السبت 22 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 25 يناير 2003 تقول النكتة المعروفة ان ادارة احدى مؤسسات الامراض العقلية ردت على طلب الشرطة باعطائها أوصاف المريض الهارب حتى تبحث عنه على النحو التالي: طويل - قصير، سمين وضعيف. المحققون في الشرطة سألوا باستغراب كيف يعقل ذلك. وجواب ادارة المؤسسة كان: وماذا توقعتم اذن، ألم نكن نقل لكم انه غريب الأطوار. بهذه الطريقة تقريبا يمكن وصف الناخب الاسرائيلي المحتار والمتردد في اختياره. فهو يريد شارون ولكنه ليس متأكدا انه الحل الملائم للوضع. وهو يكره المعراخ الا انه يريده شريكا في الحكومة القادمة. وهو يريد ان يواصلوا ضرب العرب الا انه لا يريد اليمين المتطرف في الحكومة. وهو ايضا قد ملّ الاصوليين الا انه ليس متأكدا انه يريد حزب شينوي كحزب في المرتبة الثانية في الدولة من حيث الحجم. فباختصار الناخب الاسرائيلي محتار ليس حول مسألة ان يكون أو لا يكون وانما حول مع من سيكون. ليست هناك سابقة كان فيها الجمهور لا مباليا وحائرا الى هذا الحد قبل الانتخابات بأسبوع. اغلبية الاستطلاعات تشير الى ان 20 في المائة من الناخبين لم يقرروا نهائيا لمن سيصوتون، وهناك 23 مقعدا في الكنيست ما زالت تبحث لها عن منزل حتى الآن. صورة الناخب المتردد هي على النحو التالي: هو شخص ذو وعي سياسي ويائس من الوضع الذي علقنا فيه خلال العامين الاخيرين، ناخب تقليدي للوسط السياسي ودافع للضرائب وخدم قسطه العسكري ومحسوب على الطبقة الوسطى التي تعتبر الأكثر تضررا من السياسة الاقتصادية الحالية. هذا الناخب المهموم يستطيع تبني الشعار التاريخي للصهاينة العامين في الخمسينيات «اتركونا نعيش في هذه البلاد». التردد هو نوع من التعبير عن الاحتجاج هو الاول من نوعه منذ سنوات - ضد شارون ولكنه بالأساس ضد حزب العمل الذي أخفى معالم الفوارق الشاسعة بين الحزبين بمشاركته في حكومة شارون. في اليمين المتطرف وعند العرب والاصوليين لا يوجد مترددون. المتردد الاسرائيلي وجد ملاذا مؤقتا في حركة شينوي وبالفرار الغاضب من حزب العمل. في يوم الثلاثاء المقبل سيحدد أي كتلة وأي خط سيسود في الدولة. حزب العمل كقائد لمعسكر السلام لا يملك أي فرصة لهذه الولاية. هذا هو مصير المتعاونين (العملاء)، فهم دائما خاسرون. انظروا ماذا حدث مع جيش لبنان الجنوبي. في هذه الجولة سيفوز شارون الا انه لن يتمكن من الحكم الا من خلال التحالف مع المتدينين واليمين المتطرف. هذا شريطة ان يكون لدى حزب العمل الخاسر الشجاعة والقوة للبقاء خارج الحكومة والبدء في ترتيب الاوضاع الداخلية، وان يكون معارضة كفاحية، وبناء نفسه كبديل. وأكثر الامور غرابة هو التعلق الهائل بشارون على الرغم من الوضع الخطير الذي ورطنا فيه منذ ان وصل الى سدة الحكم. فشارون يشكل رمزا للجمود العاجز، ورغم ذلك يتعلقون به كوالد للدولة والمدافع عنها خصوصا الآن في ظل الحرب القادمة والخوف المستشري منها. قضية شارون - غيت والفساد الذي ظهر في انتخابات مركز الليكود أزيحت جانبا، ولكن عندما ستبدأ مسيرة التحقيق في الشرطة بعد الانتخابات وفي موازاتها سيزداد الوضع الاقتصادي - الامني تدهورا قد ينقلب الرأي العام. فناخبنا برهن في أكثر من مرة سابقا ان لديه جهاز هضم وعقاباً بطيئاً. رغم فشل يوم الغفران في عام 1973 مثلا فاز حزب العمل برئاسة غولدا مئير في ديسمبر 1973 رغم سقوط آلاف القتلى قبل تلك المعركة الانتخابية، الا ان الجمهور الاسرائيلي لم ينس، وجاءت العقوبة الحقيقية على الاخفاق في عام 1977 فقط عندما أزيح حزب العمل عن سدة الحكم لخمسة عشر عاما متتالية. غولدا التي سميت في حينه «الرجل الوحيد في الدولة» عبرت عن الثقة وأعطت شعورا بالأمان وكانت مثار اعجاب مثل شارون تماما. وعلى حزب العمل الآن ان يترك شارون في الوسط السياسي الذي يليق به وهو اليمين المتطرف حتى يقودنا حسب رؤيته. شارون سيواصل مساره الجبروتي الذي زرع الدمار في الدولة، ولن تكون هناك حاجة لاسقاطه لانه سيسقط وحده بضغط الشارع كما حدث مع حزب العمل، وهكذا سيتم تقديم انتخابات الكنيست السابعة عشرة بسرعة تفوق المتوقع. فلتستعدوا للتردد والحيرة المقبلة! بقلم: يوئيل ماركوس _ عن «هآرتس»