الاثنين 16 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 17 فبراير 2003 يطيب لابناء البصرة في أصائلهم التمشي على ضفاف شط العرب، فيما النخيل يتهادى مع النسائم السابحة فوق صفحة المياه البنية، اما الاطفال فيتراكضون في لعبهم بين تماثيل ابطال الحرب.. انها مدينة البصرة احدى المدن التي تحتل مكانة الاساطير في الشرق. لكن الامر لا يحتاج سوى للتقدم عدة مئات من الامتار ليتضح الوجه الحقيقي لهذه المدينة «البصرة الجميلة» كما تسميها البطاقات البريدية الباهتة في ردهة الفندق الوحيد الموجود فيها. في الشوارع الخلفية تجوب الكلاب الضالة بين اكوام القمامة لتأكل. الازقة المهترئة بين الحواري التي تكثر فيها الدروب الطينية، العائلات المكونة من 20 فردا والمحشورة في بيوت مؤلفة من ثلاث غرف، في هذه البيوت بعيدا عن الاذان المشرئبة يتردد سؤالان: ما الذي سيحدث خلال الحرب؟ ما الذي سيحدث بعد الحرب؟معظم الناس يخمنون جواب السؤال الاول، فحتى الرئيس العراقي يعترف بان التفوق التقني للقوات المحتشدة ضده سيجعل من ابداء مقاومة ذات شأن امرا صعبا وليس هناك سوى قدر قليل من الدافع للقتال، حتى بالنسبة لضباط الحرس الجمهوري نخبة القوات المسلحة العراقية، دع عنك المجندين الذين سيواجهون القصف الجوي الاميركي وطائرات الاباتشي باسلحة قديمة قدم ادبيات السياحة العراقية. اما جواب السؤال الثاني فليس واضحا، اذ ان اولئك المكلفين برسم مستقبل العراق بعد الرئيس العراقي ليست لديهم الا فكرة ضئيلة عن الجواب. صباح كل خميس، ومنذ عدة اسابيع تجتمع الحلقة الداخلية لادارة الرئيس جورج بوش في المكتب البيضاوي بالبيت الابيض للنقاش حول «الحرب على الارهاب»: كوندوليزارايس، مستشارة الرئيس الاميركي لشئون الامن القومي وكولن باول وزير خارجيته ودونالدرامسفيلد وزير دفاعه ومسئولون كبار في «السي آي ايه» وهناك سؤال يوجهه بوش المحبط على نحو متزايد في كل اسبوع: «ما الذي سنفعله بالعراق» حالما يطيح الحلفاء بالرئيس العراقي. حتى الآن لايزال الرئيس الاميركي يسمع اجوبة متناقضة فالتناحر داخل ادارته يتواصل غير ان خطة قد تبلورت اخيرا. الخطة تتوزع على ثلاث مراحل: اولا حكم عسكري بقيادة اميركية، ثانيا مرحلة انتقالية تتضمن حاكما عسكريا للعراق الى جانب زعيم مدني عراقي يعينه (او على الاقل يوافق عليه) المجتمع الدولي، ثالثا تسليم زمام الامور لنظام متعاطف مع واشنطن ومعتمد عليها. في البداية، كان النموذج الذي وضع للعراق بعد الحرب هو نسخة عن برنامج اعادة اعمار اليابان بادارة الجنرال الاميركي دوغلاس مكارثر غير ان خبراء وزارة الخارجية قالوا ان ذلك سيكون مفرط السفور في شكلة الاستعماري وسببا للاستياء في كل الوطن العربي، غير ان نموذج مكارثر على الرغم من انه اسقط كنموذج للعراق، يظل ارشيف القضاء على نازية المانيا مصدرا رئيسيا لواضعي خطط ما بعد الحرب للعراق. فمثلما كان الوضع في ألمانيا بعد الحرب، لن يكون امرا عمليا تطهير العراق من كل اعضاء حزب البعث وهو الجهاز السياسي