الاحد 22 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 23 فبراير 2003 لا تتعلق القرارات التي تتقاطر في واشنطن بشأن العراق بالجانب العسكري والدبلوماسي فحسب، وانما هي تدور حول القضايا السياسية وبعض تلك القرارات السياسية يمر بالتوظيف النشط لجماعات المعارضة العراقية الموجودة خارج الدولة العراقية وفي المنطقة المحمية في شمال العراق ـ تلك الجماعات التي تخضع لنفوذ الولايات المتحدة التي بدورها تملك قدرة كبيرة على ترجيح الكفة بين الجماعات المتنافسة والأفكار المتناقضة بشأن ما ينبغي أن يكون عليه المجتمع العراقي في فترة ما بعد النظام العراقي الحالي. ولا ينبغي أن تكون عملية متابعة تلك المناقشات بشأن مستقبل العراق أمرا مستهجناً من قبل الذين يعارضون الحرب، فالنقاش حول طبيعة السياسة العراقية بعد الحرب أمر منفصل تماماً عن مناقشة منطقية أو حكمة اللجوء إلى عمل عسكري. إلا أن معظم المعارضين للحرب ضد العراق يركزون مخاوفهم على عملية التشكيك في نتائج تلك الحرب، فالبعض يرى ان الفوضى والتدهور في الأحوال سيكون النتيجة الحتمية للحرب. وآخرون يركزون على مخاطر حدوث احتلال اميركي طويل يترتب على غزو العراق، أو في حالة تجنب هذا الاحتلال فإنهم يركزون على مخاطر وجود دولة استبدادية حليفة للولايات المتحدة في العراق، يمكن أن تكون أفضل من تلك التي يقودها الرئيس العراقي الحالي، ولكن ليست أفضل بكثير. ولسان حال هؤلاء يقول إن هؤلاء الاشخاص الحمقى الذين يريدون شن حرب ضد العراق هم أنفسهم الذين سيسيئون إدارة ذلك البلد بعد ذلك. وعلى الوجه الآخر هناك الذين يؤيدون شن الحرب، وهؤلاء هم الذين ينظرون إلى عملية التحول إلى الديمقراطية على أنها أمر مسلم به، مفترضين ان كل ما سوف ينتج عن تلك الحرب هو أفضل ما يمكن أن يحدث في العراق. ولسان حال هؤلاء يقول انه طالما أن الحرب ضد الرئيس العراقي مبررة فإن هذه الحرب سوف تضمن مستقبلا سعيدا للعراق. جرت العادة على ان يتم وصف المعارضة العراقية في الخارج على انها مثيرة للمشكلات ومتصارعة من دون التطرق بشكل كبير إلى طبيعة هذا الصراع. والمفترض أن هذه الخلافات بين تلك الجماعات إما أنها تعكس انقسامات في المجتمع العراقي، أو صراعات بين قادة الجماعات حول السلطة. وبالطبع، فإن هذا التوصيف حقيقي ولكن في الوقت نفسه من الحق القول ان المعارضين العراقيين يتعاملون مع مشكلة صعبة ذات طابع خاص. ويتضح هذا الأمر من خلال مسودة تقرير عن التحول إلى الديمقراطية في العراق اصدرته ورشة المباديء الديمقراطية المنبثقة عن البرنامج الخاص بمستقبل العراق الذي تعدة وتنظمه وزارة الخارجية الأميركية. ويذكر التقرير ان «الممارسة السياسية في العراق قد ماتت منذ 35 عاماً»، فتحت القيادة البعثية، تم تقييد وتكبيل نشاط الأحزاب الأخرى غير حزب البعث في باديء الأمر ثم تم منع انشطة تلك الاحزاب تماماً. ولم يسمح النظام الحاكم في العراق بأي قدر من أنشطة المعارضة التي يسمح بها في دول أوروبا الشرقية بشكل جزئي. وتلك الاحزاب أو الحركات التي ذهبت للعمل خارج العراق أو نشأت في الخارج إما ان تكون بمثابة ظلال واشباح لمنظمات اختفت في العراق نفسه، باستثناء وجود عناصر منها تعمل في الخفاء، او تكون جماعات جديدة تدعي تمثيل عناصر في المجتمع العراقي ربما تكون صلتها بها اقل من قوية. وحقيقة ان معظم تلك الجماعات لها رعاة اجانب تثير التساؤل حول درجة شرعية هذه الجماعات ومدى استقلالها. وكل من الاسلاميين والمناصرين للملكية والعسكر القدامى والمعارضة البعثية جميعهم معرّضون لهذا الانتقاء. وحتى الاحزاب الكردية تأثرت بانهاء الحياة