الاربعاء 26 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 29 يناير 2003 أولا أشدد على «معسكر السلام» وليس «اليسار». فعلى سبيل الخطأ يحدث تداخل بين المفهومين. فإلى «معسكر السلام» ينتمي كثيرون يبتعد تفكيرهم عن الايديولوجية الكلاسيكية لليسار، مثل المتدينين او الليبراليين الذين يتبنون الاقتصاد الحر. «فمعسكر السلام» اوسع بكثير مما يسمى «اليسار الإسرائيلي». وعليه فاني عندما اتوجه الى المترددين في معسكر السلام، فإني ارى امامي اناسا كثيرين ومختلفين في إسرائيل يشعرون بوضوح بأن الصراع المعقد، المأساوي والخطير مع الفلسطينيين والذي غرقنا فيه حتى الرقبة في العامين الاخيرين يطلب حلا، او على الاقل تخفيفا لحدته، سواء باتفاق نهائي او جزئي أم من طرف واحد. هؤلاء الاشخاص يدركون جيدا انه بسبب غياب الحدود، واستمرار الاحتلال وتوسيع المستوطنات فانه لا يمكن إيجاد هدوء في الوضع، وذلك بغية محاولة التصدي للمشكلات المتفاقمة جدا، وعلى رأسها البطالة والفوارق المتسعة بين الطبقات والتطفل الذي لا يطاق للاوساط الدينية، وافساد الادارة السلمية وغيرها وغيرها. الى هؤلاء المترددين، الذين يعرفون بان سياسة الليكود والايديولوجيا التي تقبع في اساسها لا يمكنهما المبادرة الى اي حل للنزاع مع الفلسطينيين والى الانفصال عنهم، فاني اتوجه مع اقتراب اللحظة بالنداء للتصويت لحزب العمل. وعن قصد أقول حزب العمل وليس ميتسناع، مثلما يصوت المصوتون لليكود وليس لشارون. فلست مؤمناً بان زعيما، أي زعيم، يعمل في فراغ وبقوة شخصيته فقط. والطريق التي تصيغ معظم الاحزاب في إسرائيل (باستثناء ميرتس واغودات يسرائيل) هويتها على اساسها حول شخصية واحدة، وليس حول طريق فكري وطاقم رائد، هي في نظري طريق غير سليمة وغير ملائمة عمليا للواقع. انها قد تكون ملائمة للانتخابات في الولايات المتحدة وغيرها من البلدان الغربية، حيث المشاكل الوجودية هناك أقل تعقيدا منها في إسرائيل وكذا الفوارق بين الاحزاب اقل اهمية. ولهذا فإن شخصية الزعيم تحصل على ابراز مبالغ فيه. اما في إسرائيل فإن تعلق رئيس الحزب بحزبه وبالائتلاف الذي يحيطه فهو تعلق حقيقي. وعليه فإن وضع رئيس الحزب كزعيم كلي القدرة ومقرر لكل شيء هو أمر غير واقعي وغير جدير. فاولئك الذين رأوا أنفسهم مقررين لكل شيء قد سقطوا وفشلوا. وفي الماضي فإن زعماء تاريخيين عظيمي المكانة والفعل وقفوا في داخل احزابهم وليس امامها. هكذا كان حتى بالنسبة للشخصيات التاريخية مثل بن غوريون ومناحيم بيغن. كل هذا التفصيل جاء لغرض الايضاح بان التصويت لحزب العمل هو تصويت لحركة تاريخية طويلة السنين وعظيمة الانجازات، هي جزء عضوي من الواقع السياسي الإسرائيلي. وعلى الرغم من التغيرات والتنقلات في الزعامة، وتغيير نقاط التشديد على طول الطريق، فإن فيها لا يزال نواة مستقرة ومتفق عليها لعدد من القيم الاساسية، سواء كانت جيدة اكثر ام جيدة أقل، جرى بناء عليها في الماضي ويجري بناء عليها في المستقبل شق الطريق. في الانتخابات قبل الاخيرة تدهور الليكود فوصل الى 19 مقعدا فقط. ولكن وعن حق تام لم يعتقد احد ان هذه نهاية حركة الليكود. جميعنا عرفنا ان لهذه الحركة جذورا تاريخية حقيقية وبالتالي لها وجود عضوي في الواقع الإسرائيلي. وهذا هو الحال في حزب العمل وفي ميرتس بل وبقدر ما في المفدال. جميعها تمثل قطاعات جذرية متعددة الوجوه في الواقع الإسرائيلي. انها ليست احزابا مبنية على فكرة واحدة او على مصلحة ضيقة. لقد وسع عميرام ميتسناع بتصريحاته المسافة بين العمل والليكود. ومعارضته للدخول الى حكومة وحدة وطنية مع الليكود وشاس تنبع من فهم واقعي واستنادا الى تجربة الماضي بالنسبة لعدم قدرة الليكود على الموافقة على انفصال جزئي ومن طرف واحد عن الفلسطينيين واخلاء المستوطنات حتى في قاطع مقلص في قطاع غزة. ربما كان يجدر تلطيف حدة ما في هذا القول من قطع. فلعله كان من المفضل الاشارة الى شروط بالحد الادنى للانضمام الى الائتلاف والاصرار عليها بشكل قاطع. ولكنه اختار ان يقول امورا قاطعة انطلاقا من موقف واقعي في نظرة الى الوراء بدل زرع الاوهام العابثة. ان حزب العمل يطرح الآن، بشكل مسئول ومعتدل، خطة الانفصال الجزئي من طرف واحد كخطة عملية وايديولوجية واضحة. فالحدود ليست مجرد حدود ملموسة - بل هي حدود مثالية ايضا. وبذلك فانه يضع امام الشلل السياسي الذي يعرضه الليكود ليس احلاما جميلة واحاديث لطيفة عن السلام، بل خطة عملية، قابلة للتجسيد الفوري ومنوطة بنا وحدنا. لا استخف ابدا، مثل بعض من رفاقي، بالاحتجاج الحقيقي والمحق الذي باسمه قامت «شينوي». ولكن اذا ما نجحت «شينوي» بالفعل بما لا يصدق واجبرت الليكود على تشكيل ائتلاف علماني، فلا ريب عندي بان حزب العمل (وليس ميرتس) سينضم اليه، وذلك لان في ذات الائتلاف سيكون وزن الباحثين عن حل وسط سياسي هو الاكبر. ولكن من شبه المؤكد ان الليكود لن يتنازل عن شراكته التاريخية مع المتدينين، وشينوي ايضا ستبقى في المعارضة، وهذه لن تكون معارضة مقاتلة في الموضوع الاهم الذي على جدول الاعمال، بل معارضة مترددة ومتلعثمة مستعبدة لفكرة هامشية مهما كانت مهمة للمستقبل فانها غير ذات صلة باطفاء الحريق الامني والاقتصادي. ان العمل وحده يمكنه ان يبلور ويعمق هذه المعارضة بكل قوتها وذلك كي يعرض على الجمهور طريقا آخر حقا. في العامين الاخيرين كانت حكومة الوحدة الوطنية تحت إمرة رئيس الوزراء انتخب مباشرة. فهل كان هذا في صالح إسرائيل؟ هل دفعها الى الامام؟ للاسف لا. فالوضع تفاقم وتشوش الطرق أدى الى الشلل. والآن، عندما عدنا الى الانتخابات الحزبية وحدها، فثمة أهمية لايضاح الفروق بين المعسكرين. بقلم: أ.ب يهوشاع _ عن «يديعوت أحرونوت»