السبت 28 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 1 مارس 2003 بعد زيارة قام بها مناحيم بيغن رئيس الوزراء الاسرائيلي الى بوخارست في 25 اغسطس 1977، والتقى خلالها الرئيس الروماني نيكولاي تشاوشيسكو، طلب منه اقناع صديقه أنور السادات بزيارة اسرائيل والاجتماع مع بيغن، وبعد مرور نحو شهر التقى أنور السادات والرئيس الروماني في بوخارست. وسأله الرئيس المصري: «لقد رأيت بيغن فقل لي: اولا: هل تعتقد انه يريد السلام؟ وثانيا: هل هو رجل قوي بدرجة كافية؟ واجاب تشاوشيسكو بالايجاب عن السؤالين، الامر الذي شجع السادات الى درجة كبيرة. وكانت زيارة حسن التهامي للمغرب واجتماعه السري مع موشي ديان قد شجعت السادات ايضا لانه فهم من مبعوثه ان رسالة ديان في ذلك الاجتماع تشير الى موافقة اسرائيل على الانسحاب من سيناء على الرغم من ان الامر لم يكن على هذا النحو. ومع هذه المؤشرات، بالاضافة الى طلب كارتر من الرئيس المصري القيام «بتحرك شجاع»، قرر السادات ان «يمسك الثور من قرنيه» كما يقول مؤلف الكتاب، وفي الاربعاء 9 نوفمبر 1977، فاجأ البرلمان المصري، واعلن انه مستعد للذهاب الى نهاية العالم من اجل السلام، حتى الى الكنيست نفسه، وكان اعلانه ذاك صدمة واسعة النطاق في مصر بأسرها على الرغم من ان كثيرين لم يأخذوه على محمل الجد، وحدث الشيء نفسه في اسرائيل، بالطبع، وسارع بيغن الى الاستجابة اولا بتوجيه دعوة شفهية الى السادات للمجيء الى القدس، ثم بعد ذلك بخمسة ايام ارسل دعوة مكتوبة الى الرئيس المصري عبر السفارتين الاميركيتين في تل أبيب والقاهرة. سوء فهم ساد اسرائيل اضطراب شديد وقال موردخاي غور رئيس الاركان، في مقابلة اجرتها معه صحيفة «يديعوت احرونوت» في 15 نوفمبر: «يجب ان يعلم السادات انه اذا كان ينوي الخداع، كما فعل في حرب 1973 فإننا على وعي تماما لمواجهته ونحن نعرف ان الجيش المصري يعد نفسه للحرب ضد اسرائيل، على الرغم من اعلان السادات نيته زيارة القدس». وحذر آخرون في اسرائيل من احتمال وجود خطر كبير فبدلاً من نزول السادات من الطائرة بعد وصولها، يحتمل ان تهبط منها مجموعة من الارهابيين تندفع لتحصد بالرصاص ارواح كبار القادة الاسرائيليين، الذين ينتظرون السادات في ارض المطار، وبالطبع، لم يحدث شيء من هذا في 19 نوفمبر 1977 عندما هبطت على ارض مطار بن غوريون الدولي قرب تل أبيب، طائرة السادات الذي هبط منها، وصافح بيغن رئيس الوزراء، وافرايم كاتزير رئيس الدولة، واعضاء الحكومة، والحاخام الاكبر، وأرييل شارون، وموشي ديان، وكثيرين آخرين من بينهم جولدا مائير رئيسة الوزراء السابقة. ويقول المؤرخ أهرون بريغمان: هنا .. في القدس .. وبعد قليل .. اكتشف المصريون والاسرائيليون ان الزيارة التاريخية كلها تقررت في الحقيقة بناء على سوء فهم، وقد اتضح ذلك عندما ذكر السادات ان مصر تسلمت اشارة عبر حسن التهامي، عقب اجتماعه السري مع ديان في المغرب، تفيد بأن اسرائيل مستعدة للانسحاب من سيناء كلها، وعلى الفور قاطعه بيغن قائلا: «السيد الرئيس، نحن لم نقل ذلك» واضاف موشي ديان قوله انه