الجمعة 27 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 28 فبراير 2003 عندما اصاب برد خفيف طفل عمره ستة اشهر لسيدة اميركية، تصرفت بالشكل التقليدي واستدعت الطبيب على الفور وطلبت منه وصف دواء لعلاج ابنها. اندهشت الام عندما طلب منها الطبيب ان تربت فقط على ظهر الطفل حتى يشعر بالاطمئنان وعدم التوتر. انها احدث صرعة الآن في عالم الطب، العلاج بدون ادوية، الا في الحالات المستعصية. لقد اصبح البعد عن الوصفات الطبية والعقاقير باهظة الثمن هو الصرعة الجديدة في الطب الغربي الآن. ويهدف هذا الاتجاه إلى البعد عن استخدام العقاقير الا في الحالات الضرورية القصوى. وقد جاءت هذه الصرعة بناء على ادلة طبية تفيد بانه من الافضل احياناً علاج بعض الحالات المرضية الشائعة التي تتراوح بين جريان الانف والامساك، بدون ادوية وعقاقير. وتساءلت بعض الدراسات حتى اذا كان استخدام العقاقير يفيد فعلاً في كثير من الحالات. وقد نشرت المجلة البريطانية الطبية مثلاً فعالاً جاء فيه ان غالبية ادوية علاج السعال المتاحة في الاسواق ليست افضل من اي مسكن بسيط مثل الاسبرين، غير ان شركات تصنيع هذه الأدوية بالطبع يعترضون على ذلك ويفندونه، وهذا امر مفهوم. ويقول بعض الاطباء ان الجسم يحتاج ان يدير شئونه بنفسه. مثلاً يقولون ان الحمى هي وسيلة للجسم للدفاع ضد العدوى وان تناول السوائل والكمادات هي افضل من تناول العقاقير. ويقول فينسنيزا سنو الاستاذ بكلية الطب الاميركية وعضو جمعية الطب الباطني في فيلادلفيا ان نوبة البرد تستمر نفس الفترة سواء تناولت الدواء أم لا. حتى البلغم اصبح ينظر اليه نظرة اخرى يقول الدكتور سنو ان خروج البلغم الاصفر او الاخضر عندما يسعل المريض لا يعني ذلك انه دليل على عدوى بكتيرية كما تعلمنا من قبل، فقد يحدث ذلك مع العدوى الفيروسية التي لا تؤثر فيها المضادات الحيوية. الآثار الجانبية وهناك اهتمام اكبر الآن بالآثار الجانبية للعقاقير حتى البسيطة منها. يقول الاطباء ان مزيلات الاحتقان قد تسبب ارتفاعاً في ضغط الدم، ومضادات الالتهاب تسبب آلاماً في المعدة واحياناً نزيفاً معوياً ومعدياً اذا تناولها المريض لفترات طويلة. ويقول الاطباء ان الاسبرين قد تسبب نزيفاً وارتفاعاً في ضغط الدم من الصعب السيطرة عليه. لكن شركات انتاج الاسبرين كالعادة تعارض ذلك الرأي. الاعلانات التجارية وهناك عوامل مضادة لهذا الاتجاه ايضاً بسبب الاعلانات التجارية عن الادوية والعقاقير. فبعد تكرار هذه الدعايات اصبح الناس يتناولون العقاقير لكل نوع من الالم والصداع. والصيدليات مزدحمة الآن بعقاقير تصلح لكل الاعراض، واحياناً كثير من انواع العقاقير لنفس العرض مما يجعل من الصعب تجاوز الآثار الجانبية المختلفة لهذه العقاقير. وهناك بعض الاطباء ايضاً الذين لا يسارعون بكتابة وصفة طبية يقولون انه من المهم ان نكون حذرين بعدم صرف او وصف الادوية والعقاقير. فكل الامراض من التهاب الحلق حتى الامراض القلبية يحتمل ان تحتاج إلى علاج بالعقاقير. وهناك بعض االدوية المتاحة في الصيدليات دون وصفة طبية تكون جذابة لاسباب اخرى. الاسبرين مثلاً يتناوله الكثيرون على اعتبار انه وقاية من امراض القلب. والحملة الجديدة للبعد قدر الامكان عن تناول العقاقير لها جذور تكمن في المخاوف من تناول المضادات الحيوية. فقد اثبتت دراسات ان الاطباء يسرفون في وصف المضادات الحيوية، بسبب ضغوط من المرضى