الثلاثاء 25 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 28 يناير 2003 قبل أربعة أشهر من نشوء الأزمة الراهنة بخصوص كوريا الشمالية وخروجها إلى العلن وتحديداً في يونيو الماضي قدمت وكالة الاستخبارات المركزية «السي آي ايه» تقريرا شاملاً حول مشروعات كوريا الشمالية النووية للرئيس جورج بوش وكبار مستشاريه. وهذه الوثيقة المعروفة باسم التقويم الاستخباري القومي صنفت ضمن الوثائق السرية للغاية لاحتوائها على معلومات حساسة للغاية، وكان توزيعها مقصوراً على مسئولي الادارة الأميركية ضمن أضيق الحدود، وذكر التقرير ان كوريا الشمالية كانت تنتهك القانون الدولي واتفاقياتها مع كوريا الجنوبية والولايات المتحدة لسعيها سراً للحصول على الوسائل اللازمة لانتاج يورانيوم قابل للاستخدام في انتاج الاسلحة النووية. غير ان المعلومات الأكثر حساسية الواردة في هذا التقرير كانت تخص باكستان. إذ تقول «السي آي ايه» ان باكستان كانت منذ عام 1997 تتبادل التقنيات المتطورة ومعلومات تصاميم الرؤوس الحربية وبيانات اختبارات الأسلحة مع حكومة بيونغ يانغ. فباكستان وهي أحد أهم حلفاء الرئيس بوش في حربه ضد الارهاب، كانت تساعد كوريا الشمالية في انتاج قنبلتها النووية. وكانت كوريا الشمالية قد وقعت عام 1985 على معاهدات حظر انتشار الاسلحة النووية، وهو ما أدى لفتح معظم مواقع منشآتها النووية أمام التفتيش الدولي، وفي أوائل تسعينيات القرن الماضي أصبح مؤكداً لدى وكالات الاستخبارات الأميركية والمفتشين الدوليين ان الكوريين الشماليين يعيدون معالجة وقود نووي مستهلك أكثر مما كانوا يصرحون به وأنهم ربما يكونون قد استخلصوا ما يكفي من البلوتونيوم، وهو منتج ثانوي للمفاعلات النووية، لانتاج قنبلة نووية أو قنبلتين اثنتين، وقد تمت تسوية الأزمة الناتجة عن ذلك، حينما توصل الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ ايل وادارة الرئيس السابق بيل كلينتون لاتفاق تم بمقتضاه وقف برنامج التسلح النووي مقابل تقديم واشنطن مساعدات اقتصادية وبناء مفاعلين يعملان بالماء الخفيف لانتاج الكهرباء تحت رقابة دولية في كوريا الشمالية. غير ان كوريا الشمالية، وفي غضون ثلاث سنوات من التوصل للاتفاق، باستخدام طريقة أخرى للحصول على المواد الانشطارية، فبدلاً من استخدام الوقود النووي المستنفد، أخذ علماؤها يحاولون انتاج اليورانيوم القابل لانتاج الأسلحة من خامات اليورانيوم الطبيعية، بالاستعانة بالتقنيات الباكستانية، وقد قال لي مسئول من «السي اي ايه» مشيرا إلى التقرير الاستخباري المذكور: «التقرير يوجه بأصابع اتهام واضحة لباكستان. الأمور التقنية المستخدمة في غاية الوضوح لا تقبل الخطأ أو التأويل» ويقول عن مشروع البلوتونيوم الكوري الشمالي في أوائل التسعينيات: «في السابق كانوا يتسللون، أما الآن فالأمر أصبح أسهل، نحن نعرف أنهم قادرون على فعل الكثير وبسرعة أكبر من السابق بكثير أيضاً. كوريا الشمالية معزولة اقتصادياً وأحد مصادر الدخل الرئيسية لها يتمثل في مبيعات السلاح، وأكثر سلعها جاذبية للأسواق هي الصواريخ ومن زبائنها باكستان التي تمتلك ترسانة نووية من انتاجها، غير انها تحتاج للصواريخ لتحقيق امكانية ايصال أفضل لرؤوس الحربة إلى داخل أراضي عدوتها التقليدية الهند، ويفيد تقرير «السي اي ايه» ان باكستان في عام 1997 بدأت تدفع جزءًا من