السبت 21 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 22 فبراير 2003 نشرت عبر شبكة الانترنت، مؤخرا، رسالة منسوبة للكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز وموجهة للرئيس الأميركي جورج بوش، ويشير فيها الى هجمات الحادي عشر من سبتمبر والحرب ضد العراق. وقد قام ببث هذا النص على الشبكة العالمية حسبما أشير الى ذلك خوان البرتوكروز الاستاذ بجامعة بلنسية الاسبانية، وبالعودة الى هذا الاكاديمي، تبين انه يجهل مصدرها. وأوضح ان شخصا ما قد استخدم جهاز حاسوبه لاطلاق هذه الرسالة المزورة التي لا تعدو كونها ضربة خاطئة باسم الروائي الكولومبي. ومن جانبه انكر ماركيز كونه كاتب هذه الرسالة وقال مازحا ان: «الامر يتعلق بعمل هجائي يهدف الى توفير الدعم له» ـ والمقصود هنا هو الرئيس الأميركي نفسه ـ واضاف: «انني اشعر بخجل كبير حيال تردي الاسلوب الذي كتبت به الرسالة، وما أفكر به حول الحرب حقا موجود في «كارثة ديموقليديس». وهو نص اعاد نشره العديد من صحف العالم، مع العلم بأنه في الاصل عبارة عن خطاب ألقاه غارسيا ماركيز في مؤتمر «اكستابا» في المكسيك وحذر فيه من مخاطر سباق التسلح والحرب النووية، وفيما يلي نص خطاب مؤلف «مئة عام من العزلة» بعد ان تحولت «كارثة ديموقليدس» الى حالة طوارئ عالمية. بعد دقيقة من الانفجار الاخير، سيكون أكثر من نصف البشر في عداد الأموات، فغبار ودخان القارات المستعرة سيبددان الاشعة الشمسية والظلمات المطلقة ستعود لتسود العالم. وشتاء الامطار البرتقالية اللون والزوابع المتجمدة ستقلب زمن المحيطات، وستعكس مجرى الأنهار، التي ستكون أسماكها قد ماتت عطشاً في المياه المتوهجة وطيورها لن تعثر على السماء. والثلوج الخالدة ستغطي رمال الصحراء، والامازون الشاسع سيختفي من الكرة الارضية المدمرة جراء حبات البَرَدْ، وعصر «الروك» والقلوب المزروعة سيشق طريقه في رحلة العودة الى طفولته الجليدية، اما القلة من البشر الناجون من الفزع الاول والذين كان لهم شرف الحصول على ملجأ آمن عند الساعة الثالثة مساء من يوم الاثنين المشئوم من الكارثة الكبيرة، فانهم سيكونون قد نجوا بحياتهم لا لشيء الا لكي يموتوا لاحقا جراء هول ذكرياتهم. وسيكون الخلق قد انتهى. ففي الخواء الاخير من الرطوبة والليالي الخالدة، سيكون الاثر الوحيد لما كان يعرف بالحياة هو صرار الحقل. هذا ليس اقتباسا سيئا لهذيان يوحنا في منفاه في «باتموس»، بل رؤية مسبقة لكارثة كونية يمكن ان تحدث في هذه اللحظة ذاتها جراء انفجار ـ مقصود أو وليد الصدفة ـ لجزء يسير فقط من الترسانة النووية التي تنام بعين وتسهر بالاخرى في مستودعات القوى العظمى. هكذا هو الامر، فاليوم يوجد في العالم اكثر من ستة آلاف رأس نووي قابلة للاستعمال. وهذا يعني، بالتعبيرات الدارجة، ان كل انسان بدون استبعاد الاطفال، يجلس على برميل يحتوي على نحو اربعة اطنان من مادة الديناميت، وقدرته التدميرية الاجمالية يمكن ان تقضي اثنى عشرة مرة على كل اثر للحياة في الكرة الارضية. ذلك ان قدرة الابادة لهذا التهديد الهائل الذي