الاحد 22 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 23 فبراير 2003 من المحقق ان قاريء هذا الكتاب لابد له ان يتوقف طويلا عند زعم المؤلف في الفصل الخامس بوجود عميل مزدوج في مصر اعتبره جهاز الموساد أهم العملاء الذين جندهم على الاطلاق، ويدور في فلك هذا الزعم اشارة المؤلف الى ان هذا العميل عضو في اسرة الزعيم العربي جمال عبد الناصر، وانه بعد وفاته اصبح يشغل منصب وزير دولة وسكرتير الرئيس المصري السابق انور السادات للمعلومات. واشار المؤلف كذلك الى ان هذا الشاب المصري الذي أطلق عليه لقب «الصهر» أمدّ المخابرات الاسرائيلية بوثيقتين مهمتين، احداهما عن محادثات الرئيس عبد الناصر مع القادة السوفييت في موسكو في 22 يناير 1970، والوثيقة الثانية هي الرسالة السرية التي بعث بها الرئيس المصري السابق انور السادات الى الرئيس السوفييتي ليونيد بريجنيف التي طالب فيها السوفييت بأنواع السلاح نفسها التي كان عبد الناصر قد طلبها وهي الطائرات المقاتلة ـ القاذفة بعيدة المدى وصواريخ سكود. وقال السادات في رسالته ان مصر ـ بدون هذه الاسلحة ستظل عاجزة عن القيام بأي عمل عسكري ضد اسرائيل. «المفهوم» يدعي مؤلف الكتاب ان «الصهر» لم يسلم الموساد هاتين الوثيقتين وغيرهما فحسب، بل شرح ايضا لرجل الموساد المكلف بالاتصال به ان الحصول على الطائرات المقاتلة ـ القاذفة بعيدة المدى وعلى صواريخ سكود هما شرطان مسبقان بالنسبة لعبد الناصر ثم للسادات لشن حرب ضد اسرائيل. وبناء على هذه المعلومات المهمة التي ابلغها كتابة وشفهيا، قامت اسرائيل باعادة صياغة استراتيجية الحرب لما بعد 1967، واصبحت تعرف باسم «المفهوم» وهو بايجاز ان مصر لن تفكر في حرب اسرائيل، الا بعد حصولها على مقاتلات قاذفة متطورة وصواريخ سكود ولما ظل الاسرائيليون على اعتقادهم بان مصر لن تهاجمهم بدون تلك الاسلحة، فانهم اخذوا يراقبون المطارات المصرية ليروا ما اذا كانت النظم الحربية المطلوبة قد وصلت إلى مصر، لانه اذا وصلت بالفعل فلابد من مضي فترة تدريب لاستيعابها، وعندئذ اذا كانت سيناء مازالت في قبضة اسرائيل، فان مصر ستكون مستعدة عسكريا للهجوم، ومن المؤكد انها ستفعل ذلك. ويذكر بريغمان ان الامر الذي فات على الاسرائيليين ادراكه هو ان «الصهر» الذي اعتبروه اهم جاسوس في مصر، لدرجة ان قراءة تقاريره امر جوهري بالنسبة للقيادات العليا السياسية ـ العسكرية بمن فيهم رئيس الوزراء ووزير الدفاع، كان في الحقيقة عميلا مزدوجا يعمل ايضا لحساب الرئيس السادات. وبينما كانت الوثائق التي سلمها للموساد، وتفسيره لعجز مصر عن توجيه ضربة عسكرية، بدون الطائرات المقاتلة ـ القاذفة وصواريخ سكود، كانت في الحقيقة، وثائق صحيحة في ذلك الوقت، فان السادات كان قد تحول عن هذه السياسة، وانتهى الى ان موسكو لن تمده بتلك الاسلحة الحاسمة أبدا، والى ان خياره الامثل هو شن هجوم محدود ضد اسرائيل بدلا من الحرب الشاملة عليها. ومن الواضح ان اهم عملاء الموساد كان على علم بسياسة السادات الجديدة لانه كان ذراعه اليمنى ومحط ثقته الكاملة، ولكنه ـ بالطبع ـ لم يبادر باخطار الاسرائيليين بهذا التحول، وترتبت على ذلك نتائج خطيرة بالنسبة لاسرائيل لانها استمرت في تبنيها لاستراتيجية «المفهوم». تضليل محسوب فضلا عن ذلك اخذ «الصهر» في القيام تدريجيا بحملة تضليل