تكاليف أنظمة الصواريخ الكورية الشمالية في صورة أسرار نووية متوفرة لها، ويضيف ان من بين هذه الأسرار التي أرسلتها باكستان لكوريا الشمالية نماذج عن آلات طرد مركزية عالية السرعة، وفي وقت ما من عام 2001 بدأ العلماء الكوريون الشماليون يخصبون اليورانيوم بكميات لا بأس بها، كما وفرت باكستان لهم معلومات عن صناعة سلاح نووي يعمل باليورانيوم واختباره لما يفيد التقرير. لقد احتاج الأمر في باكستان إلى قضاء عقد من الزمان وانفاق استثمارات مالية كبيرة قبل ان تنجح في انتاج أنظمة طرد مركزي فعالة، وبمساعدة باكستان تمكنت كوريا الشمالية من اختصار سنوات عديدة من التطوير والبحوث، ومن غير المعروف الآن كم نظام طرد مركزي موجود لدى كوريا الشمالية قيد التشغيل وفي أي المنشآت توجد، ويقول مسئولو الاستخبارات ان أنظمة الطرد المركزي الباكستانية هي عبارة عن اسطوانات نحيلة بالكاد يبلغ ارتفاعها ستة أقدام، وبالتالي يمكن شحن «المئات منها» بالطائرات غير ان التقرير يقول: «ان كل ما على الباسكتان فعله هو توفير المخططات والنماذج، وتصاميمهم متطورة جداً في هندستها، وبامتلاك بضعة آلاف منها فقط يمكن لكوريا الشمالية امتلاك ما يكفي من المواد الانشطارية لانتاج رأسين حربيين أو ثلاثة رؤوس في السنة مع تخصيص كمية أخرى للتصدير. وقد أخبرني مسئول باكستاني سابق أن اتصالات حكومية مع كوريا الشمالية قد ازدادت بشكل كبير عام 1997 وحينها كان الاقتصاد الباكستاني قد تضعضع، ولم يعد هناك «المزيد من المال» لدفع تكاليف الدعم الصاروخي الكوري الشمالي، وبالتالي بدأت باكستان تدفع التكاليف عبر تقديم «بعض من خبراتها التقنية ومعلوماتها الدقيقة» وقد ساعدت باكستان كوريا الشمالية في اجراء مجموعة من «الاختبارات الباردة» وهي تفجيرات نووية بالمحاكاة باستخدام اليورانيوم الطبيعي وهي الاختبارات الضرورية لمعرفة ما إذا كان السلاح النووي سينفجر بالشكل المطلوب، كما وفرت باكستان لكوريا الشمالية مشورة استخباراتية حول «الطيران تحت الرادار» كما وصف المسئول السابق الأمر، أي كيفية اخفاء مشاريع البحوث النووية عن الاقمار الصناعية الاميركية والاستخبارات الأميركية والكورية الجنوبية. ويفيد التقرير انه من غير المعروف ما إذا كانت كوريا الشمالية قد بدأت فعلياً بانتاج رؤوس حربية نووية وقت أزمة 1994 وما زال من غير المعروف الآن ان كانت تنتجها حالياً، ويتضمن التقرير تبعاً لمن قرأوه تقويمات منفصلة ومتناقضة قدمتها كل من «السي آي ايه» والبنتاغون ووزارة الخارجية ووزارة الطاقة حول عدد الرؤوس الحربية، التي ربما تكون كوريا الشمالية قد أنتجتها أو قادرة على انتاجها، وهو لا يقدم اجماعاً في الرأي حول ما إذا كانت كوريا الشمالية قد بدأت الانتاج بالفعل. ظل تقرير «السي آي ايه» طي الكتمان طوال الصيف وأوائل الخريف الماضيين حيث كانت الادارة الأميركية تركز جهودها على ترتيب الأوضاع، تمهيداً لغزو العراق وكانت العديد من المكاتب المسئولة عن السيطرة على التسلح في أوساط الادارة الأميركية غير عالمة بوجود هذا التقرير. وقد قال لي أحد المسئولين: «لقد أبقى تحت غطاء من السرية المشددة، وحفظ التقارير سرية اجراء يتبع عادة لحماية مصادر المعلومات الحساسة لاعتبارات سياسية». وقد قال احد خبراء حظر الانتشار النووي الأميركيين انه شعر بالخيبة لعدم سماح الادارة بالكشف عن المعلومات