الثلاثاء 17 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 18 فبراير 2003 يرى مؤلف هذا الكتاب، اليهودي أهرون بريغمان، ان تنظيم أمور الهجرة الجماعية اليهودية إلى فلسطين المحتلة كان يعتبر المهمة المباشرة والأساسية للحكومة التي كُلف بها بن غوريون بتشكيلها في 24 فبراير 1949. ويشير إلى ان مهمة تلك الحكومة تركزت في الشهور التالية على امتصاص التدفق الهائل للمهاجرين اليهود الذين تدفقوا في هبات غير منتظمة. وجاءت الدفعات الأولى من المعسكرات المتناثرة في ألمانيا والنمسا وايطاليا. ومن المحقق ان القاريء سيلاحظ ان بريغمان خالف العرف الجاري باعتبار «المحرقة» نتاجاً ألمانياً في عهد النازية، ولكنه يسميها «المحرقة الأوروبية» ربما لكي يعمم الشعور بالذنب إزاء اليهود على كل دول أوروبا. ويورد ما يشبه الاحصائية لحركة الهجرة اليهودية بعد اعلان قيام اسرائيل، ويذكر انه بحلول يوليو 1949 تم اجلاء اليهود من 52 معسكراً، ونقلهم إلى اسرائيل، وأخليت معسكرات في قبرص من اليهود الذين كانت سلطات الانتداب البريطاني قد طردتهم أثناء عمليات الهجرة اليهودية غير المشروعة، عندما كانت فلسطين تحت الانتداب البريطاني. ونقل الى اسرائيل ايضاً 37260 يهودياً من بلغاريا. و34547 من تركيا، و7661 يهودياً من يوغسلافيا، ومئة ألف من بولندا، ومئة وعشرون ألفاً من رومانيا. وكانت رومانيا قد امتنعت عن السماح لليهود بالسفر، ولكنها وافقت بعد ان تلقت مبالغ كبيرة من المال أودعت في حساباتها البنكية. وقد لعبت اللجنة اليهودية الأميركية المشتركة للتوزيع دوراً حاسماً في جمع الأموال اللازمة لتغطية نفقات نقل اليهود إلى اسرائيل وتقديم الرشاوى للحكومات التي تثير صعوبات ضد عملية التهجير. وهذه اللجنة شكلت في عام 1914 لمساعدة اليهود الذين شردوا أثناء الحرب العالمية الأولى. مشكلات الطوائف كانت تلك عملية تجميع غير مسبوقة، ومهمة الاستيعاب هائلة بشكل يفوق الخيال، مما فرض ضغوطاً كبيرة على الحكومة، مع وجود نقص في الملابس والأحذية والأثاث ونقص حاد في المساكن، بينما كان اليهود الموسرون قادرين على العيش في المدن الكبيرة، ونتيجة لاعتماد اليهود المحتاجين على الحكومة قامت باسكانهم في البيوت التي هجرها الفلسطينيون الذين اضطروا الى الهروب من البلاد نجاة بأنفسهم من ويلات الحرب. وكان نحو 50 ألف فلسطيني يعيشون في مدينتي الرملة واللد، ولكنهم طردوا منهما، وانقض عليهما على وجه السرعة المهاجرون اليهود واستوطنوهما. وبعد ذلك توجه 1200 يهودي إلى بيسان، التي أطلق عليها اليهود اسماً عبرياً هو «بيت شيعان»، واستوعبت مدينة عكا العربية الساحلية مئات من اليهود. وفي جنوب تل أبيب احتل مهاجرون يهود منازل نحو أربعة آلاف فلسطيني في يبنى. وعندما احتل اليهود جميع المساكن الفلسطينية، أخذت حكومتهم تسكن المهاجرين الجدد في معسكرات مؤقتة حتى تتمكن من بناء شقق سكنية لهم. ومع نهاية عام 1949 كان أكثر من مئة ألف مهاجر يهودي يعيشون في مدن من الخيام والصفيح. ويتناول مؤلف الكتاب بالتفصيل مشكلة أخرى نشأت منذ قيام