محسوبة، فقد حذر الاسرائيليين من حرب وشيكة في عام 1972، ولكنها لم تقع، وكرر تحذيره في ربيع عام 1973، وفي هذه المرة تسبب في صعوبات كبيرة لاسرائيل، بعد ان اخبر رجل الموساد ان السادات ربما يقوم بضربة عسكرية ضد اسرائيل في 15 مايو 1973، ونتيجة لهذا التحذير قامت القيادة العليا للجيش الاسرائيلي بوضع خطة تحت اسم حركي هو «ازرق ـ ابيض» هدفها الاسراع بالمشتريات العسكرية وبلورة الاستعدادات للحرب، وكانت هناك وجهات نظر مختلفة داخل المؤسسة العسكرية الاسرائيلية بشأن افضل الاستجابات الصحيحة للتحذير الذي أبلغه العميل، فقد اصر ايلي زيرا مدير المخابرات العسكرية على ان احتمال الحرب بعيد وان مصر لن تقوم بضرب اسرائيل، ولكن خالفه في الرأي كل من ديفيد اليعازر رئيس الاركان، وموشي ديان وزير الدفاع، وكان من رأيهما ان ما ذكره «الصهر» عن احتمال ضربة وشيكة يبدو صحيحا، وانه يجب التفكير جديا في الانذار، حتى وان تناقض مع المعلومات السابقة التي ارسلها الجاسوس عن عجز مصر عن الهجوم دون الحصول على الطائرات بعيدة المدى وصواريخ سكود. وهكذا بدأ تنفيذ الخطة «ازرق ـ ابيض» في يوم 19 ابريل، ولكن الهجوم المصري لم يقع، وتفرقت القوات في 12 اغسطس 1973 قبل حرب اكتوبر 1973 بسبعة اسابيع فقط. وقد كبدت عملية التعبئة غير المجزية اسرائيل ما لا يقل عن 45 مليون دولار، وتسببت في شكاوى عديدة من ان الحكومة بددت اموال دافعي الضرائب فيما لا طائل وراءه ولا حاجة اليه، ويقول مؤلف الكتاب: «اصبحنا الآن نعلم ان السادات لا ينوي مهاجمة اسرائيل في ابريل ـ مايو 1973 وان الانذار المزيف كان جزءا من حملة «الصهر» للتضليل. وقد كتب السادات فيما بعد يقول: «لم تكن لدي نية، لبدء الحرب في شهر مايو». ويشير المؤلف الى ان قرار الهجوم على اسرائيل النهائي لم يتخذ الا في 22 ـ 23 اغسطس 1973 والخاص بتحديد يوم بدء الهجوم، وقد اتخذ القرار في مدينة الاسكندرية. ولذلك لم يستطع عميل الموساد معرفته مبكرا مثلما كانت الحال بالنسبة لهجوم 15 مايو، او اي تاريخ آخر محتمل لبدء الحرب. ويرى بريغمان ان التفسير الوحيد لذلك انه كان يكذب على الموساد. واصبح من الواضح عندئذ ان «الصهر» العميل المزدوج لعب دورا حاسما في خطة الخداع المصرية، وخاصة لان صانعي القرار في اسرائيل كانوا يثقون فيما يقوله وكأنه قد نومهم تنويما مغناطيسيا، ولذا فقد فشل الاسرائيليون في ادراك امرين مهمين: ـ الامر الاول: ان المعلومات التي قدمها لهم «الصهر» عن ان مصر لن تقوم بالهجوم على اسرائيل قبل حصولها على صواريخ سكود والقاذفات المقاتلة المتطورة، وهي التي شكلت استراتيجية «المفهوم» الاسرائيلية، هذه المعلومات لم تعد سائدة في ربيع عام 1973، ولذا كان من الخطأ ان ترتكز استراتيجية اسرائيل على هذه المعلومات. ـ الامر الثاني: ان «الصهر» الذي اعتبره الموساد افضل عملائه في العالم العربي، اخفى معلومات حاسمة، بينما كان يمد الموساد بمعلومات مزيفة عن النوايا المصرية، مثلما فعل في عام 1972، وبشكل خاص في ابريل ـ مايو 1973 عندما تسبب تحذيره الزائف في اجراء تعبئة شاملة وغير ضرورية في اسرائيل. وكانت تلك التعبئة الكبرى امراً سيئاً بالنسبة لتل أبيب لانها اثارت انتقادات لاذعة الى درجة انه عندما كانت الحرب وشيكة الوقوع في وقت لاحق من ذلك العام، وكانت الحاجة ملحة لاعلان التعبئة