الثلاثاء 10 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 11 فبراير 2003 لم تكن عملية جمع المعلومات عن منبار سهلة أمام رجال الموساد، فقد كان منبار على جانب كبير من الحذر، فهو قليل التحدث بالهاتف، ويخفي الكثير من المعلومات عن موظفيه ومساعديه، وينتقل في عواصم عديدة وبين مكاتب كثيرة، كما انه لم يسجل معلومات مكتوبة، وإنما كان يلجأ للترميز، فعندما تم نقل الصناديق من مكتبه في وارسو، كانت هناك حاجة كبرى لفك رموز المعاهدات والتعاقدات، والى ان تم ذلك انتفت قيمتها. وخلال هذه العملية، وفي نهاية مايو 1993، حصل حادث طرق أودى بحياة اثنين من رجال الموساد في فيينا، ونقلت وسائل الاعلام الاسرائيلية في حينه مقتل سائحين اسرائيليين في حادث طرق في النمسا، واعتقد رجال الموساد ان الحادث كان مدبراً من قبل الايرانيين الذين اكتشفوا متابعة الرجلين للدكتور عباس، ومنهم من اشتبه في ان يكون منبار قد أعلم عباس بتتبع الموساد له، خاصة وأنه كان قبل ذلك قد كشف عملية تعقب الموساد له في فندق ماريوت فيينا، حين تحدث الى عملاء الموساد بالعبرية كي يحرجهم، كما انه عبر عن غضبه لداني ميلينر من ملاحقة الموساد له، لكن التحقيق الداخلي الذي أجراه الموساد بشأن الرجلين كشف ان الأمر لا يتعدى حادث طرق. وعلى الرغم من ذلك زاد تصميم شفتاي شافيط على القبض على منبار، حتى لو كان ذلك في القمر ـ كما قال لرجاله، كما جرى بحث أمر طلب التعاون من أجهزة استخبارية أجنبية، وان كانت تجارب الماضي قد برهنت على عدم رغبة هذه الأطراف في التعاون مع الموساد اضافة الى انشغال هذه الأجهزة في ملاحقة الشبكة الايرانية التي يرتبط بها منبار. وقد تمكن جهاز الاستخبارات البريطانية من التعرف على جوي كيدي (صديقة منبار) وتحويلها الى متعاونة. وقررت الأجهزة الأمنية الاسرائيلية توجيه انذار ثان لمنبار وعلى مستوى رفيع كي يدرك خطورة الأمر، فتم انتداب رئيس الشعبة الاستخبارية في الشرطة آفي كوهين، الذي انتظره في مطار بن غوريون في شهر اكتوبر 1993، وأبلغه بأنه يواصل نشاطه المحظور مع ايران على الرغم من تحذير الشاباك، وكان رد منبار بأن الشاباك لم يحذره وأنه أوقف علاقاته مع ايران، واشتكى له من تطفل الموساد عليه والصاق التهم الملفقة به. كسر حاجز الصمت تجدر الاشارة الى انه لا يوجد خلاف بين المتورطين في القضية، لأن منبار بعد هذا التحذير أوقف علاقاته بالايرانيين، كما اتضح من كتاب الادعاء بأن المدعية العامة الاسرائيلية تتفق هي الأخرى مع هذه الحقيقة. وخلال تلك الفترة تم توجيه تحذيرات لأعضاء في الكنيست جراء علاقاتهم بمنبار، ورويداً رويداً توضحت الصورة كاملة أمام الموساد، فخلال عملية التعقب التي استمرت أربع سنوات ظهرت لهم كثير من الشبهات التي لم يتمكنوا من ترجمة كثير منها الى اثباتات وبراهين قانونية، وبالتالي عدم ورودها في لائحة الاتهام. فبموجب تقديرات الموساد قاد «منبار» عملية بناء عدد من المصانع لانتاج غازات سامة لايران، وهذه الغازات محظورة الاستعمال وفق معاهدة المجموعة الأسترالية، كما انه ساهم في اقامة مصانع لانتاج غاز الخردل وغازات الأعصاب من نوع (سارين) وفي.