الاثنين 16 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 17 فبراير 2003 أحس إيهاب أبوطه بالاهانة حينما سألته عما اذا ما كان يرمي القنابل على الجنود الاسرائيليين. كان إيهاب بما يعانيه من قلة تغذية واضحة وشراهته في التدخين يبدو لي في السادسة عشرة من عمره. غير أنه كما أخبرني ابن 23 عاماً. اما ما أزعجه في سؤالي فليس مسألة الهجوم على الاسرائيليين، انما حقيقة ان رمي القنابل اليدوية محلية الصنع في مخيمات رفع للاجئين في اقصى قطاع غزة، شيء يفعله «الاطفال» وليس الفتيان، وبالتأكيد ليس الشبان البالغين. وينادي ايهاب على طفل من حيه في العاشرة من عمره تقريباً. قال له انه رمى على الاسرائيليين اربع قنابل. وحين طلبنا منه مشاهدة واحد من تلك الانابيب الفولاذية المهترئة، غاب ليعود بعد خمس دقائق بأحد هذه الأنابيب وضعه في حقيبة الظهر التي معه. كان أنبوباً صدئاً ملحوماً من طرفيه وفيه ثقب لإدخال صاعق كيفما اتفق فيه. قال إيهاب إن اداة كهذه يمكن أن تكلف 7 شكيلات (ما يعادل دولارا ونصف الدولار). أما أفضل الانواع فيمكن ان يكلف دولارين ونصف الدولار ومبلغ كهذا يعتبر كبيراً جداً في بلد تجهد العائلة نفسها بالعمل لتكسب بالكاد 110 دولارات شهريا هي بأمس الحاجة إليها لتستأجر بيتا بعيداً عن مخاطر خط المواجهة، الذي يكون فيه كل بيت عرضة للرصاص وقذائف الدبابات. ولهذا يبحث الأولاد عن النفايات المعدنية التي يمكن أن يبيعوها على مرآى من الجنود الاسرائيليين ومرمى سلاحهم أو إيصال الرسائل الى المقاتلين. اما لعبتهم بقنابل الانابيب هذه فتمضي على هذا النحو: في الليل يزحفون إلى المباني المهدمة على خط المواجهة قريباً من الحدود المصرية، الى الارض الخاوية وراءها. وحينما يصبحون قريبين في مواقع الدوريات الاسرائيلية أو أبراج المراقبة التي تشرف على المخيمات، فانهم يشعلون الصاعق المنقوع بالبنزين بسيجارة. وحينما يوشك الصاعق على الاحتراق بأكمله، يرمون بالأنبوب. وحسن التوقيت هنا أمر حاسم جداً. فالرميات غير الموفقة في توقيتها قد تودي بيد راميها. شأن إيهاب، يعيد كل من تحدثت معه القول أن رمي القنابل لعبة الاطفال: فهي تحدث دوياً مؤثراً، لكنها لا تؤدي الى لضرر قليل الشأن . وفي كثير من الاحيان لايزعج الاسرائيليون انفسهم بالرد بالنيران على هؤالاء الاطفال. يقول أب فلسطيني من المدينة إن هذه القنابل تمكن الاطفال من التنفيس عن انفسهم غير ان الاسرائيليين يتحدثون عنها بطريقة مختلفة. حينما تنقل إذاعة الجيش الاسرائيلي أخبار هذه الهجمات، تسميها هجوماً «ارهابياً». وهناك ألعاب خطرة اخرى يلعبها الاطفال. اذ يقول الجيش الاسرائيلي ان المقاتلين الفلسطينيين يرسلون الاطفال للتجسس على المواقع الاسرائيلية والتحقق من الأسيجة الامنية حول المستوطنات بحثاً عن نقاط الضعف فيها. كما يتهم الجيش الاسرائيلي هؤلاء الاطفال بمهاجمة جنوده حتى يستدرجوهم لملاحقتهم نحو الكمائن. وما حكاه لي الأولاد في رفح يلمح إلى ان بعضاً من هذا صحيح. إلى رمي القنابل يعد بداية دخول عالم الرجولة العنيف في غزة: عالم حماس والجهاد والاسلامي وكتائب القدس.. الشهر الماضي، وغير بعيد عن رفح، انتهت احدى الغارات بأكثر خواتيهما اخافة. صبيان مسلحان بسكاكين، اصغرهما عمره 13 عاما، سقطا صريعين بالرصاص، فيما كان يحاولان التسلل الى مستوطنة نتساريم شمال قطاع غزة. تلك الحادثة استقطبت اهتماماً واسعاً حتى من الاعلام الاسرائيلي المعتاد على هذه الاحداث. حينما سأل احد المعلقين الاسرائيليين: ما الذي حدث؟ ما الذي جعل حتى الاطفال الفلسطينيين يهاجموننا الآن؟ الجواب، في رفح، هو أن رمي القنابل هو احتفال البلوغ للصبيان. ففي الشهور الثمانية والعشرين التي انقضت منذ اندلاع انتفاضة الاقصى. اصبحت مخيمات رفع وازقتها شيئاً أشبه بعالم مجنون من أبنية تحولت جدرانها الى غرابيل بفعل الرصاص، وأحياؤها الى انقاض تحوم حولها دوريات الدبابات وناقلات الجنود المدرعة الاسرائيلية حولها. اصبحت عالم الممارسة اليومية المعتادة للاطفال فيه هو الصراع من أجل البقاء ضد تهديد الدمار والموت الماثل أبداً. في رفح، تمضي البنات المحجبات الى بيوتهن راجعات من المدارس تحت ابراج المراقبة الاسرائيلية وبجانب الجدران المزينة بصور الشهداء من المقاتلين الفلسطينيين. اطفال بعمر ثماني سنوات واقل يتخبطون وهم يلعبون بين الانقاض غير عابثين بالطلقات التحذيرية من السيارات العسكرية الاسرائيلية. اطفال بعمر سنتين أو ثلاث سنوات أو نحو ذلك، برفقة آبائهم وامهاتهم، يستديرون نحو الدبابات الاسرائيلية في الشوارع ليعلبوا معها العاباً استفزازية بوجوهم وايديهم من خلف ارجل من يمسك بيدهم. وفي الازقة، يحتشد الاطفال بعمر خمس أو سبع سنوات تقريباً حول رجال الشرطة الفلسطينيين المسلحين البعيدين عن القناصة الاسرائيليين، وهم يدخنون السجائر. وما يثير الذهول أكثر من غيره بالنسبة للاجانب الذين يزورون رفح هو حجم الهيمنة العسكرية الاسرائيلية الثقيلة على رفح. فأسلحتهم موجهة إلى كل شارع وزقاق في المدينة من أبراجهم للمراقبة المصفحة بالفولاذ ليقسموها الى شبكة عالية التوتر من قنوات الخطر التي تعلم الاهالي، اطفالا وكباراً وبالغزيرة كيف يتجنبونها أو يعبرونها بأسرع ما يمكن. ولعل أقصى تخوم المدينة جنوباً، بين مخيمات اللاجئين، هو الاماكن التي تظهر فيها هذه الهيمنة ظهوراً صارخاً. فهناك جرف الجيش الاسرائيلي بالجرافات ما أسماه منطقة النيران الحرة وهي شريط بعمق 75 متراً عبر المنازل الاقرب الى الحدود المصرية. وعلى امتداد هذه الارض الخراب، يبني الاسرائيليون سورا معدنيا بارتفاع 5 أمتار فوق الأرض و5 أمتار اخرى تحت الارض، لمنع الفلسطينيين من حفر الانفاق تحته واستخدامها في تهريب البضائع والاسلحة والذخائر. وعلى امتداد هذا السور تتواتر مواقع المراقبة التي تطل منها الرشاشات. واذا كان السور باتجاه الجنوب هو بقسوة الفولاذ، فإن الاسوار المتمتدة في باقي الاتجاهات ليست بأقل قوة. فالمستوطنات الاسرائيلية ثقيلة التحصين التي تلتف حول المدينة مثل ذراعين ممدودتين تقطع الطريق امام اهالي المدينة باتجاه البحر المتوسط وسواحله الطويلة، كما تقوم السيارات العسكرية الاسرائيلية بحراسة الطرقات التي تحيط بهذه المستوطنات. ولا