دولة الصهاينة، وبدأت تتجمع خيوطها، وهي مشكلة الطوائف التي نشأت بالذات بين اليهود ذوي الأصول الأوروبية والأميركية أي «الاشكنازيم» والقادمين الجدد من آسيا وافريقيا من اليهود الشرقيين الذين غالباً ما يطلقون عليهم اسم «السفارديم». عملية «البساط السحري» تحت عنوان «مشكلات الطوائف» يتناول بريغمان المشكلات التي نشبت بين الأشكنازيم والسفارديم، وبين عرب 1948 والاسرائيليين. وعلى الرغم من ان حركة الهجرة اليهودية إلى فلسطين، في فترة ما قبل قيام اسرائيل، كانت أساساً من الدول الغربية، إلا أن عدداً متنامياً من اليهود جاءوا من دول عربية بعد انشاء الدولة. ويرجع المؤلف السبب في ذلك إلى ان موقفهم أصبح محفوفاً بالمخاطر نتيجة نمو حركة القومية العربية معززة بالعقيدة الدينية، على حد زعمه، ونتيجة لزرع اسرائيل على أرض فلسطين عام 1948 وهزيمة العرب. وفي عملية سميت «عملية البساط السحري» نقل جواً نحو 50 ألف يهودي من عدن، وجلبوا الى اسرائيل في الفترة من 1948 ـ 1950. وفي المرحلة الأولى من هذه العملية من ديسمبر 1948 إلى مارس 1949 قامت الطائرات بخمس وخمسين رحلة طيران، وفي المرحلة الثانية وهي أكبر مرحلة في عملية «البساط السحري»، وقد بدأت في مايو 1949، واستمرت حتى 24 سبتمبر 1950، قامت الطائرات بمئة وسبع وسبعين رحلة اضافية، وكانت تصل الى مطار اللد بالقرب من تل أبيب. كذلك كان اليهود يُنقلون من العراق إلى اسرائيل فيما عرف باسم عملية «عزرا ونحميا» التي استمرت من مايو 1950 إلى ديسمبر 1951. وقد أمكن تنفيذ هذه العملية بعد مباحثات بين مبعوثين من حكومة بن غوريون ورئيس الوزراء العراقي. وقد حثه المبعوثون على السماح لليهود بمغادرة العراق على أن يتم ايداع مبالغ ضخمة في حسابه البنكي قبل ذلك. وتولت شركة الشرق الأدنى للنقل الجوي عملية «البساط السحري»، وبعدها قامت بالجسر الجوي الجديد الذي نتج عنه وصول 123371 يهودياً عراقياً إلى اسرائيل، ولكن 25 ألفا من اليهود رغبوا في البقاء في العراق، ويزعم المؤلف ان رحيل اليهود العراقيين كان نتيجة للمعاملة السيئة من النظام العراقي، ولكنه يؤكد في الوقت نفسه ان هذا لم يكن السبب الوحيد، وان السبب يعود أيضاً الى قيام عملاء اسرائيليين بحملة لارهاب اليهود شملت رمي قنابل يدوية بالقرب من المواقع التي اعتاد اليهود التجمع فيها لبث الذعر بينهم ودفعهم إلى مغادرة العراق والهجرة الى اسرائيل. ولا يخفى عن القاريء ان هذا أسلوب معهود اتبعته دولة الكيان الصهيوني حتى قبل قيامها، وهناك الكثير مما كتب من بحوث وكتب تؤكد قيام الصهاينة بعمليات ارهابية ضد اليهود في أوروبا لبث الذعر في نفوسهم ودفعهم للهرب إلى فلسطين. مراكز التحول مع نقص المساكن لجأت حكومة بن غوريون إلى انشاء ما سمي بمراكز التحول، وكانت مراكز بدائية وضع المسئولون فيها اليهود الشرقيين في أكواخ متهالكة سرعان ما أطاحت بها رياح وأمطار الشتاء، وفي نهاية عام 1952 كانت تلك المراكز تؤوي 250 ألف يهودي معظمهم من السفارديم العاطلين عن العمل. وقد لاحظ اليهود الشرقيون ان النخبة اليهودية