اكس ومصانع أخرى تنتج المواد الخام المصنعة لتلك الغازات العسكرية، وباع ايران مواد خام لانتاج غاز الخردل والأعصاب، واضافة لذلك زودها بالمعلومات والتصاميم والمعدات التقنية والمعادن الخاصة المحظور تسويقها مثل (هاستلوي) ومفاعلات ومكثفات وخزانات مبطنة بالزجاج، وأخرى عادية ومضخات مطلية بالزجاج. واتضح ان منبار كان حريصاً على ابعاد منزله وأفراد أسرته عن نشاطه المحظور مع ايران، وأن العاملين معه لم يكونوا على علم بمشروعاته السرية، سوى اثنين منهم هما البولندي كاشيشتوف وعامل آخر. وكانت شركة «لامبرت» المجرية هي المزود الرئيسي له بالمعدات الكيميائية، وهذه الشركة معروفة بتجاوزاتها القانونية، فقد زودت مصر وايران بوسائل القتال الكيميائية، وكانت وسائل الاعلام البريطانية والايطالية قد نشرت تقارير حول أنشطة هذه الشركة في مجال المواد الكيماوية ولايران على وجه التحديد بما قيمته ثلاثة ملايين دولار. وبالمحصلة فان التقديرات تقول إن الايرانيين حصلوا على 80% من تقنية انتاج الغاز السام عن طريق شركة «لامبرت ومنبار». وفي يناير عام 1994 فرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية على أنشطة منبار في كل من فرنسا وبولندا. وفي الثالث من يوليو أصدرت الادارة الأميركية بياناً حول اتخاذها عقوبات ضد أنشطة منبار الى جانب ثلاثة آخرين من أستراليا وألمانيا والنمسا. ولكن منبار لم يبد اهتماماً بالطوق المضروب حوله، ونفى الاتهامات الموجهة اليه مدعياً بأنها ليست جدية، وقال: «يحاولون المس بي وبسمعتي الطيبة، كما فعلوا قبل ثلاثة أعوام، عندما عزمت على الاستثمار في فريق هبوعيل تل أبيب»، ومع ذلك فقد كسر حاجز الصمت الذي فرضه على أعماله وأجرى لقاءً اعلامياً صرّح فيه بعلاقاته مع ايران ومتاجرته بالمعدات الأمنية، ولكنه قطعها بموجب التوجيهات الصادرة عن الجهات المسئولة في اسرائيل. وفي حديث له مع صحيفة اسرائيلية، نفى بيعه مواد لانتاج غازات سامة من الصين لايران، واعتبر ذلك ترهات مع تأكيده بمعرفته للمساعدات الصينية لايران في مجال تحديث المعدات التي باعها لايران بنفسه، واعتبر وضع وزارة الدفاع لاسمه على القائمة السوداء، لا أساس له من الصحة، وانه ناجم عن الضغوط الأميركية. متاهة المحاكمة من جانب آخر، واصل شيمون بيريز الجهود التي بذلها سلفه رابين في جمع معلومات عن قضية منبار، ولكن خلال فترة رئاسة بيريز القصيرة لم تنضج الظروف لاعتقال منبار، وأبدى خلفه نتانياهو اهتماماً كبيراً بالقضية، وكذلك واصلت الادارة الأميركية الضغط في هذا الاتجاه، لكن المعطيات لم تكن كاملة أو كافية أمام النيابة العامة، فالأمر يحتاج الى العقود الأصلية والبيانات الجرمية، وبذل الموساد الكثير من الجهود على هذا الصعيد، لكن الانجاز المهم له تمثل في تجنيد دودون الذي أوصل الموساد الى المهندس البولندي كاشيشتوف، وأقنعه بالتعاون مع الموساد، وبالفعل قام الأخير بتزويد الموساد والنيابة العامة في اسرائيل بالوثائق والمستندات التي أدانت منبار. وفي مارس 1997 تقرر اعتقال منبار عند قدومه الى