الجمعة 28 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 31 يناير 2003 تشغل ولاية يوكاتان المكسيكية الجزء الشمالي من شبه الجزيرة الكبيرة التي تطورت فيها على مدار 5000 عام عبقرية ومأساة شعب المايا الذي مازالت ألغازه محيرة واسراره غامضة حتى يومنا هذا لكن رحلة من مدينة «ميريدا» تسمح بالتعرف على بعض المراكز الدينية الكبيرة من ثقافته وعلى عشرات الاثار التي خلفها الاستعمار الاسباني. تضفي رتابة حياة الناس في المشهد السهبي الحار والرطب وقعا خاصا على البقايا الاثرية المتناثرة هنا وهناك ذلك ان الارض سهيبة في غالب الاماكن وتظهر فيها حزم من النباتات التي تعترض الافق ومن الممكن ان تكون اهرامات منسية لشعب المايا وقد نمت عليها الاشجار. دائما ثمة حاجة للمال من اجل تعرية المعابد ومراكز مراسمية ومدن كاملة مهجورة حيث لا احد تمكن من تفسير السبب الكامن وراء من جعلوا من انفسهم قرابين للآلهة على وجه السرعة قبل ان يقع الغرقى الاوائل من الاسبان على الشاطيء عام 1511. ربما هي الرياضيات او دوران الكواكب قد نصحتهم بالهرب من اماكن كان قد كلفهم تشييدها عمل شاق للغاية. في جميع الاحوال ثمة آثار كافية لان تجلب الدوار للسائح الذي يحظى بفرصة الاقتراب من التاريخ الغني والقديم للمايا وحكمتهم العصية على التفسير وفنونهم الخاصة بتنظيم الوقت والعمل بالحجر، لكنه في افضل الحالات تلتقطه الحافلة عند بوابة فندق «كانكون» وتأخذه الى شيشين ايتزا او الى يوكسمال، حيث يشرحون له المسألة بشكل سطحي وعندما يعود ويجد نفسه مرتاحا في جو مكيف ينسى معظم الاشياء تقريبا ماعدا وحشية القرابين البشرية وسلالم الاهرامات الشامخة. هذه الارض الشاسعة التي تبدأ هنا وتنتهي في هندوراس وتشكل المملكة القديمة لشعب المايا البائس، فيها اريج آخر وسحر مختلف فولاية «يوكاتان» لا تشغل سوى رأس شبه الجزيرة الشاسعة التي لم ينتهوا بعد من تثبيت شواطيء محددة يستطيع السائح فيها ممارسة هواياته وذلك بسبب الامتداد العرضي الهائل لهذه المناطق مثل جزيرة «كوزميل» و«جزيرة النساء» (المقدسات في حالة المايا او الغانيات في حالة القراصنة) او جزيرة «الافعى الذهبية» باختصار ان الامر يتعلق بمثلث متساوي الساقين مع شطآن رملية ودلافين وحتى طيور نحام زهرية اللون في المنتزهات الطبيعية الساحلية في كل من «سان فيليبي» و«رياسيليستون» و «ريو لاغاراتوس»، لكن هذا المثلث حافل بأفخر موجز للتاريخ الخاص به والتاريخ طبعا هو الناس او الحجارة الصامدة او المتهاوية بما في ذلك الاشجار لذلك من الضرورة بمكان الخروج من «ميريدا» على مهل والقيام بنصف دائرة للعودة من «فايا دوليد» حيث لابد من المرور بالقاعدة الاسبانية وذلك النوع من المدن الاستعمارية المكسيكية الوديعة والمتناغمة والفنية التي تجبر على التفكير في الكثير الذي تم تدميره في شبه الجزيرة قصر فرانسيسكو دي مونتيهو دي ميريدا وكاتدرائية القرن السادس عشر والبيوت الكبيرة الفاخرة والكنائس الجميلة والكثيرة التي لا تترك شكوكا حول اصلها اما العاصمة فلقد كانت دائما «ميريدا» منذ عام 1542 لكن المشكلة تكمن في دمج قرون كثيرة متراكمة وثقافتين متعارضتين، رغم اختلاطهما نسبيا في هذه اللحظة فمن غير المجدي التوقف الآن لتذكر عدد القتلى الذين سقطوا وشلات الدم التي خلفها الغزو وحروب اخرى.. فأرض المايا كانت ومازالت حتى اليوم حديقة ممتازة للبنادق والسيوف. ويبدو ان المايا قد نسوا آلهتهم بسهولة او انهم تظاهروا بذلك، تلك الآلهة التي تبدو لنا كالشياطين وحتى قبل عام 1511 ربما خلطوا كل شيء في الواقع تحت ضغط الرجال البيض وما حل بهم من دمار فلقد نسي بالكامل الطابع المقدس لتلك الاهرامات الفخمة الغامضة الى الآن ونسيت كذلك ميادين اللعب وتقديم القرابين، وطبيعة التنظيم الحجري الذي ارتبط بالكواكب وفي المقابل جرت العادة على ان تحتكر الطقوس الشعبية الكاثوليكية من الورع كما كان يحدث في اسبانيا القرن السابع عشر رغم ان ذلك يجري الآن مع فرح وألوان اضافية. الرحالة الذي لا يمضي مسرعا يلتقي بكل ذلك بشكل اعتيادي لكنه سيظل مشتتا بسبب كثرة الغموض المحيط به والذي خلفه شعب مهزوم بشكل دائم وفقير مع انه بدأ بسرد تاريخه يوم الثالث عشر من شهر اغسطس عام 3113 قبل الميلاد، اي منذ اكثر من 5000 عام مليئة بالعبقرية والمعاناة. يقال ان كلمة «يوكاتان» يجب ان تترجم الى عبارة «لم نفهمه» في هذه السهوب الفقيرة المزروعة بقصب السكر والتي لايزال على قيد الحياة فيها شعب يبدو انه اضاع ماضيه الغريب والمجيد. باسل ابو حمدة