للرئيس العراقي. يقول دانييل نيب من معهد الدراسات المتحدة الملكي في لندن: «ان ملايين الناس متواطئون مع النظام واذا ما تم ابعادهم كلهم، فان ادارة البلاد ستتهاوى، هؤلاء الناس سنحتاجهم في اي سيناريو لما بعد الحرب». ومن المحتمل ان يكون الحاكم العسكري للعراق بعد الحرب الجنرال تومي فرانكس الذي سيقود الهجوم عليه غير ان هذا الاحتمال ليس محقوقا اذا عرفنا كراهية رامسفيلد لفرانكس ولاستراتيجيته المحافظة. تستمر المرحلة الاولى، وهي الحكم العسكري الاميركي ما يتراوح بين 6 و18 شهرا بعد الحرب وتوفر جيوش «نحالف الارادة» الرجال لجيش الاحتلال هذا ومن بينهم جنود بريطانيون. اما المرحلة الثانية فتصور على انها نوع من ادارة دولية مدنية يدعمها وجود عسكري متناقص وهنا تكون محمية كوسوفو هي الاسبقية الملهمة لهذه المرحلة. لكن فيما يأمل الاميركيون بتشكيل تحالف دولي واسع تقوده الامم المتحدة للقيام بمهمة ادارة العراق فان الامم المتحدة نفسها تتخوف من هذا الدور. واعرب المسئولون في مقرات الامم المتحدة عن تخوفهم من اضطرارهم حينها «لترتيب الفوضى» في نهاية حرب، احدا بشنها لم يفوض مجلس الامن الدولي. ويقول احد هؤلاء: «وفق المنطق الاميركي، يبدو ان الامم المتحدة سيكون لها دور استشاري حين يتعلق الامر بشن الحرب، وهو الجزء الاسهل، لكن يصبح دورها محوريا حين يتعلق الامر باحلال السلام، اي الجزء الاصعب». ويدور جدل مرير عمن سيكون الحاكم المدني الموعود، او «المندوب السامي» الذي سيحكم العراق الى جانب الحاكم الاميركي خلال المرحلة الثانية الاميركيون يريدونه اميركيا ومن بين المرشحين الاقوياء لهذا المنصب جورج ميتشل بما له من خبرة في مفاوضات السلام في ايرلندا والشرق الاوسط غير ان ادارة بوش ترى في ميتشل الديمقراطي حمائميا اكثر من اللازم وهي تفضل نورمان شوارزكوف الذي كان قائدا عسكريا لقوات التحالف في حرب الخليج، وهو الآن مدني ورجل دعاية نشط لعائلة بوش. غير ان معظم اعضاء مجلس الامن الدولي يفضلونه ان يكون من دول الاتحاد الاوروبي ليوازن بثقله النفوذ الاميركي والامم المتحدة مصممة على الرغم من المعارضة الاميركية الشرسة على ان يكون هذا الحاكم المدني مسلما وهنا يصبح الدبلوماسي الجزائري المخضرم الاخضر الابراهيمي الذي توسط في اتفاق السلام في افغانستان اسما محتملا. اما المرحلة الثالثة، وهي مرحلة اعادة الاعمار فتظل الاكثر اثارة للجدل والاقل تخطيطا لها: ارساء حكومة عراقية موالية للولايات المتحدة في غضون سنتين من الحرب كما يحبذ الاميركيون، تقوم بقلب الماضي القريب للبلاد وطبعا، تنهي برامج اسلحة الدمار الشامل، والنقطة الاخيرة تعد اكثر اثارة للجدل مما هي تبدو عليه، ذلك ان التسلح الكيماوي كان محورا اساسيا في الاستراتيجية العسكرية الاميركية طوال العقدين الماضيين. وستكون المصالحة بين الطوائف العراقية امرا صعبا، وكذلك سيكون اقناع العراقيين ان الحكومة العراقية تتصرف لما فيه صالحهم وليست دمية اميركية. ديك تشيني نائب الرئيس الاميركي