بالنظر لتقرير يونيو، وأضاف: «ان من المهم وضع الشعب الأميركي على الازمة العسكرية والسياسية الضخمة التي تمثلها كوريا الشمالية لنا، ان هذا الأمر يقع في صلب قضية الأمن في شمال آسيا ومستقبل اليابان وكوريا الجنوبية ومستقبل قضية حظر الانتشار النووي عموماً. غير ان دبلوماسياً يابانياً وثيق الصلة بالشأن الكوري دافع عن قرار ادارة بوش تأجيل التعامل العلني مع هذه الازمة وقال متحدثاً عن التقرير: «إذا كانت تقديرات الاستخبارات صحيحة فإنه كان عليه التفكير في مضامينها. ان الكشف عن المعلومات لا يكون فورياً دائماً. يحتاج المرء لبعض الوقت حتى يدرس مضمونها، وللشروع في حوار عليه فعلاً ان يجد الوقت الصحيح والظروف المناسبة له. وحتى الآن يقوم الرئيس بوش بالشيء الصحيح من منظورنا» البيت الأبيض والسي آي ايه لم يستجب لطلبنا بالتعليق على هذا الرأي. إن ازدراء الرئيس بوش لحكومة كوريا الشمالية معروف تماماً، وبالتالي يجعل من عدم نشر البيت الأبيض لتقرير «السي آي ايه» أو التحرك بناء عليه أمراً محيراً بشكل اكبر، ففي خطابه عن حالة الاتحاد في يناير من العام الماضي وضع بوش كوريا الشمالية إلى جانب العراق وإيران في خانة «محور الشر». ويتذكر بوب ودوارد في كتابه «بوش محارباً» الذي وضعه عن رد فعل الادارة الأميركية على هجمات 11 سبتمبر يتذكر لقاء له مع بوش في تكساس أغسطس الماضي: صرخ بوش ملوحاً بأصبعه نحو الأعلى «انني احتقر كيم جونغ ايل انني اتقزز من هذا الرجل لأنه يجوع شعبه». وأضاف ودوارد ان الرئيس بوش يصبح انفعالياً جداً حينما يتحدث عن كيم جونغ ايل «اعتقد انه قد يقفز من مقعده». بل ان ادارة بوش قد أخطرت بشأن كوريا الشمالية حتى قبل تقرير «السي آي ايه» ففي يناير من العام الماضي أعلن جون بولتن مساعد وزير الخارجية الأميركية لشئون السيطرة على التسلح أن لدى كوريا الشمالية برنامج تسلح نووي سري وأنها تنتهك معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية وفي فبراير الماضي حث ثلاثة أعضاء من الكونغرس الرئيس بوش على ايقاف الدعم للمفاعلين النوويين الموعودين لكوريا الشمالية بسبب ما يقال عن انها تشغل موقع معالجة سرياً «لاخصاب اليورانيوم» وفي مايو أعاد بولتن مرة ثانية اتهام كوريا الشمالية بعدم الالتزام بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية المسئولة عن التحقق من التزام الدول الأعضاء بالمعاهدة. لكن على الرغم من ذلك أوضحت مستشارة الرئيس بوش للأمن القومي كوندوليزا رايس والتي من المفترض انها حصلت على تقرير الـ «سي آي أيه» قبل ذلك بأسابيع ـ أوضحت يوم 5 يوليو في رسالة إلى أعضاء الكونغرس ان الإدارة ستستمر في إرسال شحنات النفط والتقنية النووية للمفاعلين الموعودين إلى كوريا الشمالية. إن سياسة الإدارة الأميركية هذه تجاه كوريا الشمالية بمزيجها من السخط والتواطؤ الواضح، هي من أوجه عديدة نتيجة لتركيزها الذي لا هوادة فيه على العراق. ففي أواخر العام الماضي، أصدر البيت الأبيض وثيقة استراتيجيات الأمن القومي التي تخول المؤسسة العسكرية الأميركية «بالبحث عن أسلحة الدمار الشامل لدى الأعداء وتدميرها قبل أن تستخدم هذه الأسلحة. وتؤكد الوثيقة ان القوات المسلحة «يجب أن تكون لديها الإمكانيات للدفاع عن البلاد ضد الاعداء المسلحين بأسلحة دمار شامل.. لأن الردع قد لا يكون ناجحاً». إن المنطق