الخميس 5 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 6 فبراير 2003 فوجئ عشاق الموز في انحاء العالم بخبر مزعج تناقلته وسائل الاعلام، مؤخرا، مفاده ان فاكهتهم المفضلة قد تنقرض خلال عشرة اعوام من الآن لأنها عاجزة عن مقاومة فورة الحشرات والامراض التي تهاجمها. واستيقظ العالم على تحذير شديد اللهجة من اميل فوريسون رئيس الشبكة العالمية لباحثي الموز يقول فيه «الفاكهة المفضلة لدى معظم الناس تقف على عتبة كارثة حقيقية»، مشيرا الى ان المحاصيل آخذة بالانخفاض في اجزاء كبيرة في افريقيا وآسيا واميركا الوسطى. لكن ما الذي حل بهذه الثمرة التي تعتبر الغذاء الرئيسي في مناطق عديدة في العالم؟ المشكلة الحقيقية تكمن في ان ثمار الموز لم تتواصل جنسيا منذ الاف السنين، وما نراه الان هو نسخة متبدلة عقيمة وخالية من البذور. لقد اصبح الموز هرما وباليا جينيا. وهو لا يزال في توقف نشوئي تام منذ ان تمت مكاثرته بطريقة لا تزاوجية لأول مرة في ادغال جنوب شرق آسيا، في نهاية العصر الجليدي الاخير. ولذلك يعتقد بعض العلماء أن الموز في طريقه للانقراض، فهو لا يمتلك التنوع الجيني اللازم لمقاومة الحشرات والامراض التي تغزو مزارع الموز في أميركا الوسطى وافريقيا وآسيا. تجاهل خبراء استيلاد النباتات بالتقليح الصناعي موضوع الموز طيلة عقود لأن تطوير اصناف جديدة بدون مساعدة التكاثر الجنسي عملية مكلفة جدا وتستغرق وقتا طويلا. ونتيجة لذلك الاهمال، فان معظم الناس في العالم المتقدم الآن يأكلون من نوع واحد في هذه الفاكهة هو موز «كفنديش» أو «الموز القزم». يعتبر الموز من أقدم محاصيل العالم. ويعتقد علماء الزراعة ان اول ثمارموز صالحة للأكل اكتشفت قبل حوالي عشرة آلاف عام في جنوب شرق آسيا. وفي الاحوال الطبيعية يحتوي الموز البري الضخم على كتلة من البذور القاسية التي تجعل الثمرة غير صالحة للأكل عمليا. لكن لابد أن انسان الجمع والصيد كان يكتشف بين الفينة والأخرى نباتات متبدلة بطفرات جينية تنتج ثمارا صالحة للأكل لا بذور لها. ويعرف علماء الوراثة ان الاغلبية الساحقة من تلك النباتات ذات الثمار الطريّة نتجت عن تغيرات جينية مفاجئة منحت خلاياها ثلاث نسخ في كل كروموسوم عوضا عن النسختين المعتادتين. وهذا الاختلال يمنع تطور البذور وغبار الطلع بشكل طبيعي، مما يجعل النباتات الناتجة عقيمة. والخطوط الداكنة الموجودة داخل ثمرة الموز الصالحة للأكل هي كل ما يتبقى من البذور الاثرية. وكان الفلاحون الأوائل في العصر الجليدي يزرعون تلك النباتات الاستثنائية العقيمة باعادة غرس شتلات مقصوصة من ساق النبات. وثمار الموز التي نأكلها اليوم هي من سلالة تلك الشتلات الأصلية. وبغياب التكاثر الجنسي الضروري لتجديد الصفات الوراثية كل جيل، فان صنفا من اصناف الموز الحديثة، وصل الينا بدون تغيير تقريبا متحدرا من نبات متطفر عقيم منفصل من ذلك العصر. ولذلك فان كلا من هذه الاصناف هو عمليا مستنسخ خال تقريبا من اي تنوع وراثي. وهذا التماثل يجعل الموز