الاثنين 24 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 27 يناير 2003 شهدت بدايات الثمانينيات من القرن الماضي المؤشرات الأولى الدالة على احتضار الكتلة السوفييتية، كان المرض واضحاً، لكن لم تكن النهاية بادية بوضوح. فمن جهة اقتصاد الاتحاد السوفييتي وبلدان أوروبا الشرقية في حالة افلاس كامن ما عدا استثناءين، هما ألمانيا الشرقية والمجر. ومن جهة ثانية كانت شعوب عديدة قد بدأت تعلن رفضها لـ «الامبريالية الروسية» التي كان القادة السوفييت وحدهم يغفلونها بغطاء «الأممية البروليتارية». وفي هذا السياق غير المؤاتي انطلق السوفييت بالمغامرة الافغانية التي سرعت بنهاية نظامهم. وهنا يبرز السؤال: إلى أي مدى نصبت الولايات المتحدة فخاً لموسكو بقصد هز استقرار خصمها القديم؟ لا تزال عناصر الاجابة عن هذا السؤال غير كاملة، ولكن يمكن التفكير بأن وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية وبواسطة أعوانها الباكستانيين واستخدام سلاح عقيدي قد زادت من حدة التوترات في افغانستان لارغام موسكو على التدخل. وفي شهر ديسمبر 1979 بدأت حرب دامت عشر سنوات. في نهاية عام 1979 غادر الجنرال يوري روزوف واشنطن بعد ان عمل فيها كممثل لجهاز الـ «كي.جي.بي» لمدة خمس سنوات وكان قد عمل في الصين لمدة أربع سنوات. وعند وصوله الى موسكو من واشنطن تولى روزوف رئاسة احدى ادارات جهاز الـ «كي.جي.بي» الذي كان يتزعمه يوري اندروبوف الذي أصبح فيما بعد رئيساً عابراً للاتحاد السوفييتي السابق. يقول روزوف مستعيداً ذكرياته: «في 17 ديسمبر 1979 وعند نهاية اجتماع روتيني قال لي يوري اندروبوف عندنا وحدة خاصة في افغانستان وأرغب في أن تذهب وتتفقدها. اذهب وامض هناك مدة يومين ثم عد وزودني بتقرير عن معنوياتهم وتحضيرهم. وبعد ذلك ستبدأ التحضير لمهمة ملموسة.. في اليوم الثاني توجهت الى كابول». وقال الجنرال بعد عودته من كابول: «عند عودتي من كابول كنت مقتنعاً بأننا بحاجة حيوية الى تشكيل مجموعة قوات خاصة داخل الـ «كي.جي.بي» تمثلت في مجموعة «زينيت» التي كان يمكن تعبئتها للقتال في غضون ثلاثة أيام. كانت فكرتي تتمثل في ايجاد وحدة دائمة متلائمة يعرف اعضاؤها بعضهم البعض، ووافقني اندروبوف في هذا الرأي لتتشكل في 19 أغسطس 1981 المجموعة كما تصورتها تحت اسم «ويمبل» التي كان يمكن تعبئتها خلال ثلاث ساعات وليس خلال ثلاثة أيام. كان قبول المرشحين للدخول في مجموعة «ويمبل» صعباً، وذات يوم ترشح ابن احد المسئولين الكبار في الحزب الشيوعي، وكان مؤشر الميزان يوضح ان وزنه يعكس وجود حوالي 30 كيلوغراماً زيادة بالنسبة لطول قامته، ولقد قبله مع ذلك الجنرال روزوف وقال له: «لا توجد محسوبيات عندي فحياتك وحياة رفاقك هي الآن على أرض المعركة، ولذلك عليك ان تكون جاهزاً لمثل هذه المهمة أو ان ترحل». ولقد قبل ذلك الشاب التحدي وفقد خلال ستة أشهر فقط ثلاثين كيلوغراماً الزائدة، وذات يوم كتبت زوجته رسالة للجنرال «روزوف» قالت فيها: «لقد أرسلت لكم زوجاً فأعدتم لي شاباً فتياً، فشكراً». لقد كانت مجموعة «ويمبل» ذات فعالية كبيرة، ولكن مع ذلك كانت المغامرة الافغانية بمثابة مأساة بالنسبة للجيش الأحمر ولروسيا، إذ لقي الآلاف حتفهم، كما جرح الآلاف أيضاً، وقد ضعفت معنويات الجيش، وزاد استياء مكونات المجتمع المدني، اضف الى واقع ان السلطة الروسية كانت تعاني من أزمة، فبعد وفاة برجنيف تولى يوري اندروبوف رئيس الـ «كي.