يمكن الدخول الى رفح الا عبر طريق وحيد يسيطر عليه الجيش الاسرائيلي. ووسط كل هذا يعيش سكان رفح العنيدون. ونصف هؤلاء هم اطفال تقل اعمارهم عن 15 عاماً. يقول مسئولو «اليونيسيف» ان وضع الاطفال في رفح يحتل مكانة فريدة في سوئه حتى ضمن سياق هذا الصراع الذي شهد تضاعف عدد القتلى من الاطفال في العام الماضي. ومع وصول عدد القتلى الاطفال الى 70 تبعا للمسئولين الصحيين الفلسطينيين، تكون رفح هي المدينة التي خسرت أكبر عدد من الاطفال في الانتفاضة مقارنة مع اي مدينة فلسطينية أخرى. ومما لاشك فيه ان المدينة هذه تشهد ايضا اكبر نسبة مشاركة للاطفال في الانتفاضة في كل الاراضي المحتلة. ومن المعتاد بالنسبة للاسرائيليين القاء اللوم على العائلات والمؤسسات الفلسطينية والتلفزيونات العربية في انتاج جيل جديد من «الارهابيين» وقد يكون هناك بعض الحقيقة في ذلك. غير ان اسرائيل بقولها ذلك تتجنب تحمل مسئوليتها عن تحويل مكان مثل رفح الى معسكرات اعتقال فعلية تفكك نسيجها الاجتماعي الى درجة اصبحت قيم المقاتلين والانتحاريين تحل محل العائلة. تقول دراسة اجرتها وزارة الشئون الاجتماعية الفلسطينية ـ بدعم من «اليونيسيف» التي صادقت على صحة الارقام، إن 75 في المئة من الاطفال في الاراضي المحتلة يعانون من مشكلات عافية نتيجة لمعاناتهم من هذا الصراع بما في ذلك تعرضهم المتكرر لأصوات القصف والرصاص التي خصصت بكونها السبب الاكبر للاصابات النفسية. وفيما كنت اتجول في المناطق الاكثر فقرا في مخيمات اللاجئين والاقرب لخطط المواجهة، تحدثت مع الاباء والأمهات. والقصص التي كانوا يسردونها كانت متسقة مع بعضها في تفاصيلها. وقال لي هؤلاء ان اطفالهم يعانون من التبول الليلي ومن الكوابيس، ويحاولون الاختباء حين سماع اصوات الرصاص. اما الاطفال الاكبر سنا فأصبحوا اصعب في التعامل معهم وأكثر غضبا. الاختصاصيون النفسيون تتبعوا تطور هذا التسلسل من الرعب الى العنف بين اطفال المخيمات. والخوف في اوساط الاطفال حتى سن 5 أعوام، يعبر عن نفسه على شكل قلق وبكاء ونكوص سلوكي واضطرابات في الكلام. اما الاطفال الذين تتراوح اعمارهم بين 6 و12 عاما فيظل القلق والبكاء سائدين لكن النكوص السلوكي لا يختفي. غير ان المرحلة العمرية بين 13 و18 عاما هي التي تصبح هذه المشكلات فيها اكثر عمقا بأخذها شكل السلوك التمردي والمتهور المصحوب بشعور من اليأس والانزواء، عن العالم الطبيعي. هذا التلاحق الجديد للعنف المتصاعد طوال اكثر من عامين اوجد جيلا من الاطفال الصغار تصل اعمارهم حتى 8 سنوات يعتبرون انفسهم «مسئولين» عن ايصال الكفاح الفلسطيني الى نهايته الناجحة، كما تقول كيرستن زات المسئولة في اليونيسيف العاملة في مجال الدفاع عن حقوق الاطفال في الاراضي المحتلة، وما تحاول التأكيد عليه ليس هو حقيقة الظروف الفظيعة التي يعيشها اطفال فلسطين، ولكن شيئا اخر اكثر هدوءا وارباكا: تعتقد «اليونيسيف» ان تلاحم المجتمع الفلسطيني يتفكك نتيجة للضغوط التي تعيشها الاجيال الفتية، نتيجة لقضية مشاركة الاطفال في اعمال العنف. وتقص لي زات حكاية عائلة احد ارفع المفاوضين مستوى