من الاشكنازيم في اسرائيل هي المسئولة عن توريطهم في تلك المراكز، مما زاد من مشاعر عداء السفارديم ونقمتهم عليهم، وتسبب في مزيد من التوتر بين الطائفتين. ويضيف المؤرخ أسباباً أخرى للتوتر بين اليهود الغربيين الذين كانوا يجيدون العديد من اللغات ويستطيعون الحياة في المدن الكبيرة مع الفقراء ومع عائلات أكبر في العادة، وبين اليهود الشرقيين الذين أجبروا على العيش في المراكز. ومن الأسباب التي يشير اليها المؤلف ان التوتر نشأ نتيجة استحالة اللقاء بين عالمين مختلفين، عالم اليهود الغربيين الأكثر تعلماً والمهنيين الأكثر تطوراً، وعالم اليهود الآخرين القادمين من دول عربية متعددة ولا يعرفون القراءة والكتابة، وبينما كانت الديانة بالمولد تجمع بينهم، لم يكن بينهم شيء مشترك ولا حتى اللغة لأن السفارديم كانوا يتحدثون العربية، بينما يتحدث اليهود الاشكنازيم لغة اليديش والألمانية والبولندية واللغات الاوروبية الاخرى. ويخرج المؤرخ بريغمان من هذا بنتيجة مؤداها ان اسرائيل في الخمسينيات كانت عبارة عن مجتمع مفكك مع فصل كامل بين اليهود الشرقيين الذين يشعرون بأنهم ضحايا التفرقة العنصرية، وبين غالبية مكونة من اليهود الاوروبيين تخشى من أن وجود يهود شرقيين غير متعلمين قد يحول اسرائيل إلى مجتمع آخر من مجتمعات منطقة الشرق الأوسط. ثم ينتقل المؤلف بعد ذلك الى هوة أخرى متزايدة ويضعها تحت عنوان فرعي يقول: «عرب اسرائيل في مواجهة الاسرائيليين». ويرى الكاتب ان الفجوة أخذت تتسع بين عرب 1948 واليهود الاسرائيليين، ويذكّرنا بأن غالبية الفلسطينيين هربوا من فلسطين اثناء الحرب العربية ـ الاسرائيلية الأولى، ويغفل حقيقة انهم شردوا وطردوا خارج بلادهم، ويضيف ان البعض منهم بقي متمسكاً بشدة بممتلكاته وأراضيه، وأصبحوا أقلية بلغ عددها 160 ألفاً في عام 1950 بين عدد سكان اسرائيل اليهود الآخذ في الازدياد. وأصبحت هذه البقايا لمجتمع عربي كان ينبض بالنشاط جماعة مقهورة زادها الاسرائيليون ضعفاً، واستمروا في قهرها باصدار تشريعات ذات طابع ينم عن التمييز العنصري ضدهم وتسمح بترحيل أفراد وجماعات بأسرها خارج حدود اسرائيل. ويشير المؤلف الى ان هذه الأقلية العربية كانت ضعيفة بحيث انها لم تكن قادرة على تحدي حكام البلاد الجدد، الذين كانوا قد وعدوا العرب بتمتعهم «بحق المواطنة الكاملة والمتساوية» ولكن الاسرائيليين بذلوا كل جهد ممكن لحرمانهم من هذا الحق المشروع، وبهذا وبينما منح العرب رسمياً حقوقهم المدنية، أصبحوا في واقع الأمر مواطنين من الدرجة الثانية يعتبرهم الاسرائيليون خطراً وطابوراً خامساً غير جدير بالثقة. وكان عرب 1948 حريصين على الاحتفاظ بوجودهم المنفصل وهويتهم الثقافية من دون ان يذوبوا في المجتمع الاسرائيلي الناشيء في بلادهم، وأدى هذا، بالطبع، الى تعزيز وجهة النظر الاسرائيلية القائلة بعدم الثقة فيهم، وهكذا لم يدعهم أحد الى الخدمة العسكرية في الجيش، وهي الخدمة التي تعتبر مفتاحاً للامتيازات والنجاح في مجتمع اسرائيل، وبغيرها يتم حرمانهم من مزايا الخدمة الاجتماعية