والبنتاغون كانا يضغطان منذ زمن طويل لتسليم الحكم بشكل فوري للمؤتمر الوطني العراقي، وهو تحالف غير منسجم من زعامات مهجر يقودهم احمد شلبي. غير ان «السي آي ايه» والخارجية لا يثقان بالمؤتمر الوطني العراقي ويرون فيهم وصوليين يفتقرون الى المصداقية بين العراقيين ويريدون بدلا من ذلك تشكيل حكومة من عراقيين يعيشون داخل العراق حالما تبدأ عملية اعادة البناء. وتريد وزارة الخارجية طمأنة قادة البعث السابقين الى انها تريد محاكمة حفنة فقط من ابرز الوجوه في حكومة الرئيس العراقي، فيما ستنشيء لجنة للحقيقة والمصالحة كتلك التي شكلت في جنوب افريقيا لتأمين العفو عن الباقين. النقطة المجهولة الاهم في المرحلة الثالثة هي شكل دولة العراق بعد الحرب، حيث تتكهن وثيقة جهزتها وزارة الخارجية بحدوث «انقطاع لحالة القانون والنظام وامدادات الغذاء والرعاية الصحية المستعجلة» كما ان «الخوف سيكون عاما» كذلك ستكون «تصفية الحسابات» وتتوقع مذكرة سرية للامم المتحدة تسربت للصحافة حدوث «دمار» وتقول ان الاصابات والامراض قد «تنهك» سكان البلاد مع توقع حاجة 500 ألف عراقي للعلاج الطبي نتيجة الحرب «ومن المحتمل جدا حدوث تفش للامراض الوبائية بنسب مخيفة». وكانت حرب الخليج قد اطلقت نزوحا جماعيا لمليون ونصف لاجيء عراقي وتحذر منظمات الاغاثة من كارثة انسانية، والاستراتيجية المتداولة حاليا تركز على استيعاب موجة النزوح ضمن المنطقة. ما هو موضع بريطانيا في هذا الاطار؟ الحكومة البريطانية اشارت الى عدة مجازفات في سيناريو ما بعد الرئيس العراقي اضافة الى احتمال اندلاع حرب اهلية دموية ذات انقسامات عرقية، او اذا ما اخطأت حملة «القصف الجوي الذكي» اهدافها لتسبب دمارا هائلا في البنى التحتية للعراق، ويخشى مخططو الحرب من ان تنسف القوات العراقية المنسحبة منشآت النفط، كما فعلت في الكويت قبل 12 عاما وربما تسميم الاراضي والبشر على نطاق واسع، اذا قررت الحكومة العراقية استخدام اسلحة كيماوية في التصدي للهجوم كما يتخوف المخططون البريطانيون ان تجد واشنطن ولندن نفسيهما متورطتين في عملية حفظ سلام مطولة وصعبة ومكلفة جدا بعد الحرب. وقد عرف الآن ان الادميرال مايكل بويس رئيس هيئة الاركان المشتركة البريطانية قد اخبر وزير دفاع بريطانيا جيف هون انه لن يكون من المعقول موقع قيادة بريطانيا لمثل هذه العملية اكثر من بضعة اشهر ويقول مصدر عسكري: «ببساطة نحن ليست لدينا الموارد البشرية لتوفير دعم طويل الامد». ويبدو ان رئاسة الحكومة تصغي لهذه الملاحظات: تقول بعض المصادر ان الالتزام بتوفير القوات ربما يكون «اكثر من ستة اسابيع وربما اكثر من ستة اشهر» فليس هناك اي خطط لبقاء اطول من هذا وفي اشارة من واشنطن تفيد بانها تتفهم هذه القيود، بدأ الرئيس بوش القاء خطابات امام الاميركيين يحذر فيها من ان الجنود الاميركيين سيبقون في العراق لفترة اطول مما يتوقعون غير انه ليست هناك اي دولة مرشحة اخرى غير بريطانيا لقيادة قوات التحالف في العراق بعد الحرب ويتحدث مخططون ان الخبراء