عرضة للامراض اكثر من اي نبات آخر على وجه الارض. يعتمد نصف مليار شخص في آسيا وافريقيا على الموز في غذائهم، ففي اوغندا على سبيل المثال، يزرع الموز على ثلث اجمالي مساحة الاراضي الصالحة للزراعة. واستهلاك الفرد للموز هناك اكبر بـ 50 مرة مما هو عليه في بريطانيا. ويوفر الموز اكبر مصدر للسعرات الحرارية في تلك المناطق ويتناوله الناس يوميا. وهناك نوع من الموز يدعى «ماتوكي» يقدم مع كل الوجبات تقريبا. وفي انحاء المناطق الجبلية في شرق افريقيا تستخدم كلمة «موز» كمرادف لكلمة «طعام». لكن محاصيل الموز في افريقيا تعاني الآن من وباء نوع من الفطريات يدعى سيغاتولي الاسود يخفض غلال النباتات بنسبة 50 الى 70 بالمئة، ويقلص العمر الافتراضي الانتاجي لنباتات الموز من 30 عاما الى عامين أو ثلاثة. ويتصدى المزارعون التجاريون للمرض باستخدام الاسلحة الكيماوية على نطاق واسع، الى درجة ان مبيدات الفطريات تشكل الآن نصف تكلفة انتاج الموز، ناهيك عن الخسائر الاجتماعية المتمثلة في الامراض الخطيرة التي تسببها المبيدات الكيماوية بين النساء العاملات في تعليب الموز. لكن وبالرغم من استخدام مبيدات الفطريات فان مرض «سيفاتوكا الاسود» يزداد استفحالا يوما بعد يوم، باكتساب مناعة قوية ضد المبيدات، ويحذر الخبراء من ان تلك الآفة القاتلة لن تخسر المعركة ابدا. أما المزارعون الفقراء الذين لا يقدرون على تكلفة المواد الكيماوية فليس امامهم سوى ندب حظهم وهم يراقبون نباتاتهم المحتضرة. ويقول فريسون ان المناطق الأكثر اعتمادا على الموز في افريقيا تواجه الآن ما يشبه مجاعة البطاطس التي مرت بها ايرلندا قبل حوالي قرن ونصف القرن بسبب الآفات الزراعية القاتلة. والبلاء نفسه يعم منطقة الامازون البرازيلية والتي وصل اليها المرض قبل خمسة اعوام وتفشى لدرجة تسببت في مجاعات في بعض الاماكن. وتقول وكالة ابحاث البيئة البرازيلية ان معظم مزارع الموز في منطقة الامازون دمرها المرض، ونتوقع انخفاض الانتاج بنسبة 70% بالمئة مع انتشار آفة «سيفاتوكا الاسود». ولكي تزداد الامور تعقيدا عاد وباء «مرض بنها» للظهور في شكل جديد اخطر في محاصيل موز «كفنديش» وحتى الآن وصل الى جنوب افريقيا واستراليا واجزاء كبيرة في آسيا. وخلافا لآفة «سيفاتوكا» الفطرية التي تهاجم الاوراق فان مرض بنما هو نوع من الفطريات ينتقل عبر التربة ولذلك لا يمكن السيطرة عليه بالمبيدات الكيماوية. وقد حذر تقرير صادرعن منظمة الغذاء والزراعة التابعة للأمم المتحدة من أن الوباء سينتقل الى نصف الكرة الغربي عاجلا أم آجلا. وهذا يعني القضاء على الموز القزم الاكثر شيوعا في العالم المتقدم. ويرى الخبراء ان المخرج الوحيد من هذا الكابوس الذي يبدو انه يلاحق الموز حتى الانقراض، هو اللجوء الى التقنية البيولوجية والهندسة الوراثية لتطوير اصناف جديدة اكثر مقاومة للآفات الفتاكة، وان كان الامر ليس سهلا الآن بسبب التكلفة الباهظة وتحفظ المستهلكين على موضوع التعديل الوراثي في الاغذية. علي محمد