السبت 29 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 1 فبراير 2003 فيما تعمل الادارة الاميركية جاهدة على اقناع العالم بأن الضغط العسكري بجانب التفتيش الدولي هما افضل طريقة للتعامل مع الرئيس العراقي فإنها لم تتوقع ان تكون تركيا، حليفتها القديمة في حلف الناتو، أصعب العثرات التي تقابلها في غمار سعيها هذا. وفي حقيقة الامر، فإن تركيا تعمل بالقدر نفسه من الجدية على اقناع جيرانها بمقاومة مسيرة الولايات المتحدة الجلية للعيان نحو الحرب. فالحكومة التركية، التي لم تعتل سدة الحكم الا منذ شهرين فقط، تسير في طريقين في آن، اما في الاول، فإنها تظهر انها تثمن علاقاتها بالولايات المتحدة الاميركية عن طريق السماح لـ 150 مسئولا عسكريا اميركيا بتفقد القواعد والمطارات الجوية التركية لتقويم امكانية استخدامها في الحرب المحتملة، وفي الوقت نفسه تسير على درب ثان تعجل فيه بمساعيها الدبلوماسية لتجنب الحرب. فبعد زيارة عدة دول عربية، بجانب ايران، مؤخرا، بادر رئيس الوزراء التركي عبدالله غول لاستضافة قمة اقليمية في اسطنبول لمناقشة كيفية تجنب حرب تقودها اميركا ضد العراق. يقول دكتور سيفي تاشان، مدير معهد السياسة الخارجية التركية: نحن نحث العراقيين على التعاون مع الامم المتحدة لأقصى درجة ممكنة، ونقول لجيراننا ان الفرصة الاخيرة تتمثل في الاتي: «الاتحاد معا والضغط على العراق حتى يمكن تجنب الحرب». ولم ترد تركيا بعد على طلب اميركا بالسماح لها باستخدام اراضيها لشن هجوم بري لغزو شمال العراق، وهو الامر الذي تراه البنتاغون مفتاح حسم الحرب في وقت اقصر وبطريقة اسهل وانظف. ومؤخرا، التقى ريتشارد مايرز، رئيس هيئة الاركان المشتركة الاميركية، مسئولين اتراكا في احدى المدن التركية، واعلنت وسائل الاعلام ان المسئول الاميركي ناقش خلال تلك الاجتماعات امكانية خفض الاقتراح الاميركي بنشر 80 الف جندي الى نشر 15 الف جندي او 20 الف جندي فقط. وقالت انقرة في حينه انها لن ترد على الطلب الاميركي، الا بعد اتضاح الموقف مع قيام هانز بليكس، رئيس فرق التفتيش التابعة للامم المتحدة، بتقديم اخر تقاريره بشأن الوضع في العراق. وبعد ذلك، سيكون على البرلمان التركي القيام بالموافقة على تمركز القوات البرية الاميركية في تركيا، وهي الخطوة التي من المحتمل ان تكون امرا صعبا في بلد افادت استطلاعات الرأي فيه ان اكثر من 80% من الذين استطلعت آراؤهم يعارضون شن اي حرب على العراق المجاورة. يقول احمد دافوتغيلو، احد المستشارين السياسيين لرئيس الوزراء التركي: «لقد بدأت عملية المسح الميداني، وهو امر لا ينبغي اغفاله، فهناك قناتان: الاولى معنية بالاعداد الفني والتخطيط مع الجيش الاميركي، اما الاخرى فهي قناة دبلوماسية، تعتقد انقرة ان واشنطن ينبغي لها ان تثمنها لاسيما في ضوء العدد الكبير من الاتراك الذين يعارضون الحرب، فهناك حكومة جديدة في تركيا وينبغي للولايات المتحدة ان تأخذ المشاعر والاحاسيس في الاعتبار». وفي هذه الاثناء بدأت واشنطن في التعبير عن عدم رضاها عن تلك السلبية وعدم اتخاذ القرار من قبل الاتراك، واوحت في كثير من اشاراتها الى ان الوقت بدأ ينفد وان على تركيا ان تختار الطريق الذي ستمضي فيه، فالولايات المتحدة يعتريها القلق بشأن المشكلات التي يمكن ان تنجم عن تأخر الهجوم، مثل هبوب العواصف الرملية في مارس وحرارة ابريل المحرقة والتكاليف العالية الناتجة عن الاحتفاظ بعدد كبير من القوات في المنطقة، غير ان تركيا تقول انه لا يجب التعجيل في استخدام القوة. يقول يوسف بولوك المتحدث بإسم الخارجية التركية: «ربما لا يتوافق جدولنا الزمني بالضبط مع نظيره الاميركي، فنحن نريد ان نرسل رسالة مفادها اننا نطرق كل السبل كي نسوي القضية بشكل سلمي». يقول مسئولون اميركيون انه في نقطة معينة ربما تقرر ادارة بوش ان تمضي قدما في مخططها سواء بمساعدة تركيا او من غيرها، يقول دبلوماسي غربي