الخميس 19 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 20 فبراير 2003 في الطابق الاول لمستشفى حكومي مكتظ في ولاية بوني في الهند، تنتظر العديد من الشابات الحوامل المتزوجات بهدوء وخوف، ويقفن خارج مركز للاستشارة الطبية حول مرض الايدز وفي الداخل، وخلف ستائر المستشفى الخضراء، يقوم الاطباء الاستشاريون بمواساة النساء الباكيات، اللواتي علمن لتوهن ما يعنيه ان يكون المرء مصاباً بفيروس الايدز، سواء بالنسبة لهن او لأطفالهن الذين لم يولدوا بعد. كانت لهؤلاء النسوة تصوراتهن الخاصة للحياة الزوجية السعيدة وبدلاً من ذلك، فقد تسلمن حكماً بالموت وهذا سيناريو اخذ يتكرر في كل انحاء الهند. والأمر المثير للمفارقة هو ان الزواج، وليس العلاقات الجنسية غير الشرعية، هو الذي يعرّض النساء الهنديات لخطر الاصابة بفيروس مرض الايدز ويقول فيناي كولكارني، وهو طبيب اختصاصي بمرض الايدز في بوني: «انه لتصريح جريء، ولكنه صحيح للأسف». ويقدر كولكارني وآخرون ان اكثر من مليون امرأة في الهند ستتعرض للاصابة بفيروس الايدز خلال الاعوام الاربعة المقبلة، وستأتي العدوى لـ 60% منهن من ازواجهن بعضهن سيكون في عمر السادسة عشرة فقط، والكثيرات منهن سيتلقين هذه الانباء المدمرة لدى خضوعهن لفحص اعتيادي لمرض الايدز اثناء حملهن الاول ويبدو ان التقاليد التي تمنح المرأة دوراً ثانوياً في المجتمع هي المسئولة عن ذلك. ان هذا يؤكد على وجه مرعب للأزمة التي تواجه الهند فوباء الايدز المتنامي في البلاد يتحدى التقاليد الراسخة حول مكانة المرأة ويهدد القيم الاخلاقية والثقافية الاخرى المتعارف عليها وذلك من خلال تعرية الجانب الاسوأ من البلاد وهو يضع مسألة التمييز ضد قطاعات المجتمع المهمشة تحت المجهر ويثير اسئلة غير مريحة عن حقوق الانسان والرعاية الصحية ويكسر المحرمات والمحظورات في الحديث عن الجنس. وعلى الرغم من انها قد تبدو غير مريحة، الا ان التغييرات ينبغي ان تحدث بسرعة اذا ما ارادت الهند ان توقف انتشار الفيروس. وفي الاحصاء الاخير، قدرت الحكومة الهندية عدد السكان المصابين بفيروس الايدز في البلاد بحوالي 4 ملايين نسمة وزعمت بأن الوباء آخذ بالاستقرار ولكن الآخرين من أمثال الاطباء والعاملين الاجتماعيين والناشطين يقولون ان الاعداد في ارتفاع مستمر مما قد يجعل الهند اكبر ساحة لحالات العدوى بفيروس الايدز في العالم. غير ان الاخبار ليست كلها سيئة الى هذه الدرجة، فعوامل القوة في الهند يمكنها ان تساعد في تجنب حدوث كارثة على نطاق ما يحدث في افريقيا، وذلك اذا تصرفت بسرعة وتوفر الصناعة الدوائية التي تنتج ادوية رخيصة لمقاومة الفيروس والمجتمع العلمي المستعد لاجراء تجارب على لقاح ضد الفيروس والشبكة القوية من المنظمات غير الحكومية التي تعمل على التعليم والتدخل توفر هذه جميعها الامل بألا يطغى الايدز على الهند كما طغى على بلدان افريقية ومع ذلك، فإنه بدون حدوث تحول كبير في التوجهات والممارسات الثقافية، فإن هذا الامل قد يتلاشى. وحتى وقت قريب، كانت السلطات الهندية تنفي وجود مشكلة تتعلق بانتشار الايدز وكانت تعتبر انه مشكلة مرتبطة بالانحراف الجنسي الشائع في الغرب وان العفة ومؤسسة الزواج الراسخة في الهند ستحمي المجتمع من هذه الكوارث ولكن الانكار ما هو الا جزءاً من المشكلة فقط، والامر الذي يزيد الوضع تعقيداً هو مكانة المرأة غير المساوية لمكانة الرجل والتي تشكل جزء لا يتجزأ من النسيج الواقعي للمجتمع المحافظ. ويقول كولكارني: «ترتبط الهندوسية في الهند بالشوفينية الذكورية وسيميز دين كهذا متحيز لأحد الجنسين ضد النساء على الدوام وبالتالي فإنهن سيكن اكثر تعرضاً للخطر فيما يتعلق بفيروس الايدز». وان الكثير من النساء لا يعرفن سوى القليل عن ازواجهن في علاقات الزواج المرتبة ويفتقدن للسيطرة في علاقاتهن الزوجية وفي حين تصر معظم النساء العاملات في مجال الدعارة الآن على استخدام زبائنهن للواقي، فإن معظم الزوجات لا يستطعن ان يطلبن من ازواجهن مثل هذا الطلب ويقول كولكارني: «ان فيروس الايدز سيطرح علينا أسئلة حول ما يسمى بنظام الزواج المقدس والثقافة والنزعة المحافظة». ولكن قبل ان يكون بالامكان الاجابة عن هذه الاسئلة يتعين على الحكومة ان تقبل بحقيقة ان فيروس الايدز يعتبر مشكلة واسعة الانتشار وبحسب المنظمة الوطنية للسيطرة على الايدز ومقرها نيودلهي فإن عدد الاشخاص المصابين بفيروس الايدز حتى عام 2001 بلغ 97,3 ملايين ولكن عدد الاصابات الجديدة تراجع في ذلك العام والوباء بات مستقراً. غير ان الاعتقاد السائد هو ان الحكومة تقلل من حجم الوباء لحماية صورتها ويقول كولكارني ان الارقام التي ذكرتها المنظمة الوطنية للسيطرة على الايدز تعرضت للتقليل من اهميتها بدرجة كبيرة» ويذهب كولكارني الى القول انه «اذا كان ادعاء المنظمة صحيحاً، فإن ذلك يعني ان الهند قد سيطرت على مرض الايدز وهذه كذبة لأننا حتى لم نصل الى الناس برسالتنا اذن فالمسألة ليست مسألة سيطرة فحسب». اما التقديرات غير الرسمية فتضع عدد الحاملين لفيروس المرض بين 4-10 ملايين شخص وترى ان عدد الاصابات سيتضاعف كل ثلاثة الى اربعة اعوام ويقدر تقرير حديث لمجلس الاستخبارات الوطني الاميركي ان ما بين 20 و25 مليون هندي سيصابون بالمرض بحلول عام 2010 اذا لم يتم فعل اي شيء لاقتلاع المرض وسيشكل هذا العدد حوالي 2% من عدد السكان (مقارنة بأكثر من 20% بالنسبة لبعض الدول الافريقية) ولكن الرقم بحد ذاته قد يشل عجلة التطور والتنمية في الهند. ضرار عمير