الثلاثاء 17 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 18 فبراير 2003 اعتقد اننا في النهاية سئمنا من الكذب علينا. وسئمنا من تعرضنا للاستخفاف والقصف بشوفينية الحرب العالمية الثانية وقصص الرعب والمعلومات الكاذبة ومقالات الطلبة التي يتم إلباسها ثوب «الاستخبارات». إننا نشعر بالاشمئزاز من تعرضنا للإهانة على يد الأقزام، وعلى يد توني بلير وجاك سترو وأمثال جورج بوش وعصبته من أتباعه من المحافظين المحدثين الذين تآمروا منذ سنوات على تغيير خريطة الشرق الأوسط لمصلحتهم. فلا عجب إذن أن يثلج التفنيد الجريء لهانز بليكس للمعلومات الاستخبارية الأميركية في جلسة الأمم المتحدة يوم الجمعة الماضي صدور الكثيرين. وفجأة، بات بمقدور أمثال هانز بليكس في هذا العالم أن يفضحوا الأميركيين لما أصبحوا عليه من «حلفاء» غير جديرين بالثقة. إن البريطانيين لا يحبون الرئيس العراقي اكثر مما أحبوا جمال عبدالناصر. ولكن ملايين البريطانيين يتذكرون، كما لا يفعل بلير، الحرب العالمية الثانية، وهم لم ينخدعوا بالحكايات الصبيانية لهتلر وتشرشل وتشامبرلين واسترضاء العدو. وهم لا يحبون أن يتعرضوا للعظة والعواء من قبل رجال خبرتهم في الحرب مستقاة من هوليوود والتلفزيون. ومع ذلك، فانهم لا يرغبون بشن حروب لا تنتهي مع حاكم تكساس وجلادها الذي تفادى مشروع قانون فيتنام والذي يقوم حالياً، مع رفاقه أصحاب شركات النفط، بارسال الفقراء الأميركيين لتدمير دولة إسلامية لا علاقة لها أبداً بالجرائم التي ارتكبت ضد الإنسانية في 11 سبتمبر. ويتجاهل جاك سترو، تلميذ المدرسة الحكومية الذي تحول إلى محارب، مع بلير كل هذا الأمر. ويطلع علينا بصوته المنكر حول مخاطر الأسلحة النووية التي لا يملكها العراق وعن التعذيب والعدوانية لدكتاتورية حافظت عليها أميركا وبريطانيا عندما كان الرئيس العراقي واحداً منا. ولكنه لا يستطيع هو وبلير أن يناقشا الأجندة السياسية الشريرة لحكومة جورج بوش ولا «الرجال الاشرار» (الكلمات هذه لمسئول كبير جداً في الأمم المتحدة) الذين يحيطون بالرئيس. إن أولئك الذين يعارضون الحرب ليسوا جبناء. فالبريطانيون يحبون القتال، فقد سبق وأن وجهوا ضربات للعرب والافغان والمسلمين والنازيين والفاشيين الايطاليين والامبرياليين اليابانيين طوال أجيال، ومن بينهم العراقيون ـ مع أننا نقلل من أهمية استخدام سلاح الجو الملكي للغاز ضد الأكراد في الثلاثينيات من القرن الماضي. ولكن عندما يطلب من البريطانيين الذهاب إلى الحرب، فان الوطنية غير كافية. ولدى مواجهتهم بقصص الرعب، فان البريطانيين ـ والكثير من الأميركيين ـ يكونون أكثر شجاعة من بلير وبوش. وهم لا يحبون الحكايات لتخويف الأطفال كما أخبر توماس موركرومويل في «رجل لكل الأزمنة». وربما كان غضب هنري الثامن في ذلك العمل الفني يعبر بأفضل صورة عن الموقف البريطاني من بلير وبوش، حيث قال: «هل يعتبرونني مغفلاً؟». إن البريطانيين، شأن الأوروبيين الآخرين، شعب مثقف. ومما يثير المفارقة، أن معارضتهم لهذه الحرب القذرة قد تجعلهم يشعرون بأنهم أكثر انتماء لأوروبا وليس أقل. فلسطين لها علاقة قوية بهذا الشعور. فالبريطانيون لا يحبون العرب، ولكنهم يستشعرون الظلم بسرعة كافية وهم يشعرون بالغضب من الحرب الاستعمارية التي تستغل لسحق الفلسطينيين من قبل دولة تقوم الآن عملياً بادارة السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. ويقال لنا إن غزونا للعراق لا علاقة له بالصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني ـ وهو جرح مخيف نازف لم يكرس له بوش في خطابه عن حال الاتحاد المزوق سوى 18 كلمة ـ ولكن حتى بلير لا يمكنه أن ينجوا من ذلك، ومن هنا جاء «مؤتمره» للاصلاح الفلسطيني الذي إضطر الفلسطينيون فيه لمشاركة عبر تقنية «فيديو لينك» لأن رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون رفض السماح لهم بالسفر الى لندن. وعلي الرغم من التأثير الكبير لبلير على واشنطن، الا ان وزير الخارجية الأميركي كولن باول «اعتذر» لعدم مقدرته على اقناع شارون بتغيير رأيه.ولكن على الأقل يتعين على المرء ان يعترف بأن شارون، على الرغم من انه قد يكون مجرم حرب مسئولا عن مجازر صبرا وشاتيلا في عام 1982، قد عامل بلير بالازدراء الذي يستحقه. كما ان الأميركيين لا يستطيعون اخفاء الصلة بين العراق واسرائيل وفلسطين. ففي خطابه المراوغ امام مجلس الأمن الدولي الاسبوع الماضي، ربط باول الثلاثة معاً عندما اشتكى من أن حماس، التي تؤثر عملياتها الانتحارية بوحشية على الاسرائيليين، تحتفظ بمكتب لها في بغداد. وتماماً مثلماً اخبرنا عن رجال القاعدة الخفيين الذين يدعمون العنف في الشيشان وفي ممر بانكيسي. هذه كانت طريقة أميركا في منح فلاديمير بوتين الحرية الكاملة مجدداً في حملة الاغتصاب والقتل ضد الشيشانيين، تماماً مثل ملاحظة بوش الغريبة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 12 سبتمبر الماضي حول الحاجة الى حماية التركمان العراقيين، التي تتضح فقط عندما يدرك المرء ان التركمان يشكلون ثلثي السكان في كركوك، أحد أكبر حقول النفط في العراق. ان الرجال الذين يدفعون بوش نحو الحرب هم في غالبيتهم اعضاء سابقين أو ما زالوا فاعلين في جماعات الضغط المؤيدة لاسرائيل. فمنذ سنوات وهم ينصحون بتدمير أقوى دولة عربية. وكان ريتشارد بيرل، وهو واحد من أكثر مستشاري بوش نفوذاً، ودوغلاس فيث وبول وولفوتيز وجون بولتون ودونالد رامسفيلد ـ كانوا جميعاً يضغطون من اجل الإطاحة بالعراق قبل فترة طويلة من انتخاب جورج بوش ـ هذا إذا كان قد انتخب اصلاً ـ رئيساً للولايات المتحدة. ولم يفعلوا ذلك من اجل مصلحة الأميركيين أو البريطانيين. وكان تقرير وضع في عام 1996 تحت عنوان «السحق النظيف: استراتيجية جديدة لحماية العالم» على احد مواقع الانترنت قد دعا الى شن الحرب على العراق. ولم يكن ذلك التقرير قد كتب للأميركيين وانما لرئيس الوزراء الاسرائيلي الليكودي بنيامين نتانياهو ووضعته مجموعة يرأسها ريتشارد بيرل بشحمه ولحمه. وبالطبع، فان تدمير العراق سيحمي احتكار اسرائيل للاسلحة النووية ويتيح لها إلحاق الهزيمة بالفلسطينيين وفرض أي تسوية استعمارية موجودة في جعبة شارون. وعلى الرغم من أن بوش وبلير لا يجسران على مناقشة هذا الأمر معنا ـ فالحرب من أجل اسرائيل لن تجعل فتياننا يصطفون في الطابور عند مكاتب التجنيد ـ إلا أن زعماء اليهود الأميركيين يتحدثون عن فوائد الحرب على العراق بحماس شديد. وبالتأكيد، فان أولئك الشجعان من الجماعات الأميركية اليهودية الذين يعارضون بجرأة هذا الجنون كانوا من أوائل من اوضح كيف تتصور المنظمات المؤيدة لاسرائيل العراق لا كمصدر جديد للنفط فحسب وانما كمصدر للماء ايضا، فلماذا لا تربط قنوات مائية نهر دجلة بالشرق الظاميء؟ فلا عجب إذن ان تم فرض رقابة على اي نقاش لهذا الموضوع، كما حاول أن يفعل البروفيسور إليوت كوهين من جامعة جونز هوبكنز في صحيفة وول ستريت جورنال، في اليوم التالي من القاء باول لخطابه في الأمم المتحدة. فقد اشار كوهين الى ان معارضة الدول الأوروبية للحرب قد تعزى إلى «معاداة السامية من النوع الذي اعتقد منذ أمد بعيد بأنه قد انتهى في الغرب، وهو اشمئزاز ينسب لليهود نية خبيثة». إن هذا الهراء، ولاحق يقال، يجد معارضة من قبل العديد من المفكرين الاسرائيليين الذين، شأن يوري افنيري، يذهبون الى القول إن حرباً على العراق ستترك اسرائيل بعدد اكبر من الاعداء العرب خاصة إذا هاجمت العراق اسرائيل وانضم حينها شارون الى معركة الولايات المتحدة ضد العرب.ويكمن الافتراء المتعلق بـ «معاداة السامية» في خلفية ملاحظات رامسفيلد المتكبرة حول «أوروبا القديمة». وكان يتحدث بذلك عن ألمانيا النازية «القديمة» وفرنسا «القديمة» المتعاونة. ولكن فرنسا وألمانيا اللتين تعارضان الحرب تمثلان أوروبا «الجديدة»، القارة التي ترفض، من جديد، ذبح الأبرياء. ان رامسفيلد وبوش هما اللذان يمثلان أميركا «القديمة»، وليس أميركا «الجديدة» التي تمثل الحرية وانما أميركا فرانكلين روزفلت. ويرمز رامسفيلد وبوش إلى أميركا القديمة التي قتلت سكانها الأصليين من الهنود وشنت مغامرات امبريالية. انها اميركا «القديمة» التي يطلب منها ان نحارب من أجلها ـ مرتبطة بشكل جديد من الكولونيالية ـ وهي اميركا التي تهدد في البداية الأمم المتحدة بافراغها من مضمونها ومن ثم تفعل الشيء نفسه مع الناتو. هذه ليس الفرصة الأخيرة للأمم المتحدة، كما أنها ليست الفرصة الأخيرة للناتو ولكنها قد تكون الفرصة الأخيرة لاميركا في ان تؤخذ على محمل الجد من قبل اصدقائها وكذلك اعدائها. وفي هذه الأيام الأخيرة من السلام، يتعين على البريطانيين ألا يتعثروا بالقرار الثاني من الأمم المتحدة الذي تسعى إليه أميركا بقوة. إن تفويض الأمم المتحدة لأميركا بالحرب لن تضفي عليها الشرعية، وإنما يثبت فقط ان المجلس (مجلس الأمن الدولي) يمكن الهيمنة عليه بالرشاوى او التهديدات او الامتناع عن التصويت. فقد كان امتناع الاتحاد السوفييتي عن التصويت، في نهاية المطاف، هو الذي سمح لأميركا بخوض الحرب الكورية الوحشية تحت علم الأمم المتحدة. وعلينا ألا نشك بأنه ـ وبعد هزيمة عسكرية أميركية سريعة للعراق وبشرط ان يموت «منهم» اكثر مما يموت منا ـ سيكون هناك عدد كبير من المجتمعين ضد الحرب الذين سيزعمون أنهم كانوا مع الحرب طوال الوقت. وستظهر الصور الأولى لبغداد «المحررة» اطفالاً عراقيين يرفعون شارة النصر أمام طواقم الدبابات الأميركية. ولكن الوحشية والسخرية الحقيقية لهذا الصراع ستبدو واضحة حالماً تنتهي «الحرب»، ويبدأ احتلالنا الكولونيالي لدولة مسلمة من أجل أميركا واسرائيل. هنا تكمن المشكلة. فبوش يصف شارون بأنه «رجل سلام» ولكن شارون يتخوف من احتمال ان يواجه محاكمة عن مجازر صبرا وشاتيلا، الأمر الذي يفسر قيام اسرائيل بسحب سفيرها من بلجيكا.إن المطامع الاسرائيلية والأميركية في المنطقة مترابطة الآن ومترادفة تقريباً. فهذه الحرب تستهدف النفط والسيطرة الاقليمية. وهي تشن بقيادة مراوغ يخبرنا بصورة خادعة أن هذه الحرب ما هي إلا جزء من حرب أبدية ضد «الإرهاب». والبريطانيون ومعظم الأوروبيين لا يصدقونه. إن الأمر لا يتمثل في أن البريطانيين لا يريدون ان يحاربوا من أجل اميركا. وانما الأمر هو أنهم لايريدون ان يحاربوا من أجل بوش او أصدقائه. وإذا كان ذلك يتضمن رئيس الوزراء، فانهم لا يرغبون بالقتال من أجل بلير أيضاً. بقلم: روبرت فيسك _ ترجمة : ضرار عمير عن «اندبندنت»