في السلطة الفلسطينية، الذي اخذ ابنه البالغ من العمر 15 عاما يرفض الحديث معه لأنه يؤمن بأن محادثات السلام هي الخلاص للفلسطينيين. وتقول: «لقد فقد الشباب الثقة بالبالغين». تعتقد زات ان هذا التراجع لمرجعية العائلة قد تضافر مع مشكلة اخرى من صنع فلسطيني: الاحتفاء بالشهيد. كل من يلقى حتفة في تفجير انتحاري او هجوم مسلح او رمي للحجارة او لوجوده في منطقة اطلاق نار يعد في عداد الشهداء. تقول زات: «في البداية، كان الامر آلية للدفاع عن النفس، لكن حينما اصبح العنف جزءا اساسيا من الحياة اليومية التي يعيشها المجتمع، فقد رحب بها ومجدها. وهذا اوجد الآن ثقافة يؤمن الشبان فيها بأن الموت شيء جيد يحبذ السعي وراءه. وحينما يفكرون على هذا النحو يصبحون هدفا سهلا لتجنيدهم في جماعات المناضلين». واكثر المراحل السنية تعرضا لذلك هم الصبية في مقتبل المراهقة. شوارع رفح ليست مكانا يمكن التمشي فيه بعد الغروب، لكننا اردنا معرفة كيف تتدبر العوائل معاشها ولهذا مضينا الى احد البيوت لنرى كيف تمضي العائلة ليلها. كان البيت فيللا واسعة تبعد 200 متر عن احد خطوط المواجهة. البيت مبني بشكل متين، ومع ذلك فعندما دخلنا لاحظنا ان جدار غرفة النوم التي من المفترض ان ينام فيها المصور منسوف وغطي بستارة. اخذنا معنا ستراتنا الواقية من الرصاص وخوذنا وأبقيناها قريبة من ايدينا. لم يشأ مضيفنا ان نعرف عن شخصيته، مع انه كان سعيدا حين ذكر لنا اسماء ابنائه. يعمل «م» في خارج البلاد معلما منذ 15 عاما، وهو يتحدث انجليزية ممتازة. اذ بخلاف العادة في رفح، لديه وظيفة. «م» رجل محافظ ومتشدد في تربية ابنائه الفتيان، ويصر على التأكد من أنهم يجدون في متابعة دروسهم. واراني نتيجة امتحان اللغة الانجليزية التي حققها ابنه ماهر، 100 في المئة. مضيفا يلوم العائلات التي تترك ابناءها تتربى في «الشوارع». غير انه يعترف بأنه ابنه محمد «13 عاما» مهتم بالجهاد. وحدثني عن جدال دار بينه وبين هذا الابن حينما عاد من المدرسة الى البيت ذات مرة وفي يده قنبلة يدوية الصنع. غير ان صورة مبروزة على الجدار كانت تظهر محمد وهو يحمل بندقية كلاشنكوف، كانت معلقة في صدر القاعة.الولد قصير القامة ممتلئها وملامحه شديدة، كان يلبس قميصا مسدلا فوق بنطاله الواسع. واطلعني محمد على الصورة، التي كنت قد انتبهت لها مسبقا، باعتبارها ستكون صورة شهيد في المستقبل، واخذ يهجئ: «كلا ـ شين ـ كوف» مشيرا الى البندقية. جلس على الأريكة وسألته عما يريد ان يكون في كبره. اجابني مرة ثانية: شهيد. اراد ان يستطرد في التفسير، غير انه لا يزال في سن صغيرة ولا يستطيع التعبير عن مشاعره بوضوح. كل ما استطاع ان يقوله لي هو: «دبابة. ابتاشي. هليوكوبتر. اريد تحرير فلسطين من الجيش الاسرائيلي». اما احمد «17 عاما» اكبر ابناء «م» فكان هو من يستطرد في نقل افكار اخيه لي ودعاني الى الفرقة الثانية لارى كمبيوتره. هناك اطلعني على الصورة المؤطرة لابن عمه هيثم سيد نطاط. كان الصبي في الصورة يضع بندقيتين متصالبتين امام صدره وشريطة سوداء يعصب بها رأسه. حدثني احمد عن ابن عمه هيثم الذي قتل وهو