في انقرة: «لست متأكدا من ان جدول واشنطن الزمني بشأن الحرب يعتمد على جدول تركيا ام لا، فقد قال الرئيس بوش انه سوف يقود تحالفا من المستعدين للحرب، ولم يقل ان تركيا يجب ان تكون ضمن هذا التحالف». احد اجزاء الاستراتيجية الاميركية في هذا الشأن يكمن في تكوين حلقة من الانتشارات العسكرية حول الرئيس العراقي وهو ما يمكن ان يكون بمثابة معركة نفسية يأمل البعض ان تنال من تصميم الرئيس العراقي قبل ان تبدأ الحرب. وترى واشنطن ان رفض انقرة للاشتراك في بناء تلك الحشود العسكرية يضعف من استراتيجية الحرب، ويضيف الدبلوماسي «ان افضل وسيلة لتسوية القضية سلميا هو التوضيح بأن المجتمع الدولي مستعد لعواقب عدم حل الامر سلميا». غير ان الاتراك يساورهم القلق من ان اي حرب من شأنها اضعاف اقتصادهم الضعيف بالفعل بشكل اضافي، وذلك عن طريق رفع اسعار النفط والقضاء على صناعة السياحة، كما ان الحرب يمكن ان تضر بصورة تركيا امام الدول الاسلامية الاخرى وتفسح الطريق امام امكانية حدوث هجمات انتقامية بالصواريخ، كما ان الحكومة الحالية التي يقودها حزب ذو اصول وجذور دينية جاءت نتيجة اصوات كثيرة يرى اصحابها ان اي هجوم على بلد اسلامي مجاور امر غير مقبول. اما اكبر المخاوف التي تعتري الاتراك فتتمثل في الخوف مما سيحدث بعد صدام حسين، فالاتراك يخشون من ان سقوط صدام يمكن ان يفضي الى محاولة يقوم بها الاكراد للاستيلاء على حقول النفط واعلان دولة كردستانية مستقلة، وكذلك الى قيام دولة شيعية اسلامية اصولية بدعم ايراني، او الى حدوث فوضى بشكل عام، يقول مسئول تركي كبير ان «تركيا يجب ان تكون اكثر علما بما سيجري في اليوم التالي، فيمكن للمرء ان يضع نموذجا لما سيحدث، كما يفعل صناع السياسة في واشنطن فيما رسموه بشأن مستقبل العراق، ولكن هذا النموذج يمكن ان يكون هشاً وينهار في فترة قصيرة. وباختصار، فإن الاتراك يميلون الى الاعتقاد بأن خطط واشنطن لعراق ما بعد الرئيس العراقي ساذجة قليلا، يقول رئيس تحرير احدى ابرز الصحف التركية: «هناك شعور بالرومانتيكية تجاه ايجاد عراق ديمقراطي، ولان اميركا تقول انها تسلك ذلك المسلك فإنها غير متأكدة من حدوث ما تريده». ومن جانبهم يرى المسئولون الاميركيون الموقف التركي على انه محبط، فاميركا ترى انه كلما ازداد استعداد تركيا للتعاون في عملية «تغيير النظام»، كلما زادت دورها في ضمان ان عراق ما بعد صدام لن يضر بمصالحها القومية. هناك حوالي 75 الف جندي عراقي مرابطون على طول الحدود مع المنطقة الكردية التي تتمتع باستقلال ذاتي، وتريد الولايات المتحدة ان تضع قواتها في جنوب شرق تركيا، ولكن لأن هذه المنطقة يسيطر عليها الاكراد وكانت منطقة صراع ممتد منذ اربعة اعوام فقط، فإن الاتراك يرون انها «منطقة حساسة» وواشنطن لا ترى انه لايمكن ان تكون هناك اي منطقة اخرى اكثر ملاءمة لشن هجمة برية واجبار الرئيس العراقي على ان يقسم موارده من هذه المنطقة. وهناك كذلك اعتبارات اقتصادية، فالولايات المتحدة تقدم برنامج مساعدة لتركيا لتعويض خسائرها المحتملة من الحرب يبلغ قيمته 14 مليار دولار، على الرغم من انه يوجد عرض رسمي حتى الان، والمسئولون الاتراك يقولون انهم لا يريدون الربط بين المساعدة الاقتصادية والقرار الذي سوف يتخذونه. يقول مسئول في وزارة الخارجية التركية: «ان العملية ليست مقايضة، بالطبع، تكاليف الحرب عالية للغاية، ولكن الامر ليس له علاقة بما سنتوصل اليه من قرار»، غير ان هناك دراية على الساحة التركية بأن العامل الاقتصادي يلعب دورا كبيرا. فالولايات المتحدة تعد من اكبر مؤيدي القرض الذي تريد تركيا تلقيه من صندوق النقد الدولي، ويمكنها ان تقلل من المساعدة العسكرية لتركيا اوتؤثر على وضعها التجاري التفضيلي اذا قالت تركيا «لا» للطلب الاميركي بشأن الحرب او التزمت بذلك الوضع الحيادي وعدم اتخاذ قرار لفترة طويلة. ترجمة: حاتم حسين - عن «كريستيان ساينس مونيتور»