يتدلى فوق رؤوسنا مثل سيف ديموقليدس تطرح الألمانية النظرية لتعطيل اربعة كواكب سيارة اخرى تدور في فلك الشمس والتأثير في توازن النظام الشمسي، بحيث لا يوجد أي علم أو أي فن أو أي صناعة ضاعفت نفسها بقدر ما ضاعفته مرات عدة الصناعة النووية منذ نشأتها قبل واحد وأربعين سنة، ولم يملك اي ابداع آخر للعبقرية الانسانية هذا القدر من القوة في تحديد مصير العالم. العزاء الوحيد لهذه التبسيطات المروعة ـ هذا ان كان ينفعنا في شيء ـ هو التحقق من أن حفظ الحياة الانسانية في الكرة الارضية لا يزال حتى الآن ارخص من الوباء النووي. في مسألة اعانة الطفولة على سبيل المثال، يعتبر هذا حقيقة حسابية بدائية، حيث اعدت منظمة «اليونيسيف» عام 1981 برنامجا خاصا لحل المشكلات الاساسية للخمسمئة مليون طفل الاكثر فقرا في العالم. وشمل البرنامج الاعانة الصحية الأساسية والتعليم الابتدائي وتحسين الظروف الصحية، وذلك بالكاد يعادل تكلفة مئة قاذفة استراتيجية من نوع (1-) واقل من سبعة آلاف صاروخ «كروز» الذي استثمرت الحكومة الاميركية في انتاجه 21 مليار و200 ألف مليون دولار. وفي مجال الصحة، على سبيل المثال ايضا، يمكن بتكلفة عشر حاملات طائرات نووية من نوع الحاملة «نيميتز» من تلك الخمس عشرة التي ستصنعها الولايات المتحدة، يمكن انجاز برنامج وقائي قادر، خلال السنوات الاربع عشرة نفسها، على حماية اكثر من مليار شخص ضد حمى المستنقعات وعلى الحيلولة دون موت ـ فقط في افريقيا ـ اكثر من 14 مليون طفل. وفي ميدان التغذية، على سبيل المثال، كان في العالم العام المنصرم، حسب احصاءات منظمة «الفاو» نحو 575 مليون شخص يتضورون جوعا، مع العلم ان متوسط السعرات الحرارية اللازمة لهم يكلف اقل مما تكلفه صناعة 149 صاروخ من نوع «ام.اكس» من اصل 223 صاروخ ستوضع قيد الاستخدام في اوروبا الغربية. ومع العلم انه يمكن بتكلفة 27 منها شراء المعدات الزراعية اللازمة كي تقتني البلدان الفقيرة ما يكفي من الغذاء خلال السنوات الاربع المقبلة. ومع العلم ان ذلك البرنامج لا يمكن ان يضاهي تكلفة ولا حتى الجزء التاسع من الميزانية العسكرية السوفييتية لعام 1982. في ميدان التعليم، على سبيل المثال، يمكن بتكلفة غواصتين نوويتين فقط نوع «ترايدنت» من اصل 25 غواصة تخطط لتصنيعها حكومة الولايات المتحدة الحالية او بتكلفة كمية مماثلة من غواصات «تريغون» التي يقوم الاتحاد السوفييتي ببنائيها الآن.. يمكن القضاء أخيرا على شبح الامية العالمية. من جانب اخر، يمكن تغطية بناء المدارس وتأهيل المعلمين الذين يحتاج اليهم «العالم الثالث» من اجل تأمين المتطلبات الاضافية للتعليم في السنوات العشر المقبلة بتكلفة الـ 245 صاروخ نوع «ترايدنت ـ 2» وحتى انه يزيد 419 صاروخ من النوع نفسه لتنمية التعليم ذاته في الخمسة عشر عاما التالية. يمكن القول في النهاية ان الغاء الديون الخارجية لكل العالم الثالث، واستعادة عافية اقتصاده، تكلف اقل بكثير من الجزء السادس للنفقات العسكرية في العالم. ورغم كل ذلك وامام هذا الاسراف الاقتصادي الهائل، يبقى هناك شيء مقلق اكثر واشد ايلاما يتمثل في التبذير البشري، اذ ان الصناعة الحربية تحتفظ في الأسر بأكبر حصة من العلماء الذين لم يحتشدوا مطلقا لصالح شركة بعينها في تاريخ البشرية. وهؤلاء الاشخاص يخصوننا وموقعهم الطبيعي ليس هناك وانما هنا على هذه الطاولة وتحريرهم لا غنى عنه كي يساعدون في الابداع في ميدان التعليم والعدالة حيث الشيء الوحيد الذي بمقدوره انقاذنا من البربرية لا يعدو كونه ثقافة السلام.