الاثنين 24 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 27 يناير 2003 بعد مرور 11 أسبوعاً على صدور قرار بالاجماع من مجلس الأمن الدولي يطالب العراق مرة اخرى بالكشف عن برامجه النووية والكيميائية والبيولوجية والتخلص منها، من المناسب ان يتم طرح السؤال التالي: «هل قرر الرئيس العراقي بشكل نهائي ان يتخلى بشكل طوعي عن أسلحة الدمار الشامل؟» للأسف، فإن الاجابة بشكل واضح وجلي هي «لا». ولا يوجد هناك لغز فيما يتعلق بالتخلي الطوعي عن أسلحة الدمار الشامل، فالبلدان التي تقرر ان تتخلى عن هذه الأسلحة تستقبل المفتشين وتقودهم الى مواقع الأسلحة والانتاج العسكري وتجيب عن أسئلة قبل طرحها وتعلن بشكل واضح ومعتاد عن نيتها التخلي عن هذه الأسلحة وتحث مواطنيها على التعاون ويعلم العالم من واقع تلك الأمثلة التي تقدمها دول مثل جنوب افريقيا واوكرانيا وكازاخستان ماذا يعني الامر عندما تقرر حكومة ما انها سوف تتعاون كي تتخلى عن أسلحة الدمار الشامل. فهناك عوامل وعناصر مشتركة حاسمة تتواجد في اي محاولات لنزع تلك الأسلحة منها التزام سياسي على مستوى عال بالتخلي عن هذه الأسلحة، ومبادرات وطنية للتخلص من برامج التسلح، وتعاون وشفافية بشكل كامل في ذلك الصدد. في عام 1989، اتخذت جنوب افريقيا قراراً استراتيجياً بالتخلص من برنامجها النووي السري وقامت بتدمير ترسانتها التي كانت تتكون من سبعة أسلحة وبعد ذلك خضعت الى اختبارات تفتيش عسير قامت بها وكالة الطاقة الذرية الدولية ومنح المفتشون حرية كاملة لتفقد جميع المنشآت النووية ومساءلة جميع الاشخاص العاملين هناك. كما اطلعوا على آلاف الوثائق التي كانت تفصل، على سبيل المثال، العمل اليومي لمنشآت تخصيب اليورانيوم وكذلك عمليات تطوير وتدمير بعض الأسلحة بعينها. واظهرت كل من اوكرانيا وكازاخستان قدراً مشابهاً من التعاون عندما قررتا التخلص من الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية العابرة للقارات والقاذفات الثقيلة التي ورثتاها من الاتحاد السوفييتي السابق ومع وجود مساعدات كبيرة من الولايات المتحدة رحبت بها الدولتان بشكل كبير، جاءت عمليات نزع الأسلحة منظمة وصريحة وسريعة. فقد تم ارجاع الرؤوس النووية الى روسيا، وتم تدمير القاذفات الثقيلة واسطوانات الصواريخ وذلك خلال حفل حضره قيادات الدفاع المسلح من أميركا وروسيا، وفي أحد المواقف، كشفت كازاخستان عن وجود طن من اليورانيوم المشع وطلبت من الولايات المتحدة ان تتخلص منه خشية من ان يقع في ايدي اطراف اخرى تستفيد منه بشكل خاطئ. غير ان سلوك العراق لا يوجد اكثر منه تناقضاً مع سلوك الدول المشار إليها فبدلاً من الالتزام بنزع الأسلحة، لدى العراق التزام سياسي على مستوى عال بالحفاظ على أسلحته واخفائها بقيادة الرئيس العراقي وابنه قصي الذي يسيطر ويتحكم في منظمة الأمن الخاص التي تدير الأنشطة العراقية السرية وبدلاً من تنفيذ المبادرات الخاصة بنزع الأسلحة يدير العراق مؤسسات هدفها الوحيد هو افشال عمل المفتشين وبدلاً من التعاون الكامل والشفافية، تقدم العراق بملف مغلوط الى الأمم المتحدة يحتوي على «كذبة» تتكون من حوالي 12200 صفحة. فعلى سبيل المثال، لم يفسر هذا التقرير جهود العراق للحصول على اليورانيوم من الخارج وتصنيعه لوقود معين خاص بصواريخ باليستية يدعي انه لا يملكها، بجانب تلك الثغرات التي سبقت وان اشارت