جي.بي» السلطة لفترة أقل من عام، حيث أرداه المرض، ليخلفه اندريه تشرننكو، ولكنه لم يكن كما كان بادياً سوى بمثابة مرحلة وسيطة، حتى تصفّي الاتجاهات المختلفة المتنافسة على قمة السلطة حساباتها. في غدانسك بعد تفجر الاضرابات في مدينة «غرانسك» البولندية في صيف عام 1980 سمحت السلطة في تلك البلاد بانشاء نقابات حرة ومستقلة عن السلطة، أي ما كان يتضمنه عملياً حرية التعبير وحرية الصحافة، وبعد شهور طويلة من التوترات أعلن الجنرال جابروزسكي الذي أصبح رئيساً للوزراء حالة الطواريء في شهر ديسمبر من عام 1981 لتستمر حالة التوترات عدة سنوات أخرى. وفي ليلة 19 اكتوبر 1984 وعلى احد طرق بولندا الفرعية أوقف رجال الشرطة سيارة، فهل كان الامر يتعلق بعملية تفتيش روتيني؟ ليس تماماً، فراكب تلك السيارة كان الأب جيرزي بوبليشكو القريب من نقابة تضامن المستقلة والذي كان يلقي في آخر أحد من كل شهر مواعظ يحضرها ألوف الأشخاص وينتقد فيها بشدة النظام. لقد اخرج الجنود القس من سيارته وألقوه بصندوق سيارتهم الخلفي بحيث لم يره أحد بعد ذلك حياً وإنما وجدوا جثته ملقاة في بحيرة. كانت أجهزة الامن هي التي قامت بذلك، لكن أعلن رسمياً ان الجناة الثلاثة الذين تم الكشف عنهم بعد أيام قد تصرفوا بمبادرة شخصية، ولكن هناك أطروحة شائعة مفادها ان اغتيال القس كان موجها ضد النظام نفسه، إذ كان بعض قطاعات الجهاز السري البولندي المرتبطة مع السوفييت تريد التخلص من فريق الجنرال ياروزلسكي الحاكم الذي ينتهج خطاً متمايزاً عن موسكو ووضع قادة اكثر حزماً منه على رأس السلطة في وارسو. وفي منتصف الثمانينيات من القرن الماضي كان الاتحاد السوفييتي يدعم البلدان المتشددة في المعسكر الشيوعي، لكن بعد أربع سنوات أصبح من المدافعين عن الاصلاحات مما سمح بالتحول الديموغرافي في البلدان التي كانت تدور في فلكه. كان ذلك في ظل نظام ميخائيل غورباتشوف. لكن النظام السوفييتي بدأ يتضعضع اعتباراً من عام 1989 وبدا غورباتشوف غير قادر على الاختيار بين اليمين (الشيوعيين المحافظين) وبين اليسار (أنصار الاصلاحات الديمقراطية والاقتصادية) داخل الحزب. وكانت النتيجة هي وقوع «الانقلاب» الفاشل في أغسطس 1991 ونهاية الاتحاد السوفييتي بعد أربعة أشهر فقط من وقوعه. لكن إذا كانت سنوات حكم ميخائيل غورباتشوف هي فترة النزوع نحو الديمقراطية فإن هذا لا يعني بأي شكل ان أجهزة الاستخبارات قد فقدت شيئاً من سلطتها في موسكو، بل الأمر على العكس من ذلك، فإن جهاز الـ «كي.جي.بي» لم يلق اسلحته، هذا ما تدل عليه عدة قضايا أثارت دهشة عالم الظل.. ولعل الاكثر مدعاة للدهشة من بينها تلك التي مثلتها مغامرة فيتالي يورتشنكو. خلال أشهر أربعة فقط قام فيتالي سيرغويفتش يورتشنكو بعملية ذهاب واياب مدهشة بين جهاز الـ «كي.جي.بي» ووكالة الاستخبارات المركزية الاميركية، مشيراً الى احدى أكبر الفضائح في تاريخ اجهزة الاستخبارات الاميركية، ففي عام 1986 صرح العميل السوفييتي عند عودته الى موسكو بعد اقامة قصيرة في الغرب بقوله: «لقد خطفني رجال وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية بعد ان خدروني وخدعوني» ولكن «هذا كذب» هكذا أجاب الصحافي الاميركي رونالد كيسلر مؤلف كتاب «الهروب من الـ (سي.آي.