العامة ترددت القيادة السياسية ـ العسكرية لاسرائيل في اتخاذ هذه الخطوة خوفا من ان يكون الانذار كاذباً مرة اخرى. حكاية طائرة ليبية تحت عنوان فرعي هو : «حكاية طائرة ليبية» يستمر المؤلف في شرح كيف نجح «الصهر» في خداع اسرائيل قائلا: حتى الآن لم ينشر اي تفسير للطريقة التي استخدمها «الصهر» لخداع الموساد، الذي كان آنذاك يعتبر افضل وكالة مخابرات في العالم. وجاءت الاجابات على هذا التساؤل مع اضخم فشل عملياتي تعرض له ذلك الجهاز، فقد كانت هناك قاعدة مقبولة لدى اجهزة المخابرات للتأكد من تغيير الاشخاص المكلفين بالتعامل مع الجواسيس واستبدالهم دائما، حتى لا تتوطد العلاقة بين الشخص المسئول والجاسوس، مما قد يقلل من حذر الشخص المكلف، ومن قدرته على المراقبة الدقيقة لاداء الجاسوس الذي يقع في اطار مسئوليته، ولكن الامور كانت مختلفة مع «الصهر» فقد اشترط الا يقوم الموساد بتغيير الشخص المسئول عن الاتصال به، وأدى ذلك الى موقف استمر عدة سنوات، فقد كلف الشخص نفسه بالمسئولية عنه، فأدى ذلك الى انه اصبح وثيق الصلة جدا بالجاسوس المصري الجذاب، مما ادى الى فشله في مراقبته بدقة، وهي المراقبة التي كان من شأنها ان تمكنه من اكتشاف ان الجاسوس الذي يتعامل معه هو في الحقيقة جاسوس مزودج. ويذكر المؤلف تفسيراً آخر لنجاح «الصهر» في تضليل الموساد، وبشكل خاص في الفترة السابقة على حرب اكتوبر 1973، ولهذا التفسير علاقة بواقعة قد تبدو وكأنها لا تتصل بالموضوع، ولكن اذا رجعنا اليها نجد ان تلك الواقعة كانت حاسمة في تمكين الجاسوس المصري من خديعة الموساد. وقد بدأت الحكاية كلها في 21 فبراير 1973 عندما داهمت عاصفة طائرة ليبية من طراز بوينغ ـ 727 وهي في طريقها من ليبيا الى القاهرة، فاضطرتها الى التوجه نحو اسرائيل، ويزعم المؤلف ان الاسرائيليين كانواي شكون في ان الطائرة في طريقها الى مفاعل ديمونا النووي، نظرا لصدور تحذيرات من المخابرات بوجود خطة للهجوم على المفاعل، فبعث الاسرائيليون بطائرتين من طراز فانتوم لاسقاط الطائرة، ويدعي مؤلف الكتاب ايضا ان قائد الطائرة المدنية الليبية، ارتكب خطأ ملاحيا قاده الى تلك الحادثة المأساوية، التي لقي فيها 108 ركاب مصرعهم كان من بينهم صالح بويصير وزير الخارجية الليبي. وثارت ثائرة الرئيس الليبي معمر القذافي، وطالب مصر بالانتقام السريع من اسرائيل، واتهم القاهرة بالتقصير في توجيه الطائرة بكفاءة لهبوط آمن، وحاول السادات تهدئة القذافي بقوله: انه كان يجهز قواته للدخول في معركة حاسمة مع اسرائيل قد تكون انتقاما مناسبا منها لحادثة الطائرة الليبية ولكثير من الاعمال التي اهانت بها اسرائيل دولا عربية عديدة. واضاف السادات انه ليس من الحكمة ان ينصرف الاهتمام بعيدا عن المعركة الرئيسية الى احداث ثانوية، كذلك قال السادات للقذافي ان اي عمل سابق لاوانه قد يفسد الحرب بل قد يأتي بنتائج عكسية مع بقاء الاراضي المحتلة في أيدي الاسرائيليين، ويذكر المؤلف ان القذافي لم يقتنع بكلام السادات، وذكر انه سوف يقوم بالانتقام بنفسه وفي 2 ابريل 1973 سافر السادات شخصيا الى طرابلس في محاولة اخيرة لحث القذافي على ضبط ا لنفس والامتناع عن مهاجمة الاسرائيليين، ولكن المحاولة لم تنجح، وقال القذافي للسادات ان على اسرائيل ان تفهم ان ليبيا ليست فريسة سهلة، ولما ايقن الرئيس المصري ان