اوضح جيدا للتهامي في ذلك الاجتماع بالمغرب ان دوره هو ان يقدم تقريراً الى بيغن فقط، وانه لم يعد المبعوث المصري بأي شيء. ويشير مؤلف الكتاب الى ان ذلك واضح في محضر الاجتماع بين حسن التهامي وموشي ديان، والذي اورده المؤلف في نهاية كتابه، ولكن السادات اصر على قوله: «لكن التهامي قال انكم مستعدون للانسحاب» فرد عليه ديان بقوله: «السيد الرئيس، انا لم أقل ذلك» .. ثم اضاف ديان بعد قليل قوله: «اذا كان التهامي قد ذكر اننا مستعدون للانسحاب، فهو اذن كذاب». السادات ينفجر غاضباً في اليوم التالي، بعد صلاة الفجر التي اداها السادات في المسجد الاقصى، وزيارة «ياد فاشيم» وهو متحف المحرقة التذكاري، توجه السادات الى الكنيست والقى خطابه المعروف، ويعلق المؤلف عليه بقوله انه تضمن كل العناصر التي كانت تخشاها اسرائيل: وهي طلب الانسحاب الشامل من جميع الاراضي المحتلة في 1967، دولة للفلسطينيين وحق العودة وقد شعر الاسرائيليون بأن كلمات خطاب السادات كانت مزعجة الى درجة ان وايزمان وزير الدفاع الاسرائيلي كتب ملاحظة، اثناء القاء الخطاب، ومررها الى رئيس الوزراء الاسرائيلي، يقول فيها: «يجب ان نستعد للحرب». وفي يوم 21 نوفمبر، وبعد 43 ساعة بعد هبوط الطائرة في اسرائيل، عاد السادات الى القاهرة، ويصف أهرون بريغمان تلك الزيارة بأنها الحدث الاكثر دراماتيكية، في التاريخ الحديث، والاهم في تاريخ اسرائيل، فلأول مرة منذ ثلاثين سنة من صراع دام وخمس حروب يأتي رئيس دولة عربية، بل رئيس اقوى واكبر الدول العربية جميعا، ويمد يده من اجل السلام مع اسرائيل والاعتراف بها. ويضيف مؤلف الكتاب قوله: صحيح انها لم تكن اكثر من عمل رمزي، ولكنها مع ذلك كسرت الحاجز النفسي وكانت حافزا على المزيد من المفاوضات الجوهرية. ويستعرض المؤلف بعد ذلك الاجتماع الثاني الذي عقد بين حسن التهامي نائب رئيس الوزراء المصري وموشي ديان وزير خارجية بيغن، في يوم 2 ديسمبر 1977 في المغرب ايضا، ثم ماتلا ذلك من اجتماعات بين السادات وبيغن في الاسماعيلية، وبين وفود مصرية واسرائيلية. ويشير بريغمان الى ان العلاقات المصرية ـ الاسرائيلية وصلت الى طريق مسدود في شتاء 1977 ـ 1978، وتفاقمت بسبب ما اعتبرته مصر والعالم العربي وواشنطن سياسة اسرائيلية مستفزة خاصة بالاستيطان في الاراضي المحتلة، فقد كانت حكومة بيغن مصرة على تحويل الضفة الغربية الى ارض مستوطنة لاجهاض اي محاولة لاعادتها الى أيدي العرب، كذلك بنت الحكومة مستوطنات في سيناء لاستخدامها فيما بعد في مقايضتها بالقواعد الجوية في سيناء التي اصرت اسرائيل على الاحتفاظ بها. وعندما علم السادات بذلك انفجر غاضبا. ويقول المؤلف: لم يكن السادات الغاضب الوحيد، بل شاركته ايضا قطاعات من سكان اسرائيل الذين ابتهجوا لزيارة السادات التاريخية ولكنهم شعروا بخيبة الامل لعدم احراز تقدم في عملية السلام، ولذلك قرروا الضغط على الحكومة الاسرائيلية ودفعها الى الاستمرار في طريق السلام .. وهكذا ظهرت الى الوجود حركة «السلام الآن». الربط الذي لم يتحقق غير ان مؤلف الكتاب يقول في موضع آخر انه