الخميس 12 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 13 فبراير 2003 وضعت مجموعة من العلماء والمخرجين السينمائيين خطة لإظهار غرائب عالم ثقوب المياه الحارة في المحيط الأطلسي كما لم تشاهد من قبل. ومن أجل هذا الغرض، حملوا معهم كاميرات إيماكس ضخمة ومصابيح إضاءة بقوة 400,4 واط إلى أعماق المحيط. إن النظر عبر كوة في غواصة استكشاف لأعماق البحار يشبه النظر إلى الفضاء الخارجي باستخدام أضواد ساطعة. فانت لا يمكنك ان ترى الكثير. ولكن إذا كنت مزوداً باضواء سينمائية قوية فان الغواصة تصبح مثل تلسكوب هابل في أعماق البحار يكشف عن روائع غريبة مثل الرؤوس المدببة لمدخنة كبريتية أو نجوم البحر الشوكية التي تمشط التيارات المائية بحثاً عن الغذاء. يساعد فريق من العلماء إلى جانب مؤسسة العلوم الوطنية وشركة ستيفن لو بروداكشنز في إعداد فيلم إيماكس يظهر بتفاصيل لا تضاهى ثروات الثقوب المائية الحارة، وهي أنظمة بيئية ربما تحمل دلائل حول الحياة البدائية على الأرض. وفي العالم المعتم في فتحات قاع البحار، تقاد الحياة بفعل التركيب الكيميائي: كائنات عضوية دقيقة مثل البكتيريا والبدائيات تقوم بتحويل الكيماويات من الثقوب إلى كتلة الجسم. ففي حقل بأحد الثقوب في سلسلة المرتفعات في اعماق وسط الأطلسي، ترعى قطعان من الروبيان الشفاف على هذه الكائنات العضوية المجهرية. يفتقر هذا النوع من الروبيان إلى محاجر العيون والعدسات. ولكن عالمة الأحياء سندي فان دوفر وجدت أن الفصوص العاكسة الموجودة على ظهر الروبيان تحتوي على مادة رودوبين، الشبيهة بالصبغ الكاشف للضوء في عين الإنسان. فعلى الرغم من أن الروبيان هذا لا يمكنه أن يرى، إلا أنه قادر على الإحساس بدرجات الضوء. ولكن أي ضوء هذا؟ لقد تبين أن الماء الساخن المنبعث من ثقوب الماء الحراري يتوهج بأطوال موجية تحت حمراء، تكون غير مرئية للإنسان ولكنها قابلة للاكتشاف من قبل الروبيان. ومن شأن هذا الضوء أن يقود الروبيان إلى المداخن الغنية بالغذاء. ولأن الماء الأسخن يبدو أكثر صفاء، فإن الروبيان قد يتجنب الوقوع فيه. إن تصوير فيلم عالي الوضوح لحقول ثقوب المدينة المفقودة، وحجر الافعى والطريق الجيولوجي العابر للأطلسي على طول سلسل مرتفعات وسط الأطلسي يكمل رحلة قام بها لوتز من جامعة روتجرز، وهو مساهم كبير في المشروع، وزملاؤه قبل بضع سنوات على مرتفعات أعماق شرق الهادي، وذلك لتعزيز الوعي الشعبي والعلمي بالفتحات المائية الحرارية. في إحدى ليالي شهر ديسمبر من عام 2000، وبينما كانت سفينة البحث اطلانتس تجر كاميرات على عمق 2300 قدم عن سطح المحيط الأطلسي، شاهدت عالمة الجيولوجيا ديبي كيلي وزملاؤها مدخنة بيضاء كالثلج في المياه تومض بالحرارة. ولدى استكشاف المكان بواسطة الغواصة، اكتشف الفريق «غابة أخشاب حمراء» من القمم المستدقة، كان يبلغ طول إحداها حوالي 200 قدم. وأسموا المنطقة المدينة المفقودة ـ وهي نوع جديد كليا من حقول الثقوب المائية الحرارية، حيث تقوم مداخن نشطة بنفث مياه حارة بدرجة حرارة تتراوح مابين 100 و 170 فهرنهايت. وهذه الحرارة ناجمة عن حدوث تفاعل كيماوي بين الماء وصخور تدعى البريدونيت. وعندما يظهر المحلول القلوي، فان كربونات الكالسيوم تتبلور مكونة اشكالاً مثل الصواعد الكلسية في الكهوف. وإلى أن تم اكتشاف المدينة المفقودة، كانت معظم الثقوب المعروفة في أعماق البحار قد نشأت عن مناطق ذات نشاط بركاني جديد مثل سلاسل الجبال وسط المحيط، حيث تقوم المداخن الكبريتية بنفث الماء بدرجة حرارة 760 فهرنهايت. ومع ذلك، فإن تشكيلات المدينة المفقودة تقع على بعد تسعة أميال عن سلسلة جبال وسط الأطلسي على صخرة يبلغ عمرها 5,1 مليون سنة في بيئة قلوية قد تكون مشابهة لبيئة الأرض في العصور البدائية. وخلافاً للمسطحات الكثيفة من المايكروبات، فان اشكال الحياة تعتبر نادرة في منطقة المدينة المفقودة، ونادراً ما تشاهد بعض الأسماك فيها مثل سمكة الحطام. وفي موقع حفرة (جحر) الأفعى بوسط الأطلسي، تحتضن حواف الصخور المعدنية المئات من الروبيان اليافع والبطلينوس الشبيه بحبات الزيتون بينما يحتضن بلح البحر الصخور للحصول على الغذاء. ويتجمع الروبيان اليافع المعزول عن الروبيان البالغ لأسباب غير معروفة، في هذه الحواف الصخرية ليرعى البكتريا ويمكن ان تكمل نظامها الغذائي بمخزون من اللبيدات البرتقالية الداخلية. وفيما يتعلق بالغواصة التي اعدت لغرض تصوير الفيلم عن أعماق البحار، يقول المخرج ستيفن لو: «إن البشر يكرهون العتمة. ولكي نلهم الناس كي يعتنوا باعماق المحيط، كان علينا أن نضيئه. ومن أجل هذا الغرض، حملنا معنا ثمانية مصابيح بقوة 400 واط ومصباح كشاف بقوة 1200 واط كان يسلط الضوء إلى مسافة 150 قدماً في المياه. وعلى الرغم من الصعوبات التي واجهت فريق التصوير والبحث، إلا أن النتيجة التي ستظهر في الفيلم ستكون رائعة بحيث تستحق كل الجهد الذي بذل. ومن تلك المناظر الرائعة التي تم التقاطها منظر النتوءات الصخرية المعدنية البنية المائلة إلى اللون البرتقالي والتي تلتصق بها الرخويات مثل بلح البحر فتكون اشكالاً أشبه بقرون الوعل. ضرار عمير