظ على لياقتك». وعلى الرغم من ارتفاع معدلات البدانة والامراض الناشئة عنها في الدول المؤسسة لمنظمة (الفاو) فان توصياتها لا تتضمن اي اشارة الى ان الناس يمكن ان يتمتعوا بصحة افضل اذا قللوا من تناول اطعمة دون اخرى، وعندما يتعلق الامر باصدار النصائح الغذائية يصعب الفصل بين العلم الذي ينحاز لاستهلاك اطعمة معينة دون اخرى، وبين المشكلات التجارية لهذه النصائح.