لا الضغوط المتنامية على ميزانية الحكومة، ولا المعارضة من «حركة السلام الآن» داخل اسرائيل والمعارضة الخارجية منعت الحكومة الاسرائيلية من الاستمرار في برنامج بناء المستوطنات في المناطق المحتلة لان استيطان تلك الاراضي وتحويلها الى جزء لا يتجزأ من اسرائيل نفسها هو أهم أسباب وجود حكومة الليكود، وكان من بين أهداف تلك الحكومة في بناء المزيد من المستوطنات اضعاف هيمنة العرب عليها وتغيير التوازن الديموغرافي لصالح اسرائيل، ولذلك نجد انه بينما كان حزب العمل يبني المستوطنات لأسباب أمنية بعيدا عن التجمعات السكانية العربية، كان حزب الليكود يقيم المستوطنات وقرى جديدة بالقرب من مناطق الكثافة السكانية الفلسطينية، ثم يلجأ بعد ذلك الى فرض القيود على العرب لمنعهم من تنمية زراعاتهم وصناعاتهم، ثم تقوم حكومة الليكود بمصادرة الاراضي العربية بذريعة الاغراض الامنية، وتفرض قيوداً على استخدام الفلسطينيين للمياه. وقد قامت جماعة غوش ايمونيم المتطرفة ببناء المستوطنات تحت حماية الحكومة، وقد كان برنامج الليكود وحماس غوش ايمونيم العدواني السبب في استمرار تلك السياسة الى درجة انه في الفترة مابين 1977 ـ 1978 وحدها تم بناء 24 مستوطنة جديدة، وبحلول عام 1993 وصل العدد الى 136 مستوطنة، وعدد المستوطنين اليهود الى 116 ألفاً. وبعد غياب الاتصالات بين اسرائيل ومصر وخاصة بعد زيارة السادات للقدس، شعر الرئيس الاميركي كارتر بالقلق، ونجح في ترتيب اجتماع في بريطانيا بين ديان ووزير الخارجية الاسرائيلية، ومحمد ابراهيم كامل وزير الخارجية المصري بحضور سايروس فانس وزير خارجية اميركا، ولكن الاجتماع فشل، وكانت العقدة الحاسمة فيه اصرار مصر على الربط التام بين اي تسوية مصرية ـ اسرائيلية وحل القضية الفلسطينية، وكذلك اصرار مصر على الانسحاب من جميع المستوطنات اليهودية، والمطارات في سيناء وازداد شعور السادات بالاحباط حتى انه امر الاعضاء الاسرائيليين في اللجنة العسكرية التي شكلت في قمة الاسماعيلية بمغادرة القاهرة والعودة الى اسرائيل، وقرر كارتر اتخاذ خطوة جسور للجمع بين السادات وبيغن في اجتماعات ماراثونية، فكانت لقاءات كامب ديفيد الشهيرة التي اسفرت عن توقيع معاهدة كامب ديفيد التي تضمنت وثيقتين منفصلتين وقعهما السادات وبيغن في واشنطن يوم 17 سبتمبر 1978، الاولى عنوانها «اطار للسلام في الشرق الاوسط» والثانية عنوانها «اطار لابرام معاهدة سلام بين اسرائيل ومصر»، وقد كتب بشأنهما الكثير مما لا نرى ضرورة للاستطراد في تفاصيل ذلك مع مؤلف الكتاب. «الصهر» في الكامب يعود المؤلف في حديثه عن كامب ديفيد الى تذكيرنا مرة اخرى بمن اسماه جهاز الموساد «الصهر» الذي قال انه كان سكرتير الرئيس السادات للمعلومات بدرجة وزير، ويزعم المؤرخ أهرون بريغمان انه كان عميلا مزدوجا لمصر ولاسرائيل. ويدعي المؤرخ ايضا انه كان يبذل جهده اثناء مفاوضات كامب ديفيد، للجمع بين السادات والملك حسين حتى يمكن ان ينضم العاهل الاردني الى عملية السلام. وكان من الواضح ان من صالح مصر واسرائيل ان تنضم دول عربية اخرى الى