يفرض ان تكون كوريا الشمالية أول من تنطبق عليه هذه الاستراتيجيا التي يظل برنامجها النووي أكثر تقدما بكثير مما لدى العراق. وقد قال لي أحد مسئولي الاستخبارات الأميركيين ان مبدأ بوش يقول استراتيجية التدمير المتبادل المحتوم لن تفلح مع هذه الدول المارقة ولهذا يجب علينا أن نوجه لها ضربات استباقية إذا لم تفلح المفاوضات. والمحيطون ببوش يعلمون أن الكوريين الشماليين قد أعادوا تنشيط برامجهم مسبقاً وأنهم أكثر خطرا من العراق. غير أنهم لم يخبروا أحداً بذلك. لقد جعلوا سياستهم التي وضعوها هم بأنفسهم تفلس بعدم قيامهم بما ينادي به مبدأهم. لقد تعرضت المقدرات العسكرية العراقية لتراجع كبير في حرب الخليج وما تلاها من سنوات الحصار، غير أن كوريا الشمالية هي واحدة من أكثر الدول عسكرة في العالم مع وجود أكثر من 4 في المئة من سكانها تحت السلاح. ومدفعيتها مرعبة على وجه التحديد: أكثر من عشرة آلاف مدفع وخمس وعشرين ألف راجمة صواريخ قادرة كلها على إطلاق خمسمئة ألف قذيفة في الساعة رابضة ضمن مدى نيرانها المجدي لضرب عاصمة الجنوب سيئول. وتقول تقديرات البنتاغون ان حرباً شاملة من شأنها ان تسفر عن سقوط أكثر من مليون قتيل بين مدني وعسكري ويتضمن ذلك حتى مئة ألف أميركي كما هو محتمل. ويتذكر مسئول في إدارة الرئيس كلينتون السابقة حضوره جلسة استماع في الكونغرس أواسط التسعينيات قال فيها الجنرال غاري لوك قائد القوات الأميركية في كوريا: «أيها الشيوخ، استطيع ان انتصر بهذه الحرب إن اردتم ـ لكن ليس بسلاسة». في أوائل اكتوبر الماضي توجه جيمس كيلي مساعد وزير الخارجية الأميركي لشئون شرق آسيا والهادي إلى بيونغ يانغ على رأس وفد كبير للقيام بمواجهة دبلوماسية ساخنة مع مستضيفيه حول برنامج إخصاب اليورانيوم. وبشكل لا مندوحة عنه، كان جدول أعمال الزيارة قد تشكل في ضوء إدراك المسئولين الأميركيين لوجهات نظر الرئيس بوش الصارمة. قال لي أحد الخبراء الأميركيين في الشأن الكوري: «كان هناك خلاف شديد حول الاختيار بين المفاوضات أو توجيه إنذار نهائي لكوريا الشمالية. وهو الخلاف نفسه الذي يسود بينهم اليوم. لقد خولت الإدارة الأميركية كيلي اخبار الكوريين بأن أميركا قد علمت بشأن برنامج اليورانيوم السري، غير أن التعليمات التي كانت لديه لم تترك له أي مجال للتفاوض. الرسالة التي حملوه إياها كانت مباشرة: كوريا الشمالية يجب أن توقف برنامجها قبل اجراء اي مفاوضات. وعن ذلك يقول خبير أميركي آخر: «هذه حكاية حزينة أخرى من عالم البيروقراطية. الرسالة التي حملها كيلي كتبت في مجلس الأمن القومي بيد المتشددين فيه. لا أعتقد أن الرئيس أراد حينها التسبب بأزمة». التقرير الاستخباراتي الأميركي توقع أن كوريا الشمالية إذا ما وجهت بالدليل لن تجازف بارتكاب خرق علني لمعاهدة 1994 ولن تقدم على شيء ينتهك معاهدة حظر الانتشار النووي. عن ذلك يقول لي مسئول استخباري: «كان خطأ مريعا أتمنى أن يكون في الـ «سي آي ايه» أناس آخرون يفهمون كوريا الشمالية بشكل أفضل من أولئك الذين كتبوا التقرير». يقول أحد الدبلوماسيين اليابانيين ممن تحدث مع المشاركين في تلك الزيارة: «الكوريون ذهلوا! لم يكونوا يعرفون أن اميركا تعرف ما يعرفون». وبعد لغط دام الليل بطوله في بيونغ يانغ بدا كانغ سوك جو النائب الأول لوزير خارجية كوريا الشمالية وكأنه يؤكد التهمة الموجهة لبلاده