اسرائيل لمتابعة مباراة كأس الدولة بكرة السلة التي يخوضها منتخبه (هبوعيل القدس)، ولكنه لم يحضر المباراة، مما أثار الشائعات التي تحدثت عن الاختفاء الغامض لمنبار، وسمح الشاباك ومحققو الشرطة لمنبار فيما بعد بالاتصال بزوجته (فرانسيس) التي اعتراها القلق جراء غياب مكالماته الهاتفية عنها. ووسائل الاعلام الاسرائيلية كانت على علم بما جرى لمنبار، لكن الرقابة فرضت عليها حظراً بالنشر، ظل سارياً حتى بعد ثلاثة أسابيع من اعتقاله، حيث تم السماح بنشر خبر اعتقاله بتهمة ارتكاب مخالفات ضد أمن اسرائيل. وظلت النيابة العامة بحجة مقتضيات التحقيق تفرض التعتيم على القضية. والانطباع الذي ساد أثناء المحاكمة هو ان منبار تعاون مع محققيه وسلمهم صيغاً مفصلة لكنها متناقضة ذات شروح ملتوية وغير دقيقة. وفي أثناء ذلك تمكن منبار من توصيل رسالة الى ابن عمه ووكيل أعماله في اسرائيل يوسي لايت، يطلب منه فيها لقاء جوي كيدي، والحصول منها على أدلة تفيد بأنه أوقف علاقته بايران في نهاية عام 1992، وتابع الموساد هذا اللقاء واعتقل يوسي لايت بعد عودته بشبهة محاولة عرقلة سير التحقيق، ولكن تم الافراج عنه بكفالة، كما تم اقناع كيدي بتقديم شهادة عن شراكتها لمنبار في عمليات مع الصين، وكيدي لم تكن متحمسة للفكرة، لكنها وافقت في نهاية المطاف، وفي وقت لاحق قالت لقريبين من منبار انها فعلت ذلك بسبب كثير من الضغوط التي مورست ضدها، لكنها رفضت الافصاح عن الجهات الضاغطة. وفي الرابع عشر من مايو، بدأت محاكمة منبار الذي اتهمته النيابة بمساعدة العدو في حربه ضد اسرائيل، وتزويد ايران بالمواد الأساسية لانتاج الغازات، وتزويدها بمواد قتالية كيماوية، وكذلك نقل معلومات أساسية، ومعدات لانشاء مصانع لانتاج الغازات العسكرية وأنه تلقى في مقابل ذلك مبلغ 16 مليون دولار. لقد حصل على العقد الأصلي الموقع بين منبار والدكتور عباس، وقد حاول منبار الطعن فيه الا ان شهادة الشهود: كاشيشتوف ودودون وكيدي وكوتسير كانت الرد على ذلك، وقد وعدت حكومة اسرائيل كلاً من دودون وكوتسير بالحصانة وعدم تقديمهما للقضاء جراء اتصالاتهم بايران، بينما تلقى كاشيشتوف وعداً بالحصول على امتيازات مهمة كتمثيل شركات اسرائيلية في بولندا، ولم يخطئ محاميا منبار حين اعتقدا بأن قدوم المهندس البولندي للشهادة كان بفضل التعاون بين الموساد والاستخبارات البولندية. وأكدت الشهادات على متانة العلاقات بين منبار والدكتور عباس، وأن منبار كان على علم بالأخطار التي تنطوي عليها عملية بيع المعدات والمعلومات لايران، اضافة الى انه كان على علم بما يبيعه لايران، وقد تلقى تحذيرات بهذا الصدد، لكنه لم يمتثل لها وحرص على فرض قواعد السرية في اتصالاته بالدكتور عباس. ولتعزيز وترسيخ هذا الادعاء، استدعت النيابة رئيس جهاز الموساد شفتاي شبيط للشهادة فقال: «إنه طوال مسيرته وعمله بالموساد لم يواجه حالة بهذه الخطورة». وشهدت المحاكمة تفاصيل كثيرة حول الشحنات ونوعيات المواد وبلاد المنشأ، وغير ذلك من الأمور الفنية، لكن كاشيشتوف وكيدي أكدا على الشحنات الكيميائية التي قدمها منبار لايران من