السبت 21 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 22 فبراير 2003 قبل 40 سنة تقريبا كتب اسحق بن اهارون مقالة دعا فيها الى توحيد كل الاحزاب العمالية في حركة واحدة. هذا الحزب تشكل بالفعل وطال عمره تحت اسم «المعراخ»، ويبدو لي ان الحركة الصهيونية الدينية تحتاج اليوم الى هزة شبيهة بتلك الهزة التي شهدتها الاحزاب العمالية في حينه. الصهيونية الدينية موجودة منذ سنوات في شرك آخذ في التعمق: نجاح ايديولوجيتها الملموس ـ واندماج أبناء الصهيونية الدينية في كل مناحي الحياة في إسرائيل ـ أصبح مثل الضربة المرتدة لاجهزتها ومؤسساتها. أبناء الصهيونية الدينية نجحوا جدا في عملية الامتزاج حتى انهم لم يعودوا يرون حاجة للتمسك بمؤسساتهم القطاعية الصهيونية الدينية التي أقبلوا منها. والمثال الأبرز على ذلك هو وضع الحزب الديني ـ الوطني الذي وصل الى ذروة قوته (12 مقعدا) في انتخابات 1977 وأصبح وضعه يتدهور تدريجيا منذ ذلك الحين. في الانتخابات الاخيرة وصل هذا الحزب الى 56 مقاعد بفضل تزامن خطر تومي لبيد وكراهيته مع صورة رئيس المفدال الجديد ايفي ايتام كشخص غير برلماني. ولكن اعضاء المفدال هم أول من يعرف ان هذا الانجاز الذي يعكس وجهة نظر 5 في المائة من الناخبين بعيد عن استنفاد نسبة أبناء الصهيونية الدينية في مجموع السكان. في الواقع يمكن للتمعن المعمق ان يظهر ان النجاح النسبي الحالي قد نبع من اعتبارات قومية عامة وليس من اعتبارات قطاعية خاصة. اولئك الناخبين الذين خافوا من لبيد لم يفعلوا ذلك بدافع القلق على مستقبل المؤسسات الصهيونية الدينية وانما بسبب القلق على طابع اسرائيل اليهودي، واولئك الناخبين الذين تحمسوا من شخصية ايتام قاموا بذلك ليس بدافع الشعور بأن على رأس المفدال شخص ذو مستوى قيادي قومي. بكلمات بسيطة مستقبل الصهيونية الدينية يكمن في التركيز على القضايا الوطنية العامة. واذا كان الاتجاه وطنيا عاما فالسؤال هو، طبعا، ما هو هذا الاتجاه. المفدال يمثل اتجاها يمينيا واضحا في المجال السياسي، وهو اليوم أكثر يمينية حتى من الليكود. ولكن هذا الامر لا ينطوي على تجديد كبير في الخارطة السياسية. الاتحاد الوطني أكثر يمينية منه وفي الليكود ايضا يوجد عدد غير قليل من أنصار اسرائيل الكاملة. المجال الاجتماعي مشغول ايضا من خلال الاحزاب الاخرى. ولكن هناك مجال حاسم واحد يمكن للصهيونية الدينية وحدها ان تكون رائدة فيه: موازنة التوتر بين شخصية اسرائيل اليهودية وبين شخصيتها الغربية. هذه الحركة وحدها هي القادرة على ذلك لأن أبناءها يعيشون التوازن بين هذه الأسس في كل يوم من ايام حياتهم.هذا المجال أخذ يتأرجح في السنوات الاخيرة بين الأقطاب: الهيمنة والبروز الديني الاصولي في الثمانينيات أدى الى ظهور استقطاب علماني مضاد في التسعينيات حيث بلغ ذروته من خلال الخمسة عشر مقعدا التي حصل عليها شينوي في الانتخابات الاخيرة. والهجرة الهائلة من الاتحاد السوفييتي زادت من حدة الصراع لأن هذه الهجرة تشمل 300 ألف مهاجر غير يهودي. ومن يستطيع ان يقف في وجه هذا التيار من الناحية الجماهيرية والأخلاقية ليس الاصوليين الذين سيزيدون من الغضب العلماني ضدهم وانما هم أبناء الصهيونية الدينية المشاركة الكاملة في حياة الدولة وكينونتها الغربية. لهذا السبب، من المهم ان تستكمل الأطر الصهيونية الدينية انقلابها بالكامل ـ من حركة ذات مصالح قطاعية ضيقة الى حركة ذات تمحور واهتمام وطني عام حول هوية الدولة اليهودية الحديثة. وشرط تحقق ذلك هو تعاون الصهيونية الدينية مع كل الأطراف التي تهتم بهذا الهدف العزيز. على المفدال ان يركز على هوية الدولة من خلال التحالف حتى سياسيا مع الأطراف العلمانية التقليدية الى جانب التركيز على السياسة الاجتماعية وتقليل أهمية المسألة السياسية، وفي نهاية المطاف يتوجب عليهم ان يدركوا ان شخصية اسرائيل اليهودية أهم بكثير من المساحة التي ستسيطر عليها. بقلم: يئير شيلغ _ عن «هآرتس»