على الرغم من جميع تلك الارتيابات الدراماتيكية، لا تمنح مسيرة سباق التسلح اي لحظة هدنة، فالآن ونحن نتناول طعام الغذاء، تم بناء رأس نووي، وغدا عندما نسيتقظ من نومنا ستكون هناك تسع رؤوس اضافية في مخازن الموت في نصف الكرة الارضية الخاص بالاغنياء، مع ان تكلفة واحد فقط من هذه الرؤوس تكفي لتعطير شلالات نياغارا بالصندل. تساءل روائي كبير من زماننا ذات مرة عما اذا ما كانت الارض ستكون جهنم كواكب اخرى. ربما كانت اقل من ذلك بكثير: قرية بدون ذاكرة ومتروكة في الضاحية الاخيرة من وطننا الشامل العظيم. لكن الشك المتزايد بأنه المكان الوحيد في النظام الشمسي حيث حدثت المغامرة الخارقة للحياة، يجرنا بدون رحمة الى نتيجة مثبطة للعزيمة: سباق التسلح يسير بالاتجاه المعاكس للذكاء. منذ ظهور الحياة المنظورة في الارض توجب مرور 380 مليون عام كي تتعلم فراشة كيف تطير و180 مليون عام اخرى لنمو وردة بدون اي التزام اخر عدا ان تكون رائعة واربعة عصور جيولوجية كي يكون بمقدور البشر خلافا للجد بيتيكا نتروبو ـ الغناء افضل من الطيور والموت حبا. لذلك لا شيء يشرف النبوغ الانساني، في العصر الذهبي للعلم، كونه ادرك الطريقة الى عملية جبارة وباهظة التكاليف يمكن من خلالها العودة الى العدم بمجرد الضغط على زر. من اجل محاولة منع حدوث هذا لابد لنا من ضم صوتنا الى الحشود التي لا تحصى، المنادية بعالم بدون اسلحة وبسلام عادل. لكن اذا حدث هذا فلن يكون تحركنا غير مجد بالمطلق. فبعد ملايين السنين، ربما تتوج انثى سمندل، بعد ان تكون قد عادت لتمر بسلم تطور الانواع، على انها المرأة الاجمل للخلق الجديد. وعلينا نحن رجال ونساء العلم، رجال ونساء الفنون والاداب، رجال ونساء النبوغ والسلام، علينا جميعا يعتمد الا يذهب المدعوون الى ذلك التتويج الوهمي الى احتفالهم مع أهوالنا ذاتها لليوم. بكل تواضع، لكن بكل حزم روحي ايضا، اقترح ان نقسم الآن وهنا على الالتزام بادراك وصناعة صندوق للذاكرة، قادرة على النجاة من الطوفان الذري. قارورة للغرقى الفلكيين المقذوفين في محيطات الزمن، كي تعرف الانسانية الجديدة لذلك الحين عنا ما لم تخبرها به الصرارير: ان الحياة وجدت هنا وبأنه سادت فيها المعاناة وسيطر الظلم، لكن عرفنا ايضا الحب وحتى انا كنا قادرين على تخيل السعادة. وكي تعرف وتعلم عبر جميع الازمان من هم المسئولون عن كارثتنا وكم صموا آذانهم في وجه مناداتنا بالسلام كي يكون هذا الافضل لحيواتنا الممكنة، وبأي ابتكارات بربرية وبأي مصالح خسيسة مسحوه من عالمنا. بقلم: غابرييل غارسيا ماركيز _ ترجمة: باسل ابو حمدة عن «لاهورنادا ـ المكسيك»