ايه) الذي كان من أكثر الكتب انتشاراً في زمنه، وكان قد أجرى مقابلة مع يورتشنكو استمرت أربع عشرة ساعة في فبراير 1989 إذ قال: «لقد كان يورتشنكو فأراً حقيقياً». وعندما سئل الصحافي الاميركي عن السبب الذي دعا الـ «كي.جي.بي» السماح بمقابلة العميل السوفييتي أجاب كيسلر «كان ذلك يرمي الى القول للهاربين المحتملين ان وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية لا تستقبل الجميع بحماس، هذا من جهة، ومن جهة أخرى ان العودة الى الاتحاد السوفييتي ليست دائماً قاتلة». لكن لماذا هرب من وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية؟ ولماذا تركته يغادر بسهولة؟ إن لغز يورتشنكو له تفسيره، لكن هذا التفسير لم يظهر سوى بعد سنوات. في 28 يوليو 1985 كان يورتشنكو مسئولاً عن دائرة مكافحة التجسس في الادارة الرئيسية الأولى لجهاز الـ «كي.بي.جي» ويومها وصل فجأة وبدون اخطار مسبق الى العاصمة الايطالية. وكان سبب ذلك رسمياً هو التحضير لوصول وفد من العلماء الروس سيشاركون في ندوة عالمية بصقلية حول الأسلحة النووية. وفي 2 أغسطس ترك الضابط السوفييتي منزل السفير السوفييتي وأخذ سيارة اجرة باتجاه متاحف «الفاتيكان» وحينئذ تحول قدره إذ بعد ساعتين ذهب الى السفارة الاميركية، حيث استقبلته عناصر من وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية، ووقع طلباً للجوء السياسي، وركب سراً طائرة أقلته الى الولايات المتحدة. اهتم الأميركيون بالقادم، إذ لم يكن شخصاً عادياً، فبعد ان بدأ حياته المهنية كمسئول عن مكافحة التجسس داخل القوات المسلحة السوفييتية، شغل منصب ضابط العمليات في الدائرة الخاصة في اسطول البحر الاسود، ثم منصب مستشار للأسطول المصري في الاسكندرية وفي عام 1975 ضابط أمن السفارة السوفييتية في واشنطن. وفي عام 1980 ترك يورتشنكو السفارة السوفييتية في واشنطن ليعود الى الادارة المركزية للـ «كي.جي.بي» ويعمل كمسئول في دائرة مكافحة التجسس، وهو المنصب الذي احتفظ به حتى عام 1985، حيث قرر الهروب الى الغرب. وخلال الأشهر التي سبقت سفره الى ايطاليا يبدو انه واجه بعض المشكلات ذات الطبيعة العاطفية. كان متزوجاً منذ عام 1958 لكنه أقام علاقة عاطفية مع فالنتينا بوركوفسكي زوجة القنصل السوفييتي العام في مونتريال. ولا أحد يعرف ما كشفه الهارب من أسرار لوكالة الاستخبارات المركزية الاميركية، فالمعلومات التي تسرّبت حول الموضوع متناقضة. يقول البعض انه ربما كان أحد أفضل المصادر لدى وكالة الاستخبارات الأميركية منذ سنوات، بينما يؤكد آخرون انه لم يبح إلا ببعض المعلومات الثانوية، ولم يكشف للأميركيين سوى بعض القضايا «الميتة» من وجهة النظر السوفييتية. هناك قناعة واحدة هي انه هو الذي كشف هوية الجاسوس السوفييتي ادوارد لي هوارد. وفي مطلع اكتوبر 1985 سمح الاميركيون ليورتشنكو بالذهاب الى مونتريال لزيارة عشيقته، لكن فالنتينا أخبرته بأنها لا تريد أبداً التخلي عن زوجها، فعاد العميل السابق للـ «كي.جي.