حينما قال في رده عليها ان لبلاده الحق في تطوير اسلحة نووية. أما ما لم يتحدث عنه فهو ما إذا كانت قد أنتجت شيئا منها أم لا. كما اتهم كانغ سوك جو الولايات المتحدة، على حد قول الدبلوماسي الياباني، بأنها «تهدد وجود كوريا الشمالية» ثم تقدم بعد ذلك بقائمة من الالتزامات الأميركية المنصوص عنها في معاهدة 1994 والتي لم تف الولايات المتحدة بها ووعد بإيقاف برنامج إخصاب اليورانيوم مقابل تعهد أميركي بعدم مهاجمة بلاده وتطبيع العلاقات معها. أما كيلي المقيد بالتعليمات الموجهة لها فلم يكن بمقدوره سوى إعادة سرد مالديه: كوريا الشمالية يجب ان تقوم بالخطوة الأولى. وهكذا فتحت الهوة. لكن الإدارة الأميركية مثلما فعلت ازاء تقرير ال«سي أي أيه» ظلت صامتة بخصوص اعتراف بيونغ يانغ. ولم تحط الشعب الأميركي علما بالأمر إلا في 16 أكتوبر، أي بعد 5 أيام من حصول الرئيس بوش على تخويل من الكونغرس بإعلان الحرب ضد العراق. وحتى ذلك الحين، تبعاً لمصادر حكومية أميركية نقلت واشنطن بوست أقوالها، لم تفتح الإدارة الموضوع علناً بما له من مضامين إزاء السجال السياسي الخاص بقضية العراق إلا بعد أن اخذت التسريبات عنه تصل الصحافة. وفي 20 أكتوبر أنكرت كوندوليزا رايس أن وقائع رحلة كيلي قد أبقيت سرية عمداً حتى الانتهاء من التصويت في الكونغرس. وقالت ان الرئيس بوش وبكل بساطة لم يتم تقديم خيارات العمل له إلا يوم 15 اكتوبر. واضافت «إن ما كان مفاجئا لنا ليس اكتشاف ان لدى كوريا الشمالية برنامجا سرياً وإنما اعترافها بوجود هذا البرنامج. بعد ذلك بقليل طرح خبير استخباري أميركي بيني وبينه السؤال التالي: «هل كنا نريدهم إذن أن ينكروا وجود هذا البرنامج؟ إنني لا استطيع أن أفهم ما الذي يجري في أوساط سياستنا الكورية. وأضاف مشيرا للعلاقة بين اوساط الاستخبارات وادارة بوش: «اننا لم نتمكن من استقطاب انتباه الناس، وحتى لو فعلنا، ما كان لديهم نهج معقول. لقد كانت الادارة عقيدية على نحو عميق وشرير. لقد كانت الادارة لا تزدري حكومة بيونغ يانغ فحسب بل وكل محاولات وجهود إدارة كلينتون السابقة لمعالجة مشكلة الانتشار النووي ـ وهي مشكلة لن تتغير إلا باتجاه الأسوأ إذا ما تجاهلتها واشنطن. قال لي المسئول الاستخباري السابق: «حينما أتى الوقت لمواجهة كوريا الشمالية لم يكن لدينا خطة ولا قنوات اتصال ـ لاشيء لنتفاوض معه. يجب عليك أن تحافظ على اتصال دبلوماسي مستمر حتى تتمكن من الانخراط في المعالجة وتكون في الموقع الأقوى لتحل المشكلة لكننا تركنا كل شيء ليتهاوى. وقال المسئول الاستخباري السابق متحدثا عن المواجهة التي شهدتها بيونغ يانغ في اكتوبر الماضي: لقد جعل اجتماع كيلي وما تلاه من بيانات أميركية التوازن يتغير في بيونغ يانغ. لقد كان الكوريون الشماليون مسبقاً متشككين على نحو مخيف بنوايا الولايات المتحدة. لقد فسروا رسالة كيلي على أنها: حينما تضعون حداً لهذه المشكلة تعالوا إلينا! كانوا غاضبين جداً. وهذا، إلى جانب إحساسهم بأنهم الهدف المقبل بعد العراق، جعلهم يعتقدون أن عليهم التحرك بسرعة كبيرة لحماية انفسهم. أما النتيجة فكانت في اكتوبر مثلما كانت في يونيو، إنكار الإدارة الأميركية لوجود أزمة. إذ حينما نشرت أولى التقارير عن زيارة كيلي، قال متحدث باسم البيت الأبيض ان الرئيس يرى فيها «أخبارا مربكة ومدهشة» وكررت رايس مراراً ان كوريا الشمالية