الاثنين 9 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 10 فبراير 2003 قال الرئيس الاميركي جورج بوش ان العراق لا يزال يمتلك مئات الاطنان من غاز الاعصاب «في إكس» وكميات كبيرة من وسائط الحرب الجرثومية وألوف من الرؤوس الحربية القادرة على حملها، كما قال ان الرئيس العراقي يحاول عمداً الالتفاف على المحاولات المبذولة لنزع سلاحه، وانه يجب استخدام القوة لاجباره على نزعها. ربما يكون صحيحاً كلية، او صحيحاً في وجه من الوجوه، ان العراق لا يزال يخفي كميات كبيرة من أسلحة الدمار الشامل، ففي الماضي انتج العراق آلاف الاطنان من هذه الاسلحة، واستخدمها في حربه مع ايران وضد الاكراد في الثمانينيات. كما ان المؤسسة العسكرية العراقية معروفة بخبرتها في التمويه والتضليل ففي عام 1991 نجح العراقيون في اخفاء نصف قوتهم الجوية عن الضربات الجوية الاميركية كما ان المدى الحقيقي الذي بلغه برنامج العراق النووي لم يكشف الا في أواسط التسعينيات على يد مفتشي الامم المتحدة. وقد يكون من الممكن ان يكون العراق قد اخفى اسلحة غير تقليدية في مكان ما داخل تحصينات مموهة الى جانب التجهيزات اللازمة لانتاج المزيد منها، اذا رفعت عنه العقوبات. غير ان مفتشي الامم المتحدة، حتى الآن، لم يتمكنوا من اكتشاف اي دليل على وجود مثل هذه المخابئ للأسلحة وحتى لو كانت بيانات الولايات المتحدة عن وجود اسلحة غير تقليدية مخبأة في مكان ما تحت الارض في العراق صحيحة، فمن المؤكد ان العراق ليست لديه اية وسائل ايصال عسكرية متوسطة او طويلة المدى لاستخدام هذه الاسلحة. في الثمانينيات، استخدم الجيش العراقي الطائرات والمروحيات ومدافع الهاون لاطلاق غازي الخردل والاعصاب، اما اليوم فإن احتمال مقدرة المقاتلات العراقية على تجاوز المجال الجوي العراقي، الذي تطبق عليه المقاتلات الاميركية والبريطانية، لمهاجمة اي دولة اخرى يعادل صفر في المئة. السوفييت كانوا قد طوروا سابقاً رؤوساً حربية لصواريخ سكود بي قادرة على حل اسلحة جرثومية او كيماوية ثم قام العراقيون بعد ذلك بتطوير صواريخ سكود هذه تحت اسم صواريخ «الحسين» ليزيد مداها من 300 كيلومتر الى 650 كيلومتراً. وكان الرأس الحربي الاصلي ذو التصميم السوفييتي لصواريخ سكود مزوداً بصاعق يعمل بالراديو يقوم بتشقيق غطاء الرأس الحربي اثناء تحليق الصاروخ، بحيث يستطيع تيار الهواء ان ينشر الوسائط الجرثومية او الكيماوية ويحولها الى غمامة قاتلة غير ان هذه التقنية التي كانت مناسبة لصاروخ تكتيكي ما كان لها ان تفلح على الاغلب في حالة صاروخ «الحسين» المعدل. اذ ان طول المدى يعني سرعة اكبر للصاروخ لدى الوصول للهدف وتفعيل الرأس الحربي الكيماوي او الجرثومي في صاروخ «الحسين» بمجرد نسف غطائه قرب الهدف يعني القضاء على هذه العوامل نتيجة للحرارة العالية جداً التي سيبلغها الصاروخ ورأسه الحربي حين العودة لطبقات الهواء الكثيفة القريبة من سطح الارض. كل هذا يجعل من اجراء اختبارات مكثفة على الرؤوس الحربية الكيماوية او الجرثومية على الصواريخ اثناء التحليق امراً ضرورياً قبل ادخالها الخدمة واستخدامها لكن ليس هناك اي دليل ابداً على ان العراق اجرى اي تجربة مثل هذه. ان العراق لا يستطيع اليوم ان يهاجم مدن جيرانه بكميات كبيرة من الوسائط الجرثومية او الكيماوية وليست هناك اي طريقة يستطيع بها ان يضر بالولايات المتحدة فالحصار ونظام التفتيش عن الاسلحة سيضمنان لسنوات عديدة مقبلة ان العراق لن يتمكن من زيادة امكانياته الحالية واستخدام اسلحة دمار شامل.ان الكثير من الاميركيين ومعظم اعضاء المجتمع الدولي غير مقتنعين بمنطق الولايات المتحدة ودعوتها للحرب لنزع سلاح العراق ويبدو ان العراق هو من يربح حرب الدعاية مع تنامي الاحتجاجات المناوئة للحرب وبالفعل فإن نزع سلاح العراق لا يتطلب السير بالسلاح الى بغداد، لا هذا العام ولا في اي عام آخر وان كان هناك من مبرر للاطاحة بالحكومة العراقية فهو فقط تخليص الشعب العراقي من دكتاتوريتها غير ان الولايات المتحدة لم تعط حتى الآن تلك الاهمية المطلوبة لتحرير الشعب العراقي فيما مضى من الايام. من شبه المؤكد الآن ان الرئيس العراقي سيطاح به في الشهرين المقبلين ومعظم العراقيين سيرحبون بهذا التغيير ومن عارض الحرب التي تبدو عادلة ان كانت هناك حرب عادلة اصلاً سيشعرون بأنهم كانوا يعيقون هذا التغيير. لكن احراز نصر في العراق من الذي سيبقى ليزعج صقور اميركا حينما يبدأون حملتهم التالية في سياق حماسهم الامبريالي المستحدث هذا؟ هذه قد تكون هي المأساة الحقيقية لأزمة العراق الراهنة. ترجمة: جلال الخليل _ عن «موسكو تايمز»