يقولون ان ايا من الطرفين غير مرشح للبدء في ذلك في بداية العملية. احد الحلول للتعامل مع هذه المشكلة هو استخدام الجزرة وليس العصا ففي نوفمبر الماضي ارسلت وزارة الدفاع البريطانية فريقا من ضباط الاستخبارات العسكرية الى واشنطن واقترح هؤلاء اغراق العراق بالمعونات في الشهرين الاولين الحاسمين بعد اسقاط حكومة الرئيس صدام حسين اذ ان ضخ الطعام ومساعدات كمالية ورعاية صحية وفرص تعليمية ومساعدة الزراعة العراقية قد يقنع العراقيين ان الحياة في ظل نظام حاكم ألعوبة بيد الغرب هو افضل من كل البدائل الاخرى، كما ان تشكيل «ملاذات آمنة» تستطيع المنظمات غير الحكومية الشروع في العمل فيها سيكون الاولوية في مقابل تقدم القوات الغازية. وحتى الآن يعمل الخبراء على حساب تكاليف المساعدات للعراق ويقدر مكتب الموازنة في الكونغرس الاميركي ان قوة حفظ سلام عديدها بين 75 و200 ألف رجل ستكلف بين 17 و46 مليار دولار سنويا ومن المتوقع ان تسهم بريطانيا بنسبة 5 في المئة من الفاتورة الدولية، وبالنظر الى الحالة المتردية للمنشآت النفطية العراقية ستمضي سنوات قبل ان تتمكن عوائد العراق النفطية من تسديد اي نفقات، ويقول خبير الاقتصاد في جامعة يال وليام نوردوس انه حتى لو بقيت حقول النفط سليمة من اي ضرر بعد الحرب واستطاع العراق انتاج 3 ملايين برميل يوميا ـ وهو الحد الاعلى السابق لانتاجة ـ فان هذا لن يوفر للبلاد سوى 25 مليار دولار سنويا وفق أسعار النفط الحالية. والكثير يعتمد على جيران العراق، فدفق المعلومات الاستخبارية عالية المستوى المتواصل من طهران اثبت انه مفيد على نحو لم يكن متوقعا خلال حرب افغانستان غير ان المكافأة التي حصلت عليها ايران لهذا الدعم كان حشرها مع العراق وكوريا الشمالية في «محور الشر» من جانب الرئيس بوش، ومنذ ذلك الوقت تعمل بريطانيا على تضميد ذلك الجرح الايراني ومؤخرا زار وزير الخارجية الايراني كمال خرازي لندن، واجتمع مع نظيره البريطاني جان سترو وطمأن البريطانيون ضيفهم الايراني الى انه لن تكون هناك اي اعادة لرسم حدود العراق بما يتعارض مع مصالح ايران. غير ان الجيران الآخرين مثل الاردن والسعودية لايزالون غير مرتاحين. وفي الاسبوع الماضي تواصلت المحادثات بين المبعوثين الاميركيين الذين يريدون ضمان استخدام جنوب تركيا كنقطة تجمع وانطلاق لما بين 20 و80 الف جندي مع الاتراك، وتريد تركيا ادخال جيشها الى شمال العراق في حال حدوث هجوم اميركي، اما الاكراد فيشعرون بالذعر من احتمال احتلال تركي بحكم الواقع، كما ان احدا لا يستطيع ان يتكهن بما ستفعله اسرائيل. ان كل حسابات واشنطن تعتمد على افتراض حدوث حرب خاطفة ونصر سهل، يقول مسئول دولي من الامم المتحدة: «يفترض الاميركيون انهم سيلاقون بالترحيب كقوة تحرير من دون ان يعيروا اي انتباه للعداء العميق للولايات المتحدة في العراق الناجم عن 10 سنوات من الفقر نتيجة العقوبات التي فرضتها. لكن مسئولا اميركيا رفيعا يقول: «ليست هناك اي سياسة حاسمة من دون عناصر مجازفة». عن «اوبزرفر»