القذافي متمسك برأيه سأله: «ما هو نوع العمل الذي تريده؟» فرد القذافي قائلا: «سوف افجر احدى طائرات شركة العال» واضاف : «العين بالعين والسن بالسن». عند هذا الحد فاجأ السادات القذافي بقوله: «سنبذل ما في وسعنا لمساعدتك» وامر السادات بتكليف «الصهر» وهو ذراعه اليمنى واهم عميل للموساد في مصر، بأن يكون همزة الوصل مع القذافي لوضع خطة دقيقة لنسف طائرة اسرائيلية، وكان السادات يرى ان من المهم ان يظل على علاقة طيبة بالقذافي، بالرغم من معارضته الشديدة لاي عمل عسكري سابق لاوانه يمكن ان يعيق خطته لشن حرب واسعة ضد اسرائيل في حالة فشل الجهود الدبلوماسية لاستعادة الاراضي المحتلة. صواريخ في روما يزعم مؤلف الكتاب ان «الصهر» والرائد الهوني رجل القذافي، قاما معا بالتخطيط لعملية في روما حيث ان تجربة سابقة اظهرت تهاون السلطات مع «الارهابيين المعتقلين»، فضلا عن عدم وجود حراسة نسبيا على الطائرات الاسرائيلية في مطار روما، ووضع «الصهر» خطة تقضي بقيام فريق من خمسة فلسطينيين يختارهم العقيد القذافي، بالتوجه الى مطار روما الدولي عن طريق البحر او مشيا على الاقدام، وعندما يقتربون من المطار على بعد يتراوح 800 و 1000 متر يقذفون طائرة اسرائيلية بصاروخ محمول اثناء انطلاقها الى الجو، وبعد موافقة السادات والقذافي على الخطة، حصل «الصهر» على الصاروخ من مخازن السلاح المصرية بتعليمات من مكتب رئاسة الجمهورية، كما يزعم المؤلف، ووضع الصاروخ في صندوقين، كان حجم احدهما 6 X 2 X 5 اقدام، تم شحنهما عن طريق شركة مصر للطيران الى ايطاليا مع زوجته، على اساس ان الصندوقين يحتويان على سجاد، ولم تكن زوجته تعلم بحقيقة الشحنة. وفي روما سلمت الزوجة «صندوقي السجاد» الى موظف مصري وضعهما في شاحنة صغيرة وسلمهما لاكاديمية الفنون المصرية في روما، وفي القاهرة تسلم «الصهر» رسالة من زوجته تفيد بوصول الشحنة بسلام، فتوجه الى روما حيث قام بنفسه بتسليمها لمندوب ليبي ليسلمها بدوره للفدائيين. وبعد هذه اللحظة بدأت الامور تنقلب بدرجة رهيبة جدا، وبعد منتصف ليل 5 سبتمبر 1973 بقليل وصل رجال المخابرات الايطالية، وبرفقتهم قوة من الشرطة، الى منزل في قرية اوستيا على بعد ثلاثة اميال من مطار فيوميتشينو الدولي في ايطاليا، وصعدوا الى الدور الثاني وطرقوا على باب الشقة رقم 012 وعندما فتح شاب عربي الباب دفعوه جانبا واندفعوا الى داخل الشقة، وبعد تفتيش قصير وجدوا وصادروا الصاروخ الذي تمكن «الصهر» وزوجته من تهريبه بنجاح من مصر الى ايطاليا وبعد ساعات قليلة القي القبض على بقية افراد الفريق الفلسطيني الذي وصل الى ايطاليا لتنفيذ العملية، وقد تم اعتقالهم في فندق صغير في وسط روما اسمه فندق اطلس. وبهذا كانت نهاية محاولة القذافي للانتقام لاسقاط طائرة الركاب الليبية. ويقول المؤلف: «عندما جاء الايطاليون وصادروا الصاروخ واعتقلوا الفدائيين الفلسطينيين، كانت هذه المعلومات الحاسمة قد وصلتهم من جهاز الموساد الاسرائيلي»، يطرح أهرون بريغمان السؤال التالي: «من هو اذن الشخص الذي زود الموساد بهذه المعلومات السرية؟» .. الاجابة التي لم تنشر من قبل هي «الصهر» الذراع اليمنى للسادات، وعميل الموساد، والمخطط الرئيسي للعملية ضد الاسرائيليين. هذا هو ما يزعمه المؤلف اليهودي. وهو زعم من الجلى ان القاريء لا ينبغي ان يأخذه على علاته.