بي» لواشنطن مأزوماً ومصاباً بانهيار عصبي. وبتاريخ 2 نوفمبر اقترح على عنصر الاستخبارات الاميركية المكلف بحمايته ان يذهبا الى أحد المطاعم القريبة من مقر السفارة السوفييتية، وعندما كانا يتناولان الوجبة قال يورتشنكو لصاحبه: «سأغيب عشر دقائق، وإذا لم أعد فهذا لن يكون بسبب خطأ صدر عنك». لقد ذهب سيراً على الأقدام إلى السفارة السوفييتية ليعلن بعد يومين في مؤتمر صحافي بأنه تم تخديره وخطفه من قبل أجهزة الأمن الاميركية. وبتاريخ 6 نوفمبر عاد الى موسكو تاركاً وراءه وكالة الاستخبارات المركزية موضع سخرية الكثيرين. بعد فترة قصيرة من الزمن دلّت اشاعات الى انه قد تم اعدامه وبأن اسرته قد تلقت، حسب التقاليد المتبعة، فاتورة بقيمة الرصاصات التي تم استخدامها لقتله. لقد تندّرت الصحافة الغربية بالقصة حتى ظهر الميت حياً، بل ومضى يعطي مقابلات صحافية. ومن فترة لأخرى، خلال السنوات اللاحقة كان يعود للظهور أحياناً بأوامر من الـ «كي.جي.بي» لكن لم يشرح أحد السر الحقيقي لعملية فراره الى وكالة الاستخبارات وعودته منها خلال أشهر معدودة، مع ذلك لعل الاحتمال الأكبر هو انه لو كان «يورتشنكو» هارباً حقيقيا فلربما انه كان قد لقي نفس المصير الذي يخبئه جهاز الـ «كي. جي. بي» للخونة. وخلال عدة اشهر فقط من عام 1989 تحررت البلدان التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفييتي من الوصاية الثقيلة للشيوعية التي سادت فيها طيلة اكثر من اربعة عقود من الزمن. ففي 23 اكتوبر 1989 تخلى الحزب الشيوعي المجري عن مقولة «دكتاتورية البروليتاريا» وقبل مبدأ اقتسام السلطة التي فقدها عام 1990 بنتيجة الانتخابات التشريعية التي اعطت الاغلبية لـ «المنتدى الديمقراطي» أكبر تنظيمات المعارضة وفي بولندا، وعبر مسار مشابه وصل «ليش فاليسا» عامل الميكانيك السابق الى رئاسة الجمهورية وكلا البلدين شهدا عملية حل «هادئة» لاجهزة الاستخبارات وتم الوصول الى نفس النتائج تقريبا في بلدان المعسكر الشيوعي. انهيار ألمانيا الشرقية رغب جهاز الكي. جي. بي ان يلعب في المانيا الشرقية ورقة «التغيير الهاديء» لكنه لم يستطع ذلك، ولكن في عام 1986 كانت قمة السلطة منقسمة بين تيارين: من جهة كان هناك «هونيكر» واتباعه من «الارثوذكسيين» الشيوعيين القائلين بضرورة المحافظة على «اسمنت الحزب» ومن الجهة الاخرى مجموعة صغيرة من «الاصلاحيين» الذين كان قسم كبير منهم من جيل الخمسينيات الذين كانوا يعتقدون بأن ساعة الوصول الى السلطة قد حانت». لكن اعادة توحيد المانيا شهدت نهاية تاريخ الجهاز السري الالماني الشرقي «ستازى» الذي كان في الوقت نفسه شرطة سياسية وجهازا للاستخبارات طيلة أربعين سنة، وقد سلمت الاراشيف السرية الكثير من اسرارها ولا يزال هناك الكثير وتدل الوثائق على انه كان هناك تعاون وثيق بين الاجهزة السرية السوفييتية والاجهزة الالمانية الشرقية، وقد كان جهاز «ستازي» اداة للتجسس الخارجي ولنشر الرعب في الداخل وكان يمتلك تجهيزات تقنية هائلة تسمح له بمراقبة نصف مليون خط هاتفي طيلة 24 ساعة كاملة او كان هناك الفا شخص يعملون باستمرار في ميدان التجسس الهاتفي وحده. وفي نهاية ديسمبر 1999 اعترف منسق الاستخبارات لدى المستشار الالماني في تحليل له حول اساليب ونجاحات جهاز «ستازي» المنحل بأن المعلومات التي تم نقلها الى واشنطن منذ فترة وجيزة «يمكن ان تسمح بتقويم افضل لحالات معروفة». وتعني المعلومات المنقولة مابين 2000 الى 3000 قرص مدمج محشوة بما يعادل نصف مليون ملف جهزها الـ «ستازي، وتضم 320000 اسما، وقد كانت وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية قد استولت عليها خلال الاشهر التي اعقبت سقوط جدار برلين وخلال عملية خاصة اطلقت عليها تسمية «روزوود» كما كانت الاجهزة السرية الغربية قد نشطت كثيرا في برلين خلال الاشهر الاخيرة من حياة ألمانيا