والعراق هما حالتان منفصلتان. وفي احدى لقاءاتها التلفزيونية قالت: «إن صدام حسين في خانة خاصة به. لكن مسئولا اميركيا مختصاً بالسيطرة على التسلح قال لي: «البيت الأبيض لم يرغب في التعامل مع أزمة ثانية». وفي الشهور التالية كانت السياسة الأميركية تتراوح بين البيانات العلنية المتشددة ـ من مثل تعهدات بعدم سماح الادارة لنفسها بالتعرض «للابتزاز» أو حتى رفض مجرد الاجتماع بقادة كوريا الشمالية ـ والجهود السرية عن طريق اطراف اخرى لفتح خط اتصال غير مباشر مع بيونغ يانغ. وفي غضون ذلك طردت كوريا الشمالية المفتشين الدوليين وتبرأت من معاهدة حظر الانتشار النووي وهددت بالبدء من جديد بمعالجة الوقود النووي المستهلك مع الاصرار طوال ذلك على عدم وجود بديل عن الحوار المباشر مع إدارة بوش. أحد مسئولي إدارة كلينتون السابقة ممن شاركوا في محادثات عام 1994 مع كيم كونغ إيل اعترف لي بأنه يشعر بالاحباط من أفعال كوريا الشمالية. وقال: «كانت الصفقة تنص على أن نعطيهم مفاعلين نووين مقابل أن يتخلوا عن هذه القذارة. لكن كان لديهم شيء ما قيد الإجراء فيه انتهاك للصفقة. ومع ذلك كان على إدارة بوش ان تحاور كيم جونغ إيل. إذ على الرغم من انهيار معاهدة 1994 وعلى الرغم من وجود الدليل على تحايل بيونغ يانغ عليها فإن تقرير ال«سي أي إيه» يصف المعاهدة بأنها نجاح مادامت حتى الآن وطوال السنوات الماضية قد منعت كوريا الشمالية من انتاج رؤوس نووية حربية ما يصل إلى مئة منها كما تقول بعض التقارير. وقبل أيام خضع الرئيس بوش لما رآه الكثيرون بأنه لا مناص منه ووافق على إعادة تقديم المساعدات الأميركية مقابل التزام كوري شمالي بالتخلي عن البرنامج النووي. غير أن البيت الابيض ظل يعارض اجراء مفاوضات مباشرة مع حكومة كيم جونغ إيل. في يونيو الماضي قال روبرت غالوتشي، الدبلوماسي الذي قام بمهة إدارة المفاوضات مع بيونغ يانغ عام 1994 ويشغل الآن منصب عميد كلية السلك الخارجي في جامعة جورجتاون الأميركية، قال وهو يتذكر طريقة التعامل الأولى من جانب بوش مع كوريا الجنوبية بأنه أرادها أن تكون قضية دعائية في خضم الجدل السياسي الدائر حول اعتزام بوش بناء درع صاروخية. واضاف: «كانت تلك نقطة اللا عودة في التهديد الذي كنا نخطط ونشكل دفاعاتنا لمواجهته. لقد ساد الاعتقاد بأن كوريا الشمالية ما عادت الدولة التي يمكن التفاوض معها. لكن بعد ذلك وقعت هجمات 11 سبتمر بكل ما كانت تعنيه من أن الدفاع الصاروخي ما عاد قادراً على حماية أميركا لأن الخطر ما عاد آتياً من الصواريخ لكن من مئات الطرق الأخرى. وهكذا دخلت في حركة دائرية كاملة.. كوريا الشمالية وغيرها من الدول المارقة التي تهددنا بأسلحة دمار شامل لا تهددنا بنفسها فقط بل قد تصبح غير قابلة للردع لأنها يمكن ان تعطي هذه الاسلحة لمن لا نستطيع أن نردعهم او نحمي انفسنا منهم. أحد المسئولين الاستخباراتيين الذي تردد على حضور اجتماعات البيت الأبيض، مؤخراً، يحذر من الركون إلى بيانات الإدارة اليومية التي تؤكد ضرورة تسوية سريعة للنزاع. ويقول: «بوش وتشيني يريدان رأس كيم جونغ إيل. لا يجب أن ننخدع بكل هذا الحديث عن المفاوضات. ستكون هناك مفاوضات لكن ستكون هناك خطة، وهما ماضيان في خطتهما للقضاء عليه بعد العراق. إنه بالنسبة إليهما نسخة عصرية من هتلر. بقلم: سيمور هيرش _ ترجمة : جلال الخليل عن «نيويوركر»