تلك العملية، ولكن لم يكن واضحا على الاطلاق من الذي طلب من «الصهر» المعاونة في ضم حكومات عربية اخرى. ويستطرد مؤلف الكتاب انه على الرغم أن «الصهر» كان ذراع السادات اليمنى الا ان العلاقة بينهما تدهورت حتى ان السادات جرده من جواز سفره الدبلوماسي اثناء قمة كامب ديفيد تقريبا، ويصل المؤلف عند هذه النقطة الى القول «ان ذلك ينقلنا الى الاحتمال الآخر، وهو ان اسرائيل هي التي استغلت خدمات «الصهر» وعلاقاته الطيبة مع القادة العرب لزيادة عدد الدول العربية المراد ضمها الى اتفاقيات السلام، وعلى اي حال لقد فشل في مهمته وظلت معاهدة كامب ديفيد بين طرفين، هما مصر واسرائيل. ويستعرض مؤلف الكتاب تفاصيل المحاولات التي تلت ذلك للاتفاق مع الفلسطينيين والاردنيين والسوريين، مرورا باتفاق اوسلو، واعلان واشنطن بين الاسرائيليين ومنظمة التحرير الفلسطينية، ثم يتحدث عن الاجتماع السري الذي عقد بين الملك حسين عاهل الاردن واسحق رابين رئيس الوزراء الاسرائيلي في يوم 19 مايو 1994 في العاصمة البريطانية، واللقاءات الاخرى بينهما التي اسفرت في النهاية عن توقيع معاهدة السلام بين الاردن واسرائيل يوم 26 اكتوبر 1994. العلاف وبن أهارون اما بالنسبة للمحاولات الاسرائيلية مع سوريا فيشير المؤلف الى ان محادثات السلام بدأت مع سوريا في عام 1991 بعد مؤتمر مدريد، وكان يمثل اسرائيل يوسي بن أهارون رجل اسحق شامير الذي كان يتولى رئاسة الحكومة آنذاك، وكان يجتمع مع المفاوض السوري توفيق العلاف وتدور بينهما مناقشات واسعة، وبينما يصر العلاف على ان صيغة السلام لابد أن تتضمن الانسحاب الاسرائيلي الكامل من مرتفعات الجولان وفقا لقرار مجلس الأمن رقم 242 كما تفسره سوريا، كان بن أهارون يتمسك بأن يكون اساس العلاقات بين البلدين مبدأ «السلام مقابل السلام، اما بالنسبة للقرار 242 فان التفسير الاسرائيلي هو ـ كما يصر بن أهارون ـ الانسحاب الجزئي من الاراضي المحتلة، وزعم أهارون ان اسرائيل نفذت القرار فعلا بجلائها عن سيناء. وعندما جاء اسحق رابين الى الحكم عام 1992 اعفى بن أهارون وعين مكانه البروفيسور ايتامار رابينوفيتش موضع ثقة رابين، وكان الأمر مشجعا بالنسبة للسوريين، عندما قال في اول اجتماع ان حكومة رئيس الوزراء الاسرائيلي رابين مستعدة من حيث المبدأ للانسحاب من مرتفعات الجولان مقابل السلام. وقد اعدت دمشق في الفترة مابين مايو واغسطس 1992 مشروع اعلان مباديء من اربع صفحات ليشكل جدول الاعمال في المحادثات مع حكومة رابين الجديدة، وكانت مادتان فيه اهم ما جاء بالمشروع وهما المادة رقم 5 ـ أ عن آلية التنفيذ وتنص على انسحاب اسرائيلي شامل من المرتفعات السورية المحتلة عام 67 واجلاء وتفكيك المستوطنات التي اقيمت في الاراضي السورية المحتلة، والمادة 7 عن الترتيبات والضمانات الامنية، وقد ظل الخلاف قائما وما زال حول اي المادتين تنفذ اولا، فالسوريون يصرون على الانسحاب على الضمانات الامنية قبل الانسحاب، وهكذا يدور الاثنان في دائرة شريرة مثل حكاية البيضة ام الدجاجة. تأليف: أهرون بريغمان _ عرض ومناقشة: صلاح عويس