الاحد 23 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 26 يناير 2003 ضجت اسرائيل على «تحقير الميت» في الجنازة المتنقلة لنتنئيل عوزيري. بيد أن الاحداث حول الجنازة تلقي بظلال ثقيلة على الحاضر الاسرائيلي - تحقير الصهيونية غير الاصولية، تحقير الجيش الاسرائيلي وتحقير القانون. من الصعب على المرء ان يفهم الجلبة التي يثيرها الاحرار حول خرق قواعد الدفن. فما هي المصلحة في الخلاف الفقهي للسماح بالكشف عن وجه الميت في أثناء الجنازة؟ وعندما يسمع المرء نتان زهافي، «العصبي»، يسأل بدهشة أليمة ميخائيل بن حورين، من ابطال الاحداث، هل الفظاظة تصل لدرجة هز الجثمان من مكان الى مكان بل «والكشف عن وجهه»، يدرك الى اي قدر انغرست القيم الاكثر أصولية في الثقافة الاسرائيلية. فهذا بالذات هو السياق الذي ينبغي ممارسة التسامح «المتعدد الثقافات» فيه. فاذا ارادوا فليدفنوا الجثمان حسب الشرع، واذا ارادوا فليرقصوا حوله، واذا ارادوا فليحرقوه كعرف البوذيين. فما دخل الاحرار بهذه الطقوس؟ كما ليس لدي مشكلة عسيرة مع الاقوال التي طرحت عن «مجرمي اوسلو». ومع أن أصحاب المنطق المشوه والكراهية المريضة هم وحدهم الذين يمكنهم أن يخلقوا تلوثا لفظيا مثل «ليس العرب هم قتلتك بل رابين، ولكن طالما لا توجد دعوة الى العنف فان مبدأ حرية التعبير يسمح لكل منا بالتعبير عن مشاعره بكل القوة. المشكلة مغايرة. فمن يرغب في ان يدرك باي قدر تجلس فيه «الهوامش المتطرفة» داخل المستوطنين «العاديين» فليقرأ مثلا الياكيم هعتسني الذي يقول - بعد وصف المذبحة والقمع اللذين اجراهما القيصر ادريانوس بحق يهودا (وعرفات بالمناسبة يكثر من ذكر المذبحة التي اجراها يهوشاع ضد شعوب كنعان) - ان «جوهر الصهيونية» هو «عودة اليهود الى الضفة الغربية». كما أن هذا هو جوهر معتقد المؤمنين «بملكية الضفة الغربية»، خلافا لمباديء الصهيونية غير الاصولية التي جوهرها الملجأ الوطني لشعب اسرائيل - في ارض اسرائيل. وبنتسي ليبرمان - رئيس مجلس «يشع» للمستوطنين يدعي بانه لم تتم «خطوة الحسم السليمة»، وبالتالي ينبغي توقع نشاطات مثل مسرحية الجنازة. وأنا واثق ان آخرين يفكرون مثله. ان من يرغب في ان يدرك باي قدر تمنح فيه الحكومة والجيش الاسرائيلي «ريح مساندة» لاولئك المسمين الهوامش المتطرفة ينبغي له ان يفحص ليس المواجهات المغطاة اعلاميا بل طبيعة العلاقات المستمرة بين الجيش الاسرائيلي والمستولين على التلال. فقبالة كل موقع استيطاني يخلى زعما يقام على الاقل واحد جديد. ويكفي رؤية مصير مزرعة جلعاد التي «اخليت» في جلبة عظمى. يضاف الى ذلك ان الجيش الاسرائيلي لا يتردد في المساس شديدا بالسكان الفلسطينيين، ويفرض اغلاقا وطوقا وحظر تجول خطيراً، كي يحمي اليهود في أرجاء الضفة الغربية دون أي صلة بمدى تطرفهم او شرعية اعمالهم. وأخيرا ماذا كان سيجري لو تجرأ متظاهرو اليسار على الصدام مع الجيش الاسرائيلي على نمط مؤيدي «ملكية يهودا»؟ لا ريب عندي أنهم كانوا سيحطمون لهم عظامهم ويعتقلونهم جميعا. وبتقديري، فانه لا يمكن استبعاد اطلاق النار وليس فقط في الهواء. ان سبيل فتيان التلال ليس هامشا بل طلائعيا. فهم يعملون بالضبط مثلما عمل حنان فورات، وليفنغر ونظرائهم في سبسطيا، كما هاجم مؤيدو كهانا سيارات الوزراء في حكومة رابين، وكما درج ويدرجون مقدسو أسم القاتل غولدشتاين. انهم يرسخون في الرأي العام حقيقة ان كل محاولة لصدهم في طريقهم لتحقيق حلمهم الاصولي اليهودي سيجر صداما عنيفا لا هوادة فيه، وهكذا فانهم يرسمون مسار التاريخ الاسرائيلي. بقلم: مئير شتيغليتس _ عن «يديعوت احرونوت»