اليها الأمم المتحدة فيما يتعلق بمسئولية العراق عن أكثر من مليوني طن من المواد الخام يحتاجها العراق لانتاج آلاف الجالونات من مادة الانثراكس وأسلحة بيولوجية أخرى. وقد لجأ التقرير العراقي الى «السرقة الأدبية» فهناك صفحات كاملة تم نسخها بالكامل وبالحرف من تقارير للأمم المتحدة ـ أو تم اعادة تحريرها لاخفاء اي نقد للعراق ـ وتقديمها على انها نصوص أصلية، والاعلان العراقي هذا بعيد كل البعد عن كونه تقريراً توضيحياً يخبر بالحقائق، فهو عبارة عن وثائق تهدف الى التعتيم على الصورة الحقيقية للترسانة النووية العراقية وما هو الا مرآة لعدم الأمانة، تلك الصفة التي التصقت بهذا النظام العراقي عن حق، وخرق مادي لقرار مجلس الأمن رقم 1441 الذي بموجبه يجري برنامج التفتيش الحالي. وبعكس الدول الاخرى التي قامت بنزع اسلحتها بشكل طوعي، وخرقاً للقرار 1441، لا يسمح العراق للمفتشين بالدخول بشكل مباشر وفوري ومن دون اي عوائق الى المنشآت واستجواب هؤلاء الذين يعملون ببرنامج التسلح وكما أوضحت زيارة تفتيشية اخيرة لمنزل أحد العلماء النوويين العراقيين، وكما اكدت ذلك مصادر اخرى، فإن المواد والوثائق لا يزال يتم نقلها من مكان لآخر بشكل يشبه الألعاب الخداعية الهزلية كما ان النظام العراقي منع الاستخدام الحر وغير المقيد للمراقبة وعمليات الاستطلاع الجوي لمواقع التسلح العراقية. وقد ضمت قائمة الاشخاص الذين يعملون ببرامج التسلح، تلك القائمة التي طلبتها الامم المتحدة من العراق، اسماء من عملوا حتى عام 1991 وحسب، على الرغم من ان الأمم المتحدة قد أكدت سابقاً ان برامج التسلح تواصلت بعد ذلك التاريخ وقد جرت اللقاءات مع العلماء ومسئولي التسلح من قبل المفتشين بحضور وتحت أعين عملاء النظام ومع الأخذ في الاعتبار سجل هذا النظام العراقي وتاريخه في المراوغة والخداع فإن وعوده الاخيرة بالتصرف بشكل افضل مع المفتشين لا يمكن ان يرى إلاّ كمحاولة اخرى لكسب الوقت. وجاء اكتشاف المفتشين مؤخراً لـ 12 رأساً كيميائية فارغة لم تكن متضمنة في اعلان التسلح العراقي ليسبب قدراً كبيراً من القلق ففي الماضي قام العراق بوضع غاز السارين في هذا النوع من الأسلحة، وهو غاز أعصاب سام استعمله الارهابيون اليابانيون عام 1995 وأدى الى مقتل 12 راكباً في احدى محطات مترو الانفاق في طوكيو واصابة آلاف آخرين بالغثيان والاغماء، ويقول ريتشارد باتلر، الرئيس السابق لفرق التفتيش، انه في حالة ان يتم وضع غاز «في إكس»، وهو نوع من الغازات السامة أكثر خطورة في نوع اضخم من الرؤوس الحربية التي صممها العراق واستخدمها في الماضي واطلاق هذا الغاز من خلالها على مدينة كبيرة، فإن الامر سيؤدي الى قتل نحو مليون شخص. وقد فشل العراق كذلك في امداد المفتشين بالوثائق التي تفيد قيامه بتدمير مخزونه من غاز «في إكس» هذا. وهناك الكثير من الأسئلة العالقة بشأن برامج التسلح النووي والكيميائي والبيولوجي العراقية، وان الامر ليقع على عاتق العراق ليجيب عن هذه التساؤلات غير ان العراق يحقق فشلاً ذريعاً في هذا الصدد، فعن طريق ما يفعل وما لا يفعل، لا يثبت العراق انه بلد مصمم على نزع أسلحته ولكنه يثبت انه دولة لديها ما تخفيه فالعراق لا يزال يتعامل مع عمليات التفتيش على انها لعبة ولكن على النظام العراق ان يعلم ان الوقت يجري. بقلم: كوندوليزا رايس _ ترجمة: حاتم حسين عن «نيويورك تايمز»