الاثنين 24 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 27 يناير 2003 لم يعودوا حفنة متزمتين متطرفين، ولم يعودوا شاذين غريبي الأطوار. فرغم اخراجهم عن القانون، فلا إمرة للقانون عليهم. العكس هو الصحيح. ممثلو القانون يخافونهم. لم يعودوا «أعشابا ضارة» على هوامش المعسكر. ففي الخليل، وفي كريات اربع وفي بضع عشرات من المستوطنات والمواقع في الضفة صاروا شجرا كثير الثمر. لم يعودوا مطاردين مظلومين بل رواد معسكر آخذ بالتعاظم. مجموعة كبيرة من الفتيان، «فتيان التلال»، تسير خلفهم الى أي مكان يأمرون بعيون مغمضة، وأحد زعمائهم، باروخ مارزيل، من شأنه ان ينتخب الى الكنيست بعد عدة ايام. «كاخ» لم تختف ولم تصف. فهي حية ترزق ومؤخرا أثبتت وجودها ونفوذها في القضية المحرجة لجنازة نتنئيل عوزيري. وبين حملة جثمان المتوفى، الذي كان في الماضي من مقربي مئير كهانا، كان زعماء بارزون في حركة «كاخ»، ممن كرسوا حياتهم للعمل في سبيل الفكرة الكهانية: «افراغ» البلاد من سكانها العرب وتحويلها الى دولة يهودية. لم تكن هذه جنازة وحسب بل وتحذير بالأساس ـ ضد السلطات والمؤسسة الدينية، ولا سيما ضد السكان العرب في الخليل، الذين نكل بهم «فتيان التلال» بأعمال التدمير والزعرنة أمام العيون غير المفتوحة للجنود والشرطة. ان اقامة مستوطنة كريات اربع، وبعد ذلك الخليل اليهودية، ترافقت مع العنف الشديد من الطرفين، العربي واليهودي. وفي جنازات المستوطنين الذين قتلهم العرب وقعت في الماضي اعمال شغب على نطاق واسع ضد عرب الخليل. فمثلا، في اثناء جنازة ايلي هزئيف، من رجال «كاخ» الذي قتل قرب «بيت هداسا» في مايو 1980، اندلعت اعمال عدائية ضد العرب تضمنت اقتحامات لمنازلهم وضربهم ورشق حجارة وتحطيم زجاج وتخريب للسيارات واحراق محطة وقود محلية. وتعرف محافل الأمن منذ زمن بعيد بأن جنازة من نوع جنازة نتنئيل عوزيري تنطوي على اعمال مشابهة، ولكن في كل مرة يتكرر المشهد المخجل من جديد: الجنود والشرطة القلائل يصمتون ويخافون العمل ضد المشاغبين. فالحضور المكثف لرجال الجيش والشرطة كان من شأنه ان يساعد في وقف هذه الظاهرة ولكنهم لا يقفون بكامل صلاحياتهم أمام رعاع عنيف، خشية تعرضهم للأذى الجسدي. مئير كهانا قتل قبل سنين، ولكن روحه تحوم بكل قوتها. لديه مواصلون أكفاء ذوو نفوذ كبير في منظمة الجيل الجديد لحركتهم. ومن يواسي نفسه بحقيقة ان هذه الافعال تجري بعيدا عن الخط الاخضر، في أعماق الضفة الغربية، لا يعرف حجم الخطر. فحركة «كاخ» المتجددة والمتعاظمة رجالها يعملون بتصميم أعمى ولا يراعون آراء الآخرين، ولا حتى آراء الحاخامين وزعماء المستوطنين الذين يحظون بالتقدير. انهم حركيو بداية القرن الواحد والعشرين، مواصلو درب مناحيم بن يئير وشمعون بار غيورا من القدس التي كانت خاضعة للحصار الروماني، واللذين سارا بعيون مفتوحة نحو خراب البلاد على ألا يخرجا عن عقيدتهما المتزمتة والمتوحشة. ونحن، كل ذوي النفوس الطيبة داخل الخط الاخضر، شركاء صامتون للنشاطات الاجرامية وذلك إذ نصمت ونتجاهل. نأمل ان تذهب الظاهرة من تلقاء نفسها. اغتيال اسحق رابين على يد واحد من اولئك الحركيين تركنا مذهولين متألمين ولكننا لم نتعلم دروس التاريخ العنيف والمضرج بالدماء، وأغلب الظن أننا لن نتعلمها في المستقبل. بقلم: يهودا ليطاني _ عن «يديعوت احرونوت»