خلال شركات صينية، وكان منبار قد أخبر ميلينر بأنها لم تكن تزيد على خمسة عشر طناً، وهي في حقيقة الأمر مئة وعشرون طناً حسبما كشف الادعاء، وحاول محامو الدفاع عن منبار القول إن موكلهم لم يكن معنياً بالتفاصيل العلمية، وأن هذه كانت مهمة المهندس البولندي كاشيشتوف، وبالتالي لم يكن منبار على علم بأن المواد التي كان يرسلها لايران ستستخدم في تصنيع الغازات السامة. أما المحاولة الأهم التي قام بها منبار للدفاع عن نفسه، فهي قوله ان ايران لم تكن مصنفة كدولة عدوة. واستشهد بخطاب لديفيد ليفي وزير الخارجية الاسرائيلي آنذاك من ان اسرائيل لا ترى في ايران عدواً، وأنها ترغب في التوصل معها الى تسوية وعلاقات حسن جوار، ولتعزيز ذلك طلب الدفاع شهادة خبير هو يفتاح شافير ـ رائد احتياط في سرب استخباري بسلاح الجو وباحث في مركز جافي للدراسات الاستراتيجية،والذي قام بدراسة حول جهود التسليح في دول الشرق الأوسط لا سيما ايران والعراق. وقد سلم شافير المحكمة تقديراته الاستراتيجية خطياً، فيما يتعلق بشبكة العلاقات بين اسرائيل وايران، ثم أدلى بشهادة شفوية كرر فيها تقديراته من ان ايران لا تتعاطف مع اسرائيل، ولكن في رأيه لا يوجد أي تعارض جوهري بين الاثنتين، وبالتالي لا يمكن النظر الى العلاقات بين الدولتين على أنها حالة حرب، لكن النيابة حاولت زعزعة مصداقية تقديرات شافير، من خلال أبحاث سابقة له، تتضمن الأخطار التي قد تحيق باسرائيل من تهديد «انتشار الصواريخ البالستية» في الشرق الأوسط، فرد شافير بأنه لا يوجد ما يسمى بتهديد مثل هذه الصواريخ، فالتهديد يأتي من الدول والحكومات التي تملكها، وتساءل ساخراً: هل ان الصواريخ البالستية في الولايات المتحدة تهدد اسرائيل؟ وفي رأيه ان ايران لا تعتبر اسرائيل عدواً حيث لا توجد حدود مشتركة بين الدولتين، كما ان ايران ليست في حالة مواجهة مع اسرائيل وبالتالي ليس من الواجب اعتبارها دولة عدوة. ولأجل نقض هذه الشهادات، استدعت النيابة العميد عاموس جلعاد رئيس قسم الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الاسرائيلي (رئيس الشعبة حالياً) استدعته للشهادة، فكانت تقديراته القائمة على تصريحات الزعماء الايرانيين وأفعالهم «من ان ايران عدو لاسرائيل». وأكد جلعاد بأن النظام الايراني يقدم الدعم لحزب الله، ويشجع عملياته في لبنان والعالم، كما حدث في عملية تفجير سفارة اسرائيل في العاصمة الأرجنتينية عام 1992. وأكد جلعاد أيضاً انه من الممكن اعتبار ايران دولة تشكل خطراً على اسرائيل وتهددها، وتقف في مواجهة غير مباشرة معها من خلال تنظيم حزب الله في لبنان، ومن هنا فان استنتاجات جلعاد تقود الى اعتبار ايران دولة عدو لاسرائيل. التناقضات الخمسة تجدر الاشارة الى انه خلال المحاكمة، كانت هناك محاولة من جانب الطرفين للتوصل الى صفقة ادعاء، فقد اقترح الدفاع بأن يعترف منبار بالاتجار غير القانوني مع ايران والحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات، في حين طلبت النيابة ادانة منبار بمخالفات أكثر خطورة، هي التجسس والحكم عليه بعشر سنوات سجن على أقل تقدير، ولما