الاسرائيلية. صورة مأساوية ويرسم المؤرخ أهرون بريغمان صورة مأساوية لحياة عرب 1948 في ظل الاحتلال الصهيوني، فيقول ان الحكومة أنشأت جهازين للسيطرة والاشراف على الأقلية العربية التي تعيش ضمن حدود اسرائيل، ويتمثل الأول في وزارة الأقليات التي أنشئت في مايو 1948 برئاسة الوزير بيشور شالوم شتريت، ولكن المنهج الليبرالي الذي سلكته تلك الوزارة تجاه الأقلية العربية رفضه بن غوريون ومستشاروه أصحاب النفوذ المسئولين عن الشئون العربية. وفي يوليو 1949 ألغيت الوزارة، وترك أمر الاشراف على عرب اسرائيل في أيدي الادارة العسكرية التي تشكلت في 21 اكتوبر 1948 ومارست نشاطها في المناطق ذات الكثافة السكانية العربية، وكان همها تنفيذ السياسات الحكومية في تلك المناطق. وكانت أكثر الأجهزة التي يكن لها العرب كراهية شديدة، لأنها شددت قبضتها على كل مجالات حياتهم وكبّلتهم بقيود قاسية تمنع العرب من مغادرة قراهم والسفر الى أجزاء أخرى من البلاد دون الحصول على إذن خاص، وكانت تعتقل المشتبه بهم دون محاكمة، وتقوم دائماً باغلاق مناطق بأكملها بحجة الأمن، مما حرم الفلاحين العرب من الوصول الى حقولهم وزراعاتهم، الأمر الذي دمر حياتهم لاعتمادهم على محاصيلها في معيشتهم، كذلك فرضت الادارة العسكرية حظر التجول على القرى بأكملها. وقد عاد فلاحو كفر قاسم الى قريتهم من دون ان يدروا بفرض حظر التجول على أهلها فأطلق الاسرائيليون النار عليهم وقتلوا 47 قروياً. يضاف الى ذلك ان جهاز «الشين بيت» وهو جهاز الأمن الداخلي كان هو ايضاً يقوم بمراقبة الأقلية العربية الاسرائيلية، ويعتبر ان مهمته الأساسية هي التجسس وجمع المعلومات عن الأشخاص والمنظمات موضع الشبهات. وفي رأي المؤلف أن الخطر الأساسي في سياسة الحكومة الاسرائيلية ـ دون إعلانه رسمياً على الإطلاق ـ منذ السنوات التي تلت اقامة الكيان الصهيوني، هو فرض قيود صارمة على الأقلية العربية وضمان بقائهم في وضعٍ متدنٍ. ويشير المؤلف إلى ان عرب اسرائيل اضطروا بالفعل الى العيش في غيتو خاص بهم مثلما اضطر اليهود أنفسهم سنوات طويلة على العيش في الغيتو اليهودي، ومثل اليهود في الشتات الذين غالباً ما حرموا فيه من ممارسة أعمال معينة، كذلك لم يسمح للعرب المقيمين في اسرائيل بشغل المناصب. وفي النهاية أصدرت حكومة الكيان الصهيوني القانون الذي عرف باسم «قانون العودة» في 5 يوليو 1950 وهو في رأي المؤلف واحد من أهم القوانين التي صيغت ضمن تشريعات الدولة العبرية، وكان من بين مواده نص مفاده: «لكل يهودي الحق في الهجرة الى البلاد.. واليهودي الذي يصل الى اسرائيل، وبعد وصوله يبدي رغبته في الاقامة، يمكن له اثناء وجوده الحصول على شهادة مهاجر...». ويرى بيرغمان انه باصدار هذا القانون منحت اسرائيل كل يهودي الحق في المجيء إليها كمهاجر، ويصبح تلقائياً مواطناً اسرائيلياً، بينما المفهوم غير المنطوق هو أن غير اليهود، عرباً كانوا أو غير عرب، لن يجدوا ترحيباً بهم، وان اسرائيل في نظر مؤسسيها تعني انها يجب أن تكون يهودية كلية. تأليف: أهرون بريغمان _ عرض ومناقشة: صلاح عويس