الخميس 5 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 6 فبراير 2003 يسود الاعتقاد لدى علماء الآثار بأن مملكة طرطيسوس المفقودة كانت تقع في مكان منعزل فيما وراء أعمدة هرقل وجبل طارق على الأرض الاسبانية. ويعتقد أيضاً بأنها كانت تقع عند مصب نهر غوادلقويفير أو في محيط نقطة التقائه بالمحيط. وكان الإغريق مبهورين بفكرة وجود مملكة أسطورية ثرية في أقصى الغرب. وكانت تلك المملكة سوقاً تجارياً مزدهراً للمعادن الثمينة والنفيسة. كما أن الحياة المترفة التي كان يعيشها سكانها جعلتها ترتبط في أذهان الإغريق باسطورتي أطلنتس وحديقة التفاح الذهبي، وهما جزيرتان يعتقد أنهما تقعان في نفس اتجاه موقع طرطيسوس وربما في المكان نفسه. اعتمد سترابو (58 قبل الميلاد ـ 25 للميلاد) في وصفه للمملكة في كتابه «جغرافيا» على هيرودوتوس (484 ـ 420 قبل الميلاد) الذي وصف بالتفصيل الثروة الهائلة والكرم اللذين تمتع بهما أبناء طرطيسوس وبخاصة كرم ملكهم أرغانطونيوس. وقد ضمن في كتابه قصة البحار الإغريقي الذي جنحت سفينته ورست على شواطيء المملكة. فبعد أن استقبل بحفاوة وكرم كبير لبضعة أشهر، تم تحميل سفينته بالفضة وأرسل معززاً مكرماً إلى بلاده. وهناك قصة أخرى تحكى عن قيام أهل طرطيسوس في القرن السادس قبل الميلاد بإعطاء الاغريق طناً ونصف الطن من الفضة لدفع نفقات بناء سور دفاعي حول مدينتهم من الفرس. وبسبب ثرواتهم الضخمة من المعادن، يقال بأن القرطاجيين احتلوا المملكة في عام 533 قبل اليملاد وعزلوها عن بقية العالم. وعلى الرغم من كل ما يقال عن ثراء هذه المملكة وحضارتها، إلا أنه لم يعثر بعد على أدلة تشير الى تلك الحضارة أو مكان عاصمتها، اللهم باستثناء بعض السلع التجارية التي عثر عليها في الأندلس جنوبي اسبانيا. وتشير كتب التاريخ القديمة إلى أن الفينيقيين الذين كانوا متمركزين في بعض الجزر بالقرب من قادش استخدموا الفضة المجلوبة من طرطيسوس في دفع إتاوة للآشوريين الذين كانوا قد استولوا على عاصمتهم صور في القرن السابع قبل الميلاد. وكان من نتائج هذه العملية إنهيار سوق السبائك الفضية في بابل. ومع ذلك، فإنه، باستثناء المناجم في ريوتنتو التي تنتج النحاس والفضة والذهب منذ 5000 عام ـ أقدم المناجم التي لاتزال قيد الانتاج في العالم ـ لا يوجد دليل على وجود هذه الثروة ولا على ما استطاعت شراءه أو بناءه. ولكن الأمر شبه المؤكد هو أن أبناء جزيرة إقريطش (كريت القديمة) كانوا يتاجرون بالبرونز الطرطيسي طوال أكثر من 2000 عام مع السومريين والقدماء المصريين وبالتأكيد مع حوض البحر المتوسط كله وما وراءه المتوسط. لقد بدأت تظهر عمليات الحفر الأثرية التي يجريها علماء آثار ألمان أن طرطيسوس المسماة «بندقية الغرب» نسبة إلى مدينة البندقية في الشرق هي الأساس لأطلنتس التي تحدث عنها أفلاطون. وبينما لا يمكن تحديد موقع دقيق لطرطيسوس، فإن اكتشاف مبان ضخمة قريباً من مستوى سطح البحر يشهد على وجود حضارة ما في فترة ما قبل التاريخ. وفي كتابه «لغز أطلنتس»، يورد تشارلز بيرليتز ملاحظات حول هذا الموضوع بقوله: «قامت السيدة إي. إم ويشو، مديرة مدرسة علم الآثار الأنجلو ـ اسبانية ـ أميركية ومؤلفة كتاب «أطلنتس في الاندلس» بدراسة المنطقة لمدة 25 عاماً. وتعتقد بسبب اكتشافها بـ «معبد مكرس للشمس» على عمق 27 قدماً تحت شوارع اشبيلية، أن طرطيسوس ربما تكون مدفونة تحت مدينة اشبيلية الحالية». ويقول بيرليتز إن آثاراً أخرى معينة مرتبطة بحضارة طرطيسوس يمكن ملاحظتها في مناجم النحاس في ريوتنتو التي يعود تاريخها إلى ما قبل 8 آلاف إلى 10 آلاف عام، وكذلك في الأعمال الهندسية الهيدروليكية بالقرب من روندا ومرفأ في نيبلا (يذكرنا مجدداً بوصف افلاطون للأعمال الهيدوليكية في أطلنتس). وبمنأى عن الاتفاق مع الباحثين الألمان في اعتقادهم بأن طرطيسوس نفسها كانت وراء بروز أسطورة أطلنتس، فان ويشو تعتقد أن طرطيسوس كانت مجرد مستعمرة من المستعمرات التابعة لاطلنتس الحقيقية. وتقول إن نظريتها بهذا الخصوص تتلخص في أن قصة افلاطون تتعزز من أولها إلى نهايتها بما تم العثور عليه من آثار. وبحسب تشارلز بيرليتز، فإن طرطيسوس اشتهرت بسجلاتها المكتوبة التي يعود تاريخها إلى 6000 عام خلت. والمثال الجيد على هذه اللغة المكتوبة هو النقش الذي وجد على خاتم تم العثور عليه في إحدى قرى الصيد الاسبانية بالقرب من المكان المفترض لطرطيسوس. وسواء أكان هذا يثبت أم ينفي وجود أطلنتس، فانه يبرهن على الأقل على وجود حضارة متوسطية غربية مجهولة من حقبة تاريخية قديمة جداً. واليوم، لا يقف شاهداً على تلك الحضارة وعظمتها سوى المناجم في ريوتنتو، والتي جعلها الرومان في العصور القديمة المصدر الرئيسي لتمويل بناء وتوسيع الامبراطورية، وهذا بدوره جعل مريداً، أقرب مدينة للمناجم، عاشر أكبر مدينة في الامبراطورية الرومانية كما أن يوليوس قيصر استغل ثروتها ليعزز من ادعائه بحقه في منصب الأمبراطور. ولكن قبل قدوم الرومان إلى الأندلس، فان ما نعرفه عن طرطيسوس ليس إلا أساطير وخرافات وحكايات من نسج الخيال. ضرار عمير