اتضح بأن الفجوة بين الطرفين لا يمكن جسرها، تواصلت المحاكمة. لجأ محامو منبار الى خط دفاع آخر، ويفيد بأن منبار لم يكن وحده في المتاجرة مع ايران، فهناك الكثير من الشركات الاسرائيلية التي خاضت هذا الميدان، وأفاد أحد الشهود وهو محامي منبار «آفي ريختمان» بأنه تلقى العديد من طلبات لشركات اسرائيلية ترغب في الاتجار مع ايران بواسطة منبار، وبعض هذه الشركات أمنية، وبحسب ادعاء الدفاع فان هذه الطلبات كانت تتم بعلم وزارة الدفاع. وجاءت شهادة اللواء احتياط أوري سمحوني المدير العام السابق لمصنع سولتام للصناعات العسكرية، لتعزز هذا التوجه، فعلى الرغم من انه نفى التصدير الى ايران بواسطة منبار، الا انه قال انه التقى منبار في البرتغال لأمر مختلف. وطالب المحامون الحكومة الاسرائيلية بتقديم كشف عن تجارته الأمنية مع ايران، وهو ما قوبل بالرفض، وكل ما تم الحصول عليه هو معطيات من وزارة التجارة والصناعة، ودائرة الاحصاءات المركزية عن التجارة العادية بين البلدين، مثل الفستق الحلبي وصفقات هامشية أخرى ليست مؤثرة في سير المحاكمة. كما لجأ الدفاع الى ما أورده منبار في التحقيق عن وعد رجل الشاباك داني ميلنير له بعدم التجريم، واستدعى ميلنير للشهادة والذي قال انه من المحتمل ان يفهم منبار كلامه على انه وعد بالطمأنينة، ويقصد بذلك ما قاله له بأنه ليس (من العادة عض اليد الممدودة لنا). وحينما سئل ميلنير عن ذلك قبل ثلاثة أشهر من اعتقال منبار قال: (مارسنا عليه ضغوطاً خلال الحديث معه لكي لا يخفي أية أوراق، قلنا له: «نحن وزارة الدفاع الاسرائيلية وأنت في كنفنا، زودنا بالمعلومات» وكان واضحاً للوزارة بأن لدى منبار معلومات حول مسائل مهمة، مثيرة، تقع في صميم النظام البيولوجي والكيماوي دون ان يكون معلوماً لدينا ما دوره في هذا النظام، وبالتالي قلنا له: «اعتمد علينا، أعطنا المعلومات ونحن بدرونا لن نطعنك من الخلف»). وفي نهاية الأمر، رفضت المحكمة هذا التبرير من جانب الدفاع، وقبلت باعتبار ايران دولة عدوة ولم تتطرق في حكمها الى التناقض المنطقي والمعقول في الموضوع. من جانب آخر، فقد ادعى الدفاع بأن قرار اعتبار ايران دولة عدوة صدر خلال مناقشات أجراها رئيس الوزراء رابين في نهاية عام 1993، بينما قال الادعاء بأن هذا القرار تم اتخاذه قبل عامين من هذا التاريخ، وأنه كيف يمكن ادانة مشبوه بدأ بالاتجار مع هذه الدولة قبل اتخاذ القرار؟. ولم تقتنع المحكمة بأن الشاباك منح منبار الحصانة الفعلية من امكانية تقديمه للقضاء، بل اعتقدت بأن الأخير اتخذ من ذلك ستاراً لأنشطته وأنه خدع الشاباك. ولم تأخذ المحكمة بنظر الاعتبار ان الحكومة منعت الدفاع من الحصول على معلومات حول العلاقات الايرانية الاسرائيلية بما في ذلك الشئون العسكرية. من المؤكد ان التناقضات التي سادت شهادة منبار أعطت انطباعاً للمحكمة بأنه يحاول التملص من الحقيقة، فقد وجدت المحكمة خمسة تناقضات في أقواله. كان الأبرز فيها هو الفارق بين كمية المواد التي باعها فعلياً لايران وهي (120 طناً) والكمية التي أبلغ عنها الشاباك والموساد وهي 15 طناً. وصاغ رئيس