يهاجم الجنود الاسرائيليين. وقال لي انه فقد حتى الآن سبعة من اقاربه واصدقائه في هذه الانتفاضة. ويفتح احمد ملفي فيديو على الكمبيوتر للمثل البريطاني روان اتكنسون في شخصية مستر بين ويحرك الصور للأمام والخلف وهو يضحك. وهناك صفحة مخصصة للأميرة ديانا وصور فيديو لمايكل جاكسون. ثم يفتح ملفا اخر عليه صور فيديو مهزوزة لدبابة اسرائيلية تتقدم وسط الخراب قبل ان تدخل في غيمة اطلقتها قنبلة غاز كبيرة «شاهد هذا! الدبابة تأتي. ثم شاهد انها تنفجر!» ويضحك ويعيد الشريط الى الوراء مرة ثانية لاستطيع ملاحظة ان الانفجار كان على احد جوانبها. يقول لي بجدية: «لو كانت القنبلة تحتها لاحترقت الدبابة». ثم يفتح احمد اخيرا الملف الذي احضره لي الى هنا لاراه: مكتبته المخصصة لصور تنظيم القاعدة. انها على الكمبيوتر ـ الصور المألوفة الغربية التي اصبحت صورا ايقونية كصور نجوم الغناء لجيل الفلسطينيين الشباب. هناك صورة محمد عطا ورفاقه من مختطفي الطائرات يوم 11 سبتمبر. وهناك اسامة بن لادن مع رجاله يجلسون على الارض متربعين. وهناك مركز التجارة العالمي تأكله النيران وشخص يسقط من احد البرجين. سألني احمد عما اذا كنت اشعر بالصدمة حين اعرف انه يعشق مايكل جاكسون واسامة بن لادن في الوقت نفسه. ويقول: «انا لا اكره الحضارة الاميركية. لكن اكره ما تفعله سياساتهم بنا. انهم يمدون اسرائيل بالمال والدبابات والاسلحة ضد الشعب الفلسطيني. ولهذا أنا اساند كل ما يساندنا في صراعنا، مثل تنظيم القاعدة». ادركت ما تعنيه من قوة صورة «الشهيد» لاطفال رفح. انها ملهمة خيال الفتيان الذي اصبح حقيقة في ارض اصبح فيها اي حلم آخر مسحوقا. فكرت طويلا بهذا وانا اجاهد لأنام. غير ان ازيز الرصاص ودوي الانفجارات كان قد بدأ، في البداية بضعة انفجارات أنت من ناحية السور الحديدي ـ الاطفال يرمون القنابل ـ ثم بعض الطلقات المنفردة، واخيرا تبادل كثيف للنيران على طول الزقاق الذي يمتد بجانب بيتنا. استمر الامر طوال الليل. وفي الصباح قال لي «م» انها هدهدة النوم لأهالي رفح. انهيت زيارتي للمدينة في مقبرتها. طفلان كانا يلعبان بجانب احد القبور. وحينما رأيانا اتى اطفال اخرون يركضون بين القبور لمقابلتنا. كانت الريح تأتي معه بتواترات من رذاذ المطر. لفت نظري قبر صغير، حديث العهد، بالتراب المكوم فوقه. قال لي احد الصبية انه قبر حامد المصري، طفل قتل وهو ابن سنتين ونصف السنة يعيش أهله في حي على احد خطوط المواجهة. اصابت حامد رصاصة حينما كان يحاول الفرار مع والديه فيما كان الجنود الاسرائيليون يطلقون رصاصهم على الحي. امه اصيبت بطلقة في بطنها. تذكرت اني كنت قد قابلت ابويه قبلها بيومين، وكان ابوه اسعد قد اراني شهادتي الوفاة اللتين اعطيتا له لمقتل ابنه. سألته عن ابنه خليل «6 سنوات» الذي كان يقود حامد من يده حينما اصابته الرصاصة القاتلة، كيف يستوعب مقتل اخيه؟ اجابني: «حين سمع صوت الرصاص ركض ليمسك بيدي. حدثني ونحن نركض عن اخيه وحدثني عن الاسرائيليين. قال لي انه خائف منهم، لكنه قال ايضا انه يكرههم». بقلم: بيتر بومونت _ ترجمة : جلال الخليل عن «جارديان»