انفسهم من ناحية، مما يزيد من اعداد البكتريا التي تكتسب حصانة ضدها. لكن هناك دلائل على ان الاهتمام بالموضوع في الفترة الاخيرة قد غير هذا الموقف. فقد ذكرت دراسة في العام الماضي ان عدد المضادات الحيوية الموصوفة للاطفال قد انخفضت بنسبة 40% في الفترة من 1990 حتى عام 2000. انتشار الجدل لكن الاطباء يوجهون عنايتهم الآن نحو عقاقير اخرى من المهدئات إلى مضادات الالتهاب. وبدأ الجدل ينتشر بين المنظمات والجمعيات الطبية خاصة وان بعض المسئولين يسعون إلى خفض تكلفة العقاقير. وبرغم ذلك فالاميركيون مستمرون في تناول العقاقير بكميات متزايدة. والاطباء يصفون عقاقير اكثر من ذي قبل، لأن السكان يزدادون عمراً فضلاً عن توفر مزيد من انواع العقاقير في الاسواق. وتقول الاحصاءات ان الانفاق على العقاقير في المتاجر والصيدليات ارتفع بنسبة 17% ليصل إلى 5,154 مليار دولار عام 2001 (في الولايات المتحدة). والمثير للجدل ان الاطباء الذين يصرخ مرضاهم بالالم هم الذين يقودون الحملة ضد الاسراف في تناول العقاقير، الا وهم اطباء الاطفال. فالدراسات التي تتحدث عن الآثار الجانبية للعقاقير على الاطفال قليلة. ويعتقد بعض الاطباء ان هذا يدعو إلى مزيد من الحذر بشأن وصف العقاقير للاطفال. وفي الوقت الذي نجح فيه الاطباء نسبياً بإقناع المرضى بعدم تناول المضادات الحيوية الا عند الضرورة القصوى، فلا يزال هناك نوع من المقاومة. فكثير من المرضى لا يستطيعون القيام باجازات مرضية طويلة عندما يمرض اطفالهم ويظنون ان الادوية سوف تحسن الاطفال وكثير من المرضى يقولون انهم يشعرون بتحسن بعد تناول الادوية، غير ان الامر يتعلق بالوقت فقط. فغالبية الفيروسات تستغرق اسبوعين او ثلاثة لاستكمال دورة حياتها. والمرضى اعتادوا زيارة الطبيب بعد اسبوع مثلاً من الشعور بالمرض والنتيجة انهم يتناولون العقاقير في الوقت الذي كانوا سيشعرون بالتحسن على اي حال. حرب اخرى ضد العقاقير عيوب ومساويء العقاقير المسموح بها بدون وصفة طبية وتوصية الاطباء والبدائل مضادات الالتهاب مثلاً يمكن ان تسبب الارهاق والصداع والاطباء يطرحون الاستحمام بالماء الدافيء وتناول السوائل بدلاً منها. ويعلق الاطباء بأن نزلات البرد تستمر نفس الفترة سواء بالدواء او بدونه. وبالنسبة لادوية السعال، يبدو انه ليس لها اي فائدة، ويوصي الاطباء بتناول الشاي الدافيء والليمون والعسل الابيض كبديل لها. ويعلق الاطباء بأن المرضى يفضلون ادوية السعال ويحاولون تناولها بلا مبرر. وعقاقير القضاء على الصداع مثل الاسبرين يقولون انها تزيد من خطر حدوث نزيف. والبديل الذي يطرحه الاطباء هو تخفيض كمية الكافيين والشيكولاتة. ويعلق الاطباء بان الناس يفضلون القهوة فضلاً عن انك لابد ان تشعر بالتعب قبل الراحة. بالنسبة للادوية المهدئة قد تسبب نوعاً من الادمان لذلك ينصح الاطباء بزيادة كمية الالياف والسوائل والتمارين الرياضية كبديل. وينصح الاطباء بالنسبة للمضادات الحيوية بأن الاسراف في استخدامها قد يؤدي إلى زيادة المقاومة ضدها فيما بعد، ويقولون ان الامساك قد يكون عرضاً جانبياً لعقار آخر. لذلك من الافضل الانتظار فترة فقد يحدث التحسن من تلقاء نفسه. ويقول الاطباء برغم ما يقال عن البكتريا المقاومة للمضادات الحيوية، لا يزال من الصعب اقناع الاباء الذين يريدون التحسن السريع لاطفالهم بأي ثمن حتى لو كان اعتماداً على المضادات الحيوية منذ البداية.