المحكمة القاضي أمنون ستراشنوف الأمر كالتالي: «شاهد الادعاء المركزي في هذه القضية بالذات هو منبار نفسه، والذي عمل ضد نفسه». وفي السابع عشر من يونيو 1998، وجدت المحكمة المركزية في تل أبيب منبار مذنباً في ثلاث من التهم والمخالفات الموجهة اليه: مساعدة العدو الايراني في حربه ضد اسرائيل، ومحاولة تقديم المساعدة للعدو وتقديم معلومات تمس بأمن اسرائيل، وبيع المعلومات والتقنية والمعدات والمواد الخطيرة لايران بما في ذلك مواد لانتاج الغازات. ويعتبر هذا القرار الأكثر شدة على صعيد التجاوزات في أمن اسرائيل. كما وجه قرار الحكم انتقاداً للشاباك الذي أرجأ التحقيق من منطلق التعاطف مع منبار، لأنه كان يزود الجهاز بالمعلومات. وبعد قرار الحكم وقبله كانت تصريحات رئيس الوزراء الاسرائيلي آنذاك بنيامين نتانياهو تقول «آمل ان يدفع منبار ثمناً باهظاً» وهو ما علق عليه زخوني محامي منبار من انه تدخل فظ في المحاكمة، وكذلك اعتبرت فرانسيس زوجة منبار أقوال رئيس الحكومة بأنها تشكل تدخلاً سياسياً في اعتبارات ووجهة نظر المحكمة. ويشار الى ان فرانسيس تلقت وعداً بعدم اعتقالها عند قدومها الى اسرائيل. قنبلة جماهيرية قبل صدور الحكم ألقى منبار ومحاموه قنبلة جماهيرية، وذلك من خلال المطالبة بانسحاب القاضي ستراشنوف مدعين بأنه حول المحاكمة نحو موضوعات مختلفة، كما أخفى الاتصالات الخاصة به مع المحامية بنينات ياناي، كما تبين من خلال الالتماسات للمحكمة المركزية والمحكمة العليا بأن ياناي ذهبت الى الصين لجمع أدلة وشهادات لمصلحة المتهم، وأن تلك الرحلة كانت مدفوعة من قبل فرانسيس والدفاع، وأن ياناي اتصلت بالقاضي ستراشنوف وهي في بكين، وتم التلميح بوجود علاقات خاصة مميزة بين ياناي ونائب رئيس قسم التحقيقات في جهاز الشاباك، والذي كان شاهد ادعاء في المحاكمة، وبالتالي كان من المحظور اقامة علاقة من هذا النوع معه، وهناك ادعاء آخر يقول بوجود علاقة تربط بين ياناي وشاي بازاك المستشار الاعلامي لرئيس الحكومة بنيامين نتانياهو، وهذا يعني امكانية تدخل الأخير في المحاكمة. هذا وادعى محاميا منبار بأن نتانياهو تحدث مع القاضي قبل اصدار الحكم. كما تم وصف المحامية يناي بحصان طروادة، اذ عملت خلافاً لمصالح الدفاع وعززت طرف الادعاء. ونفت يناي هذه الادعاءات من خلال محاميها أفيغدور فيلدمان، وأضافت بأن هذه التهم الملفقة تهدف الى التشهير بها والاساءة لسمعتها، وهددت بتقديم دعوى قضائية، ومن جانبهما نفى كل من نتانياهو وستراشنوف الادعاءات الموجهة اليهما. لكن وسائل الاعلام التي بدأت تنبش في القضية ألمحت بوجود علاقات حميمة وعاطفية بين يناي وستراشنوف. واضطر المستشار القانوني للحكومة الى اصدار تعليماته للشرطة باجراء تحقيق حول الموضوع. كانت نتيجته تبرئة ساحة القاضي ستراشنوف من التهم المنسوبة اليه. وصدر الحكم على منبار بالسجن لستة عشر عاماً، ووجه القضاة في قرار الحكم انتقادات لرئيس الوزراء بنيامين نتانياهو جراء تصريحاته التي وصفوها «بأنها غير مناسبة». ايران وصفت المحاكمة بأنها «استعراض»، وجاء في بيان على لسان المتحدث باسم