الاحد 22 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 23 فبراير 2003 اللعبة بين شارون ومتسناع ليست مجرد مناورة فارغة ذات أخذ ورد بين الجانبين. وليس من الممكن بعد ان نعرف بالطبع ماذا سيتمخض عن اللقاء الذي جرى بينهما مؤخراً. مضمون هذا اللقاء لم يكن مشابها للتنكيل البسيط الذي قام به شارون ضد متسناع في لقائهما الاول (نتساريم مهمة لأمن اسرائيل)، وشارون سيضطر الآن لان يكون أكثر وضوحا واستعدادية لتغيير مساره. ولكن اللقاءات بين الاثنين هي قبل كل شيء اختبار جدي لنوايا رئيس الحكومة السياسية وأكثر من كونها مجرد مناورة جارية بين الحزبين. يتوجب قول الآتي: اذا اقتنع متسناع فان ذلك سيكون فقط بعد ان يحصل على تعهد راسخ وقوي ومكتوب بالقيام بخطوات سياسية مهمة. متسناع رجل صريح وعنيد أكثر من صورته الخارجية اللينة التي تعطي عنه انطباعا خاطئا، واذا لم يؤيد انضمام حزبه للحكومة فان ذلك سيكون دليلا حاسما على ان شارون ما زال يقود الدولة نحو الكارثة. على هذا النحو توجد لهذه الامور أهمية استثنائية سواء أدت الى التفاهم ـ كما يمكن التخمين بالصورة الأسهل ـ أو اذا أدت الى طريق مسدود. لا توجد اليوم طريقة اخرى لاستيضاح ومعرفة من تتعامل معهم الدولة في قيادتها وعلى رأس هرمها. متسناع لم يتراجع عن قراره السابق عندما قرر الالتقاء بشارون. عليه ان يقوم بهذه الخطوة من اجل الاستيضاح الضروري للمواقف. ولولا انه قرر الالتقاء بشارون، واذا قرر عدم الالتقاء مرة اخرى في المستقبل من اجل استيضاح الامور، فانه سيكون بذلك قد ساعد شارون للسير في الطريق الخطأ الذي يريده. شارون يستطيع ان يدعي انه كان يملك اقتراحات ضخمة وخططاً سياسية لا تخطر على بال أحد، الا ان رفض حزب العمل لها يضطره للاكتفاء بائتلاف يميني مزين ومزركش بحركة تومي لبيد. الشعب الاسرائيلي يتعايش منذ مدة طويلة نسبيا مع الفرضية المراوغة الشائعة حول شارون المعتدل الموجود بين ظهرانينا. ولم نر حتى الآن شيئا يغذي الخرافة بالحقائق الواقعية. الحديث مع متسناع هو فرصة اخيرة لاستيضاح الامور، ومن حق الجمهور ان يعرف الحقيقة. من حق هذا الجمهور ان يعرف اذا كان وجه العمل هو ذلك الذي بلوره متسناع بعزم واصرار ضد الوحدة ومع المعارضة. ابراهام بورغ مثلا قال بالأمس انه كان دائما ضد حكومة الوحدة. لا توجد نهاية لاعتماد هؤلاء السياسيين على ضعف ذاكرتنا المهين. وفي مناسبة اخرى نسب لبورغ من خلال هذه الصحيفة موقف مغاير لما يطرحه. بورغ احتج الا انه صمت ولم ينبس ببنت شفة ولم يرد عندما طرحت عليه كل المواقف التي نشرت في «هآرتس» سابقا. هناك أطراف اخرى طبعا في حزب العمل تتشوق بحرقة لدخول الحزب لحكومة الوحدة رغم ان بعضهم (مثل بنيامين بن اليعازر) يظهرون مواقف معلنة تتساوق مع الطابع المناهض للوحدة الذي فرضه متسناع في حزب العمل. لاحقا سنعرف اذا كانوا سيعودون الى أحضان الحكومة مقابل حفنة من العدس يلقيها شارون أمامهم. استيضاح الامور مهم بدرجة لا تقل عن ازالة الظلام عن وجه شارون. خلال هذه اللقاءات مع حزب العمل يجب ان يظهر شارون الحقيقي، الآخر ـ اذا كان هناك شخص كهذا ـ وفي السياق نفسه ايضا سيظهر وجه حزب العمل الحقيقي: ما الذي يقصده الحزب عندما يقول لا، وماذا يطالب بالتحديد حتى يبرر الاجابة بنعم على العرض. على هذا النحو أو ذاك يعتبر هذا التفصيل لمجريات الامور مهم لازالة طبقات الكذب والخداع والأقنعة الفارغة وتجارة الجياد التي اعتاد عليها الجمهور في علاقات الاحزاب طوال سنوات كثيرة جدا. شارون يريد الوحدة؟ عليه اذا ان يدفع الثمن المطلوب الذي لا بديل سواه. يريد الفذلكة والتذاكي؟ عليه في هذه الحالة ان يبقى مع ليبرمان وايتام ولبيد. اتصالات شارون مع حزب العمل توفر فرصة نادرة للاختيار. الاختيار يشبه الاختيار والقرار المطلوب في الصراع الفلسطيني: اختيار بين تسوية كبرى وبين خدع صغيرة. هذا التشبيه سيسهل لاحقا بلورة تقييم واسع يتجاوز قضية اتصالات شارون ـ متسناع ذلك لانه اذا لم يأت اليه رئيس الوزراء مزودا بتنازلات كافية فانه لن يقدمها للاميركيين وللقيادة الفلسطينية طبعا كائنة ما كانت. هذا هو مغزى الاتصالات لتشكيل الائتلاف الحكومي. وبسبب ظروف الوقت تعتبر اللقاءات الحالية مغايرة لسابقتها. هذه المرة يجب ان تكون كل الأوراق على الطاولة وليس في الجيوب. والى ان تظهر خدعة في اللعبة يمكن القول ان ما فعله متسناع بالمشاركة في اللعبة كان صحيحا ـ فهذه المشاركة مهمة ايضا للجمهور الاسرائيلي الذي يشاهد اللعبة. عن «هآرتس»