الاحد 23 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 26 يناير 2003 الاقتراحات التي طرحت في السابق لاحتلال قطاع غزة ولو لفترة قصيرة، لم تكن جدية من الناحية الاستراتيجية والسياسية، وقد عبرت عن الغضب بصورة أساسية. احتلال القطاع سيتطلب السيطرة على مجموعة كبيرة من السكان وهذا امر سيوقع عددا من الخسائر بالأرواح من دون ان يؤدي الى القضاء على (الارهاب). ومن الناحية الاخرى تبلور رويدا رويدا وضع احتل فيه جيش الدفاع قطاع غزة في واقع الامر بصورة غير مباشرة من خلال فرض الحصار والسيطرة على مجالات الحركة والمناطق المفتوحة. التجمعات السكانية الفلسطينية هناك تحولت الى جزر منعزلة عن بعضها البعض.التبدلات في الاشخاص في قيادة فرقة غزة (قائد الكتيبة السابق يسرائيل زيف عين رئيسا لقسم العمليات في رئاسة هيئة الاركان) هي فرصة للتوقف عند هذا التطور العسكري. العبرة الاولى المستفادة ترتبط بالجدار الامني الذي يحيط بالقطاع والذي نجح الاسلوب الذي اتبع فيه. في السنة الاخيرة اجتاز هذا الجدار 10-11 شخصا لاهداف جنائية أو من اجل البحث عن عمل لهم في اسرائيل، واجتازه اثنان لأهداف تخريبية من دون مواد ناسفة، و41 قتلوا خلال محاولتهم اجتيازه. هذه المعطيات تدلنا على عبرتين ميدانيتين بارزتين يتوجب على من يخططون للجدار الفاصل في الضفة ان يأخذوهما بعين الاعتبار، العبرة الاولى هي ان وضع جدار فاصل ليس كافيا بحد ذاته وان الامر المهم هنا هو نوع تعليمات اطلاق النار التي تصدر في اطاره. والعبرة الثانية هي ان العمليات الميدانية يجب ان تتم من على جانبي الجدار وليس من أحد الجانبين فقط.السيطرة والاحتلال غير المباشرين يتمان بطريقتين. الاولى اقامة مناطق أمنية خاصة في داخل القطاع. حركة الفلسطينيين في هذه المناطق محدودة جدا وأوامر اطلاق النار إباحية والمزروعات اقتلعت من المناطق المفتوحة في أغلب الاماكن. المناطق العسكرية العازلة في القطاع تشمل مناطق واسعة وهي تضم في نطاقها كل خطوط التماس بما فيها خط الحدود المحيط بغوش قطيف. عرض القطاع يبلغ كيلومترين اثنين، ومن اجل حماية مستوطنة نتساريم المعزولة وضعوا حولها منطقة أمنية كبيرة تبلغ 3-8 كيلومترات.أما الطريقة الثانية فهي تحويل المناطق الفلسطينية المأهولة الى مناطق معزولة، وهذه المسألة يحققها الجيش من خلال تقطيع الطرق واقامة مواقع على المواقع الرئيسية. وعما قريب سيضاف موقع عسكري على طريق البحر الساحلي. الافتراض هو ان ذلك سيثقل على النشطاء الفلسطينيين. في التجمع الشمالي عزلت غزة وجباليا وهناك جزيرة اخرى أكثر شمالا حول بيت حانون حيث يطلقون صواريخ القسام احيانا. وبين هذا وذاك عزلوا مخيمات القطاع الوسطي. أما في الجنوب فقد عزلوا خانيونس ورفح بهدف تقطيعه الى جزأين منفصلين. يسرائيل زيف ركز في عملياته العسكرية على الطابع الدفاعي وافترض ان هذا الامر سيمكن جيش الدفاع من استغلال قدراته المتميزة في مواجهة مقاتلي حرب العصابات الذين ينوون مباغتته من خلال ضرب الاهداف التي تثير الجلبة خصوصا بسبب كثرة عدد المتضررين. فجيش الدفاع لا يستطيع مثلا ان يسمح لنفسه بالرد على اطلاق قذيفة راجمات من خلال الرد المدفعي المقابل على المناطق المأهولة. الرد يأتي من خلال عمليات جراحية. أما الجانب الهجومي فيأتي من خلال الاجتياحات والغارات الثابتة على نطاق كتيبة أو لواء. الامر الجديد هو نقل الاذن بالعمليات الى المستوى القاعدي. في السابق لم يكونوا يتحركون من دون أمر من وزير الدفاع، أما الآن فالوزير يحصل على تقرير عام مسبقا. العملية جراحية الا ان الاصابة شديدة لان الرسالة هي البرهنة للفلسطينيين بأن للعنف ثمنه. في عام 2002 حدثت 150 غارة من هذا النوع حيث قتل فيها 80 فلسطينيا (مقابل قتيلين لجيش الدفاع)، وهدم 120 منزلا. فهل يعني كل هذا ان المعركة في القطاع قد انتهت؟ من يعتقد ان هناك مؤشرات حسم نهائي للصراع في الأفق عليه ان يشعر بالخيبة. فالمشكلة الغزاوية لم تحل رغم الاحتلال غير المباشر للقطاع. بقلم :زئيف شيف _ عن «هآرتس»