الخارجية الايرانية بتاريخ 18/7/1998 «بأن الأمر بمثابة مؤامرة سياسية وقضائية تهدف الى التشكيك بايران لدى الرأي العام الاسلامي كما يعكس قلق اسرائيل من ايران». لم تهدأ قضية منبار حتى بعد صدور الحكم، فقد تقدم منبار باستئناف للمحكمة العليا يطلب افساح المجال أمامه لتقديم شهادة جديدة من شأنها «قلب الأمور رأساً على عقب، والحصول على البراءة» ـ على حد قوله، وكان بذلك يقصد شهادة المهندس يانوش من شركة «كيميكو»، وقد نجح محامي منبار بعد جهد جهيد في الوصول الى يانوش الذي وافق على الادلاء ببيان أدعى فيه بأن منبار لم يكن يعلم أو يفهم نوعية المواد التي تاجر بها مع ايران، كما انه لم يكن مهتماً بالأهداف الكامنة وراء استيراد هذه المواد، ويكون يانوش بذلك قد عزز من الشهادة التي تقول إنه لم يكن على علم باستخدام المواد التي تاجر بها في أغراض عسكرية، وكذلك يناقض شهادة كاشيشنوف. وتم الاتفاق على ان يدلي يانوش بشهادته في احدى المحاكم البولندية أمام ممثلي الدفاع والادعاء الاسرائيليين، ولكنه في هذه المرة لم يدعم الصيغة التي يريدها منبار. الانهيار النهائي على صعيد آخر، فقد تدهورت أحوال منبار، اذ شرعت فرنسا في التحقيق ضد شركاته بتهم التهرب الضريبي، وبذلك انهارت أعماله، وتم تحويل معظم شركاته لحراس أملاك الشركات، كما ظهرت نزاعات مالية بين منبار والمحامين الذين تولوا الدفاع عنه في اسرائيل، حتى وصل الأمر الى محامي أعماله وصديقه آفي ريختمان هو الآخر، وانقطعت العلاقة بينهما. وسائل الاعلام وحدها استمرت في نبش خفايا القضية، واتفق معظم الصحفيين والمحللين على أنهم وجدوا صعوبة في فهم حجم القوة والاندفاع اللذين بذلتهما وزارة الدفاع لادانة منبار، فقد استغرقت عمليات التحقيق والمطاردة من قبل الموساد أربع سنوات تقريباً، وتساءلوا لماذا لم تكن هناك اجراءات مماثلة ضد شركات أخرى كانت متورطة في مجال بيع الأسلحة لايران، ولماذا لم تجر محاكمة منبار منذ بداية التسعينيات حيث بدأ نشاطه مع ايران؟ وما دام قد تم تعريف ايران كدولة عدوة، فما الفارق بين بيع الأسلحة العادية أو الكيماوية؟ ولم يتوقف الأمر عند حد اثارة الأسئلة، بل تعداه الى افراز موجات من الشائعات، أو نشر قصص وروايات في صالح منبار تجند للقيام بها بعض الصحفيين والمقربين من منبار وزوجته فرانسيس. ومن تلك الروايات ان منبار كان بعلم منه أو بغير علم، مجرد أداة في يد الموساد للتغلغل في نظام ايران لانتاج الأسلحة الكيماوية. وعند فشل العملية تخلى عنه الموساد، وقيل أيضاً ان مسئول الموساد شفتاي شبيط تحرك ضد منبار بدافع الانتقام منه لمقتل اثنين من رجال الموساد في النمسا، وجميع هذه الروايات تم نفيها نفياً قاطعاً. وبرفض المحكمة العليا للالتماس المقدم من منبار أسدل الستار على القضية المعقدة والأكثر جهداً في حياة الموساد. وبهذا الرفض الذي تلته المصادقة على قرار المحكمة المركزية بسجن منبار ستة عشر عاماً، انتهت آمال منبار بالافراج عنه، وحمل على كاهله احدى أكثر التهم خطورة في تاريخ اسرائيل. تأليف: يوسي ميلمان وإيتان هابر ـ عرض ومناقشة: توفيق أبوبكر