الثلاثاء 25 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 28 يناير 2003 بعد ان تبين ان شيمون بيريز يتعادل مع شارون في استطلاعات الرأي، يخيل لي ان الوقت اضحى ناضجا للاستطلاع الحقيقي: بعد فحص احصائي شامل في جميع ارجاء اسرائيل، بما في ذلك التجمعات المسيحية (بتمويل الاتحاد الاوروبي بالطبع)، لعينة تمثيلية شملت (156) اسرائيليا (دون عرب طبعا)، ومن خلال احتمال خطأ من 2,4 في المئة، توصل معدو البحث من معهد «داحس»، الى الاستنتاج بأن هذا هو الخماسي الذي استبدل الآن ما هو قائم، فانه يقود (حزب) العمل نحو انقلاب تاريخي وهستيري: اسحاق رابين(مضاد لجنرالية ارييل شارون ومضاد ل«قتل الشخصية» الذي ينفذه اليسار بشارون)، آبا إيبان (مضاد لبنيامين نتانياهو- سيقوم بتلقينه بعض الالاعيب الدولية) غولدا مائير (مضادة لليمور)، اهرون يدلين (مضاد للمفاسد في الليكود) وبيخور شطريت (ثمة حاجة لمراكشي ) من اصل يهودي مغربي واحد على الاقل ضمن الخمسة الاوائل). الى ان يحدث ذلك يبدو ان جمهور المترددين في اسرائيل هو اوسع جمهور عرفناه قبل الانتخابات بيومين. لكن الانتخابات قد حسمت، اليمين هزم اليسار. ومعنى ذلك عدم توقع تغيرات سياسية بعيدة المدى، كما ان الاقتصاد سيتغير الى الاسوأ فقط. والمترددون بطبيعة الحال هم اناس غير متحمسين للخيارات المتاحة لهم. اذن الآن، ونتائج الانتخابات واضحة، فان بامكان تأثيرهم ان يكون حاسما على صعيد واحد: ادخال ما يمكن من القوائم والمرشحين لكي يشكلوا معارضة دفاعية اجتماعية ضد الحكومة التي سيتم تشكيلها. صحيح انه من شبه المستحيل التطرق الى الفقر والضائقة الاقتصادية في اسرائيل من دون الوقوع في الكليشيهات. ولكن من الحري التذكير بعدم اهمية عدد المرات التي نسمع فيها ذلك: الفقر وضيق العيش امران حقيقيان، جاريان، وآخذان بالتفاقم. نحن بحاجة في الكنيست الى احزاب ذات وعي اجتماعي طبقي، كتلك التي تكافح ضد التقليصات في المخصصات وضد اهمال التعليم بالنسبة للطبقات الضعيفة البعيدة عن المركز ضد سحق الحد الادنى من الاجور. ولصالح مشروعات اجتماعية نيرة على غرار الاسكان الشعبي لران كوهن. ليس الانسان مضطرا لتغيير مواقفه السياسية او هويته الثقافية كي يصوت لاحزاب كهذه: اذ يخيل ان من الافضل للشخص اليميني المحافظ المتردد، ان يصوت لشاس لا لليكود، لان شاس وعلى الرغم من كل الانتقادات، ما زالت حزبا، يخوض حربا بصورة تقليدية، وبأساليبه المشبوهة، ضد اقتصاد موظفي المالية، وفي كل الحالات يظل هذا الحزب الخيار الاجتماعي الاقل سوءا في اليمين، وفي اليسار من الافضل دائما التصويت لميرتس او للجبهة الديمقراطية لا لحزب العمل، لان هذين الحزبين اجتماعيان مكافحان وفعالان، ولكل منهما تاريخ زاهر في التشريعات الاجتماعية. وبالنسبة لانصار المركز المائل لليسار قليلا، او لليمين قليلا، اؤلئك المتخوفين من الفصل التعسفي، المؤمنين بضرورة النضال من اجل حقوق العاملين، يظل عمير بيرتس هو الخيار الاجتماعي المركزي الجديرن و«عاليه ياروك» (الورقة الخضراء) هو حزب اخضر حسب التقليد الاوروبي، فيعارض خصخصة اسرائيل وبيعها لبضع عشرات من الاشخاص او التنظيمات، ويعارض اقتصاد السوق الاعمى الوحشي. هذا غير قليل من الخيارات التي يجدر التردد امامها. وكلما كان اعضاء كنيست اكثر من هذه الاحزاب، كان اصعب على الحكومة القيام بتخريب المجتمع الاسرائيلي بصورة لا يستطيع احد انقاذه ليس من الجدير الوثوق بمقولة «لا مناص من التقليص».. انه هراء يتراوح بين الكذب الفظ والتحايل على الجماهير. دائما يمكن التقليص في مواقع اخرى والقرار من اين يمكن التقليص هو قرار سياسي شرائحي ائتلافي، لا قوة عليا، ولذا يجب ان تتوفر في الكنيست مجموعة ضغط اجتماعية قوية. في الوضع الاسرائيلي الراهن الذي باتت الانتخابات فيه محسومة، فإن تصويت جزء ملموس من المترددين لصالح احزاب ذات موقف اجتماعي صلب، هو تصويت بامكانه إيجاد صدوع مضيئة في الظلمة التي تلفنا في الفترة الاخيرة. لن يقوم الليكود بالمهمة، ولم يقم بها في الماضي ابدا كما ان «العمل» مشكوك فيه كثيرا. خاصة عهد باراك البهيج. ان الجمهور الاسرائيلي بحاجة ماسة الآن وفورا، الى معارضة اجتماعية تتجاوز الاحزاب والطوائف والهوية الثقافية. بقلم: نير بارعام _ عن «معاريف»