السياسية في العراق. وقد تسبب تواصل حالة الطوارئ من شمال العراق في جعل تلك الاحزاب مجرد منظمات تعمل على تقديم خدمات امنية توظيفية وتفرط في التأكيد على السلطة والمركز الاجتماعي لزعمائها وقياداتها. وهناك قاعدة اخرى للسياسة العراقية خارج العراق، هذه القاعدة متمثلة في الشتات العراقي الموجود في الخارج، فأعضاء هذا الشتات لا يؤيدون الاحزاب المعارضة في الخارج بشكل قوي ولكنهم يتمتعون بوعي سياسي ويتسمون بالنشاط والحيوية ويتكونون من مجموعة من الاكاديميين والمهنيين الذين عادة ما ينتمون الى الطبقة الوسطى والليبرالية. بعض من هؤلاء يؤيدون حركة المؤتمر الوطني العراقي التي نشأت بمساعدة وكالة الاستخبارات الاميركية عام 1992 كمنظمة شاملة، ولكنها فقدت دعم الـ «سي. آي ايه» بعد ذلك، ولديها حالياً بعض العلاقات البعيدة مع بعض الاحزاب التي كانت تعمل تحت مظلتها، ولكن مع وجود احمد الجلبي على رأس قيادتها، فإنها تظل قوة ومحركاً يدعم الخصوم الليبراليين للرئيس العراقي. وتشكل الآن الاختلافات بين المؤتمر الوطني العراقي ومجموعة الاكاديميين المستقلين والاحزاب الصغيرة من ناحية وبين الاحزاب الرئيسية من ناحية اخرى، الجانب الرئيسي من الانشقاقات الحادة التي تعاني منها حالياً المعارضة العراقية. وقد حذر كنان ماكيا، وهو احد المعارضين المستقلين المقربين ايضاً من الجلبي من ان «الاحزاب القديمة ذات العقلية المتحجرة» تحاول السيطرة على مستقبل العراق وتكمم افواه الاحزاب الاخرى المتمثلة في جماعات عرقية اقلية مثل الاشوريين والتركمان المستقلين والديمقراطيين من المعارضة العراقية. ولاشك ان السلطة في العراق في فترة ما بعد الرئيس العراقي الحالي تقع بوضوح في قلب هذه المناقشة هنا، ولكن هناك كذلك موضوع التغير الكبير الذي سيطرأ على المجتمع العراقي في هذه الفترة. فالاحزاب العراقية تميل الى قبول الانقسامات الحالية الموجودة بالمجتمع العراقي، بدلاً من محاولة تجاوزها لأن الشرعية التي تتمتع بها هذه الاحزاب تعتمد بشكل جزئي على وجود هذه الانقسامات، وأن تحالفهم مع بعضهم البعض يعتمد على تبادل الاهداف. وتميل هذه الاحزاب كذلك، في نظر منتقديها الى ان تكون اكثر استعداداً للوصول الى تسوية وحل وسط مع القوى الاستبدادية في العراق مثل الجيش او حتى حزب البعث. ويتضارب هذا الاتجاه مع تلك الافكار الموجودة في مسودة الوثيقة الديمقراطية التي تدعو ان العراق في المستقبل يجب ان يكون لديه قوات دفاع عن النفس محدودة مثل اليابان، وأن تجريد المجتمع من الافكار الخاصة بحزب البعث يجب ان يأتي بشكل كامل وكلي وليس بشكل روتيني ومظهري وان الوحدات الفيدرالية للعراق يجب ان تكون جغرافية وليست عرقية. ويدين كذلك محمود عثمان، وهو احد السياسيين الاكراد المستقلين الذين يتابعون عن كثب التطورات الحاصلة في صفوف المعارضة، يدين ما يسميه هو بـ «هيمنة الاحزاب الكبيرة»، ويرى عثمان ان المؤتمر الوطني العراقي تحركه كذلك رغبة في الحصول على نصيب اكبر من سلطات اتخاذ القرار، ولكنه يقول ان مطالب المؤتمر الخاصة باجراء نقاشات اكثر شمولية وبحث وثيقة الديمقراطية مطالب لها ما يبررها ويمكن ان تسفر عن نتائج مفيدة. ولا شك في ان المبدأ والمصلحة هنا يتداخلان مع بعضهما البعض، ولكن تفكير افراد المعارضة المستقلين وفكر الاحزاب يشكلان اتجاهين مختلفين للعراق. واحد جوانب المشكلة يتمثل في ان ادارة بوش تميل الى توجهات مختلفة في صفوف المعارضة، حيث يميل صقور البنتاغون الى التوجه الذي يدعو اليه ماكيا وآخرون، من حين يميل حمائم وزارة الخارجية الى الاتجاه المحافظ. ترجمة: حاتم حسين