الشرقية (الشيوعية) وتعامل عدد من «مدراء الدوائر» مع تلك الاجهزة مثل المسئول عن وفد وكالة الاستخبارات الاميركية الذي تقاضى اكثر من مليون دولار ثمنا لـ «خيانته» وسلم مابين 25 الف الى 150 الف انسخة وبهذا المعنى عملت عناصر من جهاز الـ «ستازي» نفسه على تدميره. لكن بعد اعادة توحيد المانيا ساد منطق يميل الى عدم اللجوء الى الثأر . هذا مادلت عليه حالة ماركوس وولف، المعروف بـ «ميشا» والرئيس الشهير لجهاز «ستازي» والذي لم يكن ينتظر أية هدية من خصوم الامس في جهاز الامن الالماني الغربي والذي كان قد سخر منهم غالبا، وكان ميشا قد اختار طريق المنفى نحو موسكو عشية اعادة توحيد المانيا، وسافر خلال عدة اشهر الى عدة عواصم في اوروبا الشرقية، ثم عاد اخيرا الى المانيا حيث تم تقديمه للمحاكمة بتهمة «الخيانة» وقد استخدم «وولف» جلسات محاكمته «كمنبر» شجب من خلاله استغلال العدالة وقال في احدى «مرافعاته» ما نصه: «تستطيعون ان تخضعونا لضغوط سلطتهم وتفرضوا علينا عدم امكانية ممارسة أية مهنة وتمارسوا التمييز الاجتماعي، ولكن ما ليس بمقدوركم هو ان تخلصونا من شرفنا ومن ضميرنا، وعندما يبلغ المرء السبعين من عمره لا شك بأنه قد جاء الوقت الذي يطرح فيه الاسئلة حول سيرة حياته . هنا وفي هذه الصالة تم التلفظ بكلمة ـ خيانة ـ فهل خنت المباديء التي مهرت حياتي والقيم التي كانت عزيزة على اولئك الذين اتخذهم مثالا وقدوة، اي العزيزة على اسرتي وعلي انا نفسي؟، انني لم أخن بلادي .. ولم اخن انسانا واحداً .. لقد وصفتم صمتي يا سعادة المدعي العام، بأنه صمت غير مشرف .. اذكركم بأن الرجل العظيم كارل ليبتنشت ـ الذي كان ايضا اشتراكيا ومعاديا للحرب كان قد صرح امام اولئك الذين وجهوا الاتهامات له: «ان شرفكم ليس شرفي». لقد تم الحكم على «ماركوس ـ ميشا ـ وولف» السجن لمدة ست سنوات في ديسمبر 1993 ثم استفاد من العفو العام عن المسئولين السابقين في جهاز الاستخبارات الالماني ـ الشرقي، وهو يعيش اليوم في منطقة ما من المانيا كـ «رجل حر». موسكو تعيد البناء بدأت في اغسطس 1991 فترة عدة سنوات من التشوش في حياة الكي. جي. بي. واذا كان لهذا الجهاز او بدقة اكبر لتحفظه دور في افشال محاولة انقلاب الشيوعيين المحافظين آنذاك، فانه يرمز بالمقابل في مخيلة الشعب ووجدانه الى سبعة عقود من القمع . وساعة «دفع الحساب» قد حانت ومن نهايات شهر اغسطس 1991 ايضا بدأت تتعالى غيوم من الدخان فوق مقرات الكي. جي. بي نتيجة حرق الملفات «الاكثر سخونة» بينما كانت الجماهير تحطم تماثيل رموز النظام الشيوعي في الشوارع. كان ميخائيل غورباتشوف قد عين على رأس جهاز الكي. جي. بي. قاديم باكتين المقرب منه، وكلفه بمهمة واحدة هي القضاء على الكي. جي. بي. وهذا ما سيفعله، ففي اكتوبر اللاحق لم يعد ذلك الجهاز موجودا، اذ تم تفتيته الى أربع مصالح «متمايزة» وهذه المصالح هي «مصلحة الاستعلام الخارجي» تحت قيادة يفجيني بريماكوف، الصحفي السابق والاختصاصي بشئون الشرق الاوسط اذ يتحدث اللغة العربية بطلاقة والذي اصبح فيما بعد رئيساً لوزراء روسيا، المصلحة الثانية هي «المصلحة الفيدرالية للأمن» المكلفة بمكافحة التجسس والارهاب والجريمة المنظمة وحماية النظام، ثم الوكالة الفيدرالية للاعلام والاتصالات الحكومية والمختصة بعمليات التجسس الهاتفي والاعلامي والالكتروني وخاصة بواسطة الاقمار الصناعية، واخيرا «مصلحة حرس الحدود» المستقلة نظريا وانما المرتبطة واقعيا بـ «المصلحة الفيدرالية للأمن» .. هذا كله الى جانب «ادارة صغيرة، مختصة بحماية الشخصيات الكبيرة والتي اصبحت مهمتها الرئيسية هي حماية بوريس يلتسين ان الجهاز الوحيد الذي نجا من اي تغيير كبير هو «جهاز الاستخبارات العسكرية» الذي تتوجه نسبة 95% من نشاطاته نحو الخارج. هذا النظام المعقد في وجود اجهزة كثيرة للاستخبارات فتح الطريق واسعا امام «حرب المصالح» وقد ظهرت المنافسات على السطح الى درجة ان العديد من المعلقين الروس دعوا الى ضرورة العودة لما كان عليه الوضع سابقا، اذ «من الصعب الفصل بين النشاطات الاستخبارية وبين النشاطات التي تخص مثلا مكافحة التجسس على حد قول فكتور اليوخين، النائب في مجلس الدوما الروسي، وبكل الاحوال طرحت بقوة مسائل التنسيق، اذ من يقرر ميادين عمل مصالح الاستخبارات المختلفة؟ ومن يتولي القيادة؟ بدا ان الرئيس السابق بوريس يلتسين هو الرأس الاكبر ولكن كان الوسطاء بينه وبين الاجهزة عديدين ان مثل هذا الوضع اراده يلتسين نفسه كي لا يكون لأحد السلطة الكاملة على الاجهزة . فهذه السلطة ينبغي ان تكون وراء جدران الكرملين. وكان يمكن لبوريس يلتسين ان يعتمد على مجلس الامن الروسي الموجود في المبنى السابق للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي، وقد عين الرئيس الروسي صديقة اوليغ لوبوف ادارة هذه الهيئة، التي كانت تعد تقارير وتحليلات على اساس المعلومات المحصلة وكذلك ترافق تقاريرها بعدد من النصائح والتوجيهات يقول «لوبوف» نفسه «يمكن لهذا المجلس ان يراقب عمل هيئات الامن لانه يستطيع، باسم القانون، ان يفعل ذلك، ولكن ينبغي ان نفهم بأنه لا يستطيع ان يحل مكان اية هيئة قائمة منها .. انه بمثابة وسيط بين الرئيس ومشكلات الأمن القومي، وينبغي ان يجتمع المجلس مرة واحدة على الاقل كل شهر .. ولكن يمكن ان تصبح اجتماعاته يومية كما كان اثناء الحرب الشيشانية. ضمن هذا السياق برزت في روسيا صناعة جديدة هي صناعة الاستخبارات الخاصة والتي يكمن وراءها خاصة عدد من اولئك العاطلين عن العمل الذين خلفتهم عملية اصلاح الاجهزة الامنية وصرف الكثيرين من الخدمة من العاملين السابقين في جهاز الكي. جي. بي. في الوقت نفسه ادى ازدهار الاقتصاد الخاص ووجود العديد من الشركات الاجنبية في روسيا وتزايد الجرائم الى حاجة مزدوجة لم تكن معروفة سابقا في البلاد، وتتمثل في الحصول السريع على معلومات اقتصادية محددة ودقيقة لخدمة اصحاب القرار الاقتصادي الجدد وايضا تأمين الحماية ضد عمليات السطو والابتزاز واعتداءات المافيات. ونتيجة هذا كله برزت ظاهرة شيوع «الشركات الخاصة للامن» والتي يزيد عددها عن الف شركة في روسيا وحيث ان 90% منها هي شركات حماية وحراسة اموال منقولة بينما تهتم مئة شركة فقط بشكل حقيقي بـ «الاستخبارات التجارية». ان المنافسة قوية بين هذه الشركات ولن يستطيع الاستمرار سوى «الافضل» منها هذا ومن الملاحظ ان شركات الاستخبارات والامن الاكثر فاعلية و «مصداقية» هي التي اسسها قدامى اجهزة الاستخبارات السوفييتية «البائدة». وبهذا الحديث عن «الصناعة» الامنية الخاصة تبدو واضحة المعالم الاساسية للبنى الجديدة لمصالح الأمن الروسية ولآليات عملها في مطلع الالفية الجديدة. تأليف: جينوفيفا أتيين وكلود مونيكيه _ عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف