السبت 22 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 25 يناير 2003 أثار اكتشاف النفط في منطقة الخليج وايران شهية القوى الكبرى، وخاصة بريطانيا، التي سعت منذ الحرب العالمية الأولى الى ان تجعل من ايران محمية لها. لقد فشلت تلك المحاولة، لكن تم عقد بعض الاتفاقات التي ضمنت لشركة البترول الانجليزية ـ الايرانية احتكار استثمار حقول النفط. وعلى الرغم من تسمية هذه الشركة الانجليزية ـ الايرانية فإنها كانت في الواقع انجليزية أساساً ولم يكن يدخل الى خزائن الايرانيين سوى النذر اليسير من الارباح التي تدرها ثرواتهم الطبيعية.ضمن هذا السياق شهدت ايران هبة وطنية أوصلت آل بهلوي الى السلطة عام 1925 حيث اعتلى العرش رضا شاه في 12 ديسمبر 1925. لقد قام بتحديث ايران، لكنه عادى السلطة الدينية والمعارضة الماركسية الوليدة. وفي سبتمبر 1941 وأمام الموقف الغامض لرضا شاه حيال المواجهة مع قوات «المحور» وكذلك أمام اندفاع الألمان نحو القوقاز الى جانب حرص الحلفاء على المحافظة على مصادر تزويد الجبهة السوفييتية، فإن هؤلاء قاموا باحتلال طهران. احتج رضا شاه على ذلك، وتخلى عن العرش لابنه محمد رضا، وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية استمر الاستياء في ايران، ووصل محمد مصدّق في ربيع عام 1951 الى منصب رئيس الوزراء، حيث كان أول عمل قامت به حكومته هو تأميم الصناعة البترولية لتنتقل امتيازات الشركة الانجليزية ـ الايرانية للبترول الى الشركة الوطنية الايرانية للبترول، التي كان قد تم انشاؤها خصيصاً لتلك الغاية. كان استياء بريطانيا كبيراً، لكن لم يكف الحصار الذي ضربته لندن من أجل اسقاط حكومة مصدق وإنما أدّت الفوضى الاقتصادية المترتبة على ذلك الى اقناع كبار الملاك و«زبائن» لندن وواشنطن وجزء من الطبقة الوسطى بمعارضة سياسته التي كانت تتمتع مع ذلك بدعم شعبي عريض وايضاً بدعم الحزب الشيوعي الايراني المعروف باسم «توده» الذي لم يكن يتردد في الوقت نفسه بدفع عناصره الى الشوارع للضغط على الحكومة، عندما يرى ان سياساتها «متراخية». وقد عزا العديد من الخبراء سقوط مصدّق في اغسطس 1953 الى العمل المشترك الذي قامت به الاجهزة السرية البريطانية والاميركية، لكن لم يتم تقديم البراهين على ذلك. وكان لابد من انتظار رفع السرية عن بعض تقارير وكالة الاستخبارات الاميركية، وخاصة تقرير دونالد ن. ويلبر لمعرفة تسلسل الاحداث والعمليات التي أدت الى سقوط دكتور محمد مصدق. وفيما يلي تاريخ العملية المعروفة باسم «اجاكس».. عملية «أجاكس» التقى خبراء من الاجهزة السرية البريطانية ـ الاميركية «ام 16، قسم استخبارات الشرق الأوسط وافريقيا، وكالة الاستخبارات الاميركية) في واشنطن خلال شهري نوفمبر وديسمبر 1952. كان الهدف هو انعاش شبكة في ايران. لقد أعلن الانجليز مباشرة عن لعبتهم وبأنهم يريدون مساعدة وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية في حبك نسيج عملية معقدة ترمي للاطاحة بحكومة مصدّق. فوجيء الأميركيون بذلك، وطلبوا مهلة من الوقت مع وعد ببحث جميع الامكانيات المتاحة. في 9 يناير 1953 نشرت وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية مذكرة مكرسة لـ «التطورات المحتملة في ايران خلال 1953». وقد جاء في تلك المذكرة: «يبدو من المحتمل بقاء حكومة الجبهة الوطنية ـ حزب مصدق ـ في السلطة خلال 1953 على الرغم من حالة الاضطراب المتنامي، ومن المحتمل ايضاً ان تستطيع الحكومة المحافظة على مساندة الشاه والرقابة على قوات الأمن». وعلى الصعيد الاقتصادي جاء في المذكرة: «حتى في حال غياب العائدات النفطية والمساعدة الاقتصادية الاجنبية فإن ايران قد تستطيع تصدير ما يكفي من النفط من أجل دفع قيمة ما هو أساسي من وارداتها، إن التضخم سيظهر وسيكون تطور رأس المال محدوداً وسيتدنى مستوى المعيشة في المدن. مع ذلك لا نعتقد ان العوامل الاقتصادية ستؤدي بحد ذاتها الى اسقاط حكومة الجبهة الوطنية خلال 1953». وعن الشيوعيين أفادت المذكرة: «على الرغم من ان خطر تغلغل حزب توده في الجبهة الوطنية وفي بيروقراطية الدولة لايزال قائماً، فإننا لا نعتقد ان هذا الحزب سيكون قادراً بواسطة هذه الوسائل السيطرة على الوضع خلال عام 1953. مع ذلك إذا استجدت أحداث غير منتظرة مثل تفجر الجبهة الوطنية بسبب المنافسات بين قادتها فإن امكانيات صعود حزب توده ستكون كبيرة في سبيل السيطرة التدريجية لهذا الحزب». واختتمت وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية مذكراتها بالقول انه إذا تم قلب مصدّق من قبل أصدقائه فإن ذلك سيكون غالبا من أجل ان يستلم السلطة شخص أكثر تطرفاً منه، وانه إذا تدهور الوضع أكثر فسيكون الاتحاد السوفييتي قادراً في كل لحظة زيادة نفوذه الجلي والخفي في ايران، وذلك على حساب المصالح الاميركية». إن من يعرف وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية ويعرف القراءة بين سطور تقاريرها، يدرك ما جاء في مذكراتها السابقة يعني انه ينبغي بقاء مصدّق في السلطة. لكن بقاءه فيها وبسبب ما يمكن ان يترتب عليه من تعقيدات، إنما قد يكون بعد أجل لصالح الحزب الشيوعي الايراني والاتحاد السوفييتي. أي بمعنى آخر، وحسب «نظرية الدومينو» التي دفعت فيما بعد الولايات المتحدة للتدخل في الحرب الفيتنامية، فإن سقوط ايران في أحضان «المعسكر السوفييتي» تعني اختلال الأمن في المنطقة كلها. لذلك كان ينبغي إذن إنهاء المشكلة، أي انهاء محمد مصدّق. ضد مصدّق خلال مارس 1953 اتصل بعض الضباط الايرانيين بوكالة الاستخبارات المركزية الاميركية عبر فرعها في طهران، وذلك بقصد معرفة موقفها حيال قيام محاولة عسكرية لدفع مصدّق «نحو الباب». وكانت الاجابة متعقلة بحيث انها «لا تلزم الولايات المتحدة، لكن الفكرة تثير بعض الاهتمام في أميركا». ثم تطورت الامور بسرعة، إذ قال الجنرال والتر بيرل سميث ان «الحكومة الاميركية، ونظراً للموقف المخرّب والعنيد لحكومة رئيس الوزراء مصدّق، لن تستطيع متابعة تأييدها طويلاً لها وتفضّل ان ترى مكانه لجنة رئاسية لا تضم أعضاء ينتمون الى الجبهة الوطنية». وفي 4 ابريل 1953 كرّس الان دالاس رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية ميزانية تبلغ مليون دولار، تم وضعها تحت تصرف فرع الوكالة في طهران لدعم اية مبادرة قد تؤدي الى اسقاط مصدّق. وفي نهاية الشهر نفسه توجه دونالد ويبر الى نيقوسيا من أجل اعداد خطة لاسقاط رئيس وزراء ايران. كانت الاستخبارات الاميركية هي التي تقود اللعبة وتساعدها الاستخبارات البريطانية. ومن نيقوسيا كانت تدار الأمور، وبينما كان الخبراء يحضرون العمل كان فرع وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية في العاصمة الايرانية يتحرك بنشاط، حيث بدأ بحملة «دعائية رمادية» أي بشكل ضمني، هكذا بدأت المجموعة الفنية التابعة لوكالة الاستخبارات بجمع بعض المواهب في مختلف الميادين الفنية من أجل «انجاز عدد كبير من الرسوم الكاريكاتيرية المناهضة لمحمد مصدّق» كي يقوم العملاء الايرانيون للاستخبارات بتوزيعها في العاصمة الايرانية عبر مختلف وسائل الاعلام الممكنة. في مطلع يونيو عاد فريق الاستخبارات الانجليزي الى لندن كي تعرض على القيادة الخطة الأولى التي تم التوصل اليها، بينما عاد الفريق الأميركي الى بيروت، حيث توجد أهم قاعدة للعمليات تابعة لهم في الشرق الأوسط. وفي 9 يونيو التقى جميع أعضاء وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية ذوي العلاقة بالعملية في بيروت، إذ قدم كيرميت روزفلت حفيد الرئيس تيودور روزفلت من لندن و«روجيه غواران» رئيس فرع طهران الذي وصل عن طريق البر عبر دمشق ودونالد ويلبر بالطائرة عن طريق القاهرة وجورج كارول من قبرص وكان قد تم استدعاؤه من كوريا حيث كان، وهو رجل عملاق يزيد طوله على المترين ووزنه على المئة كيلوغرام، كما انه خبير بالعمليات شبه العسكرية، حيث تم تكليفه بالاشراف على مختلف الجوانب العسكرية لعملية «اجاكس». وبعد أربعة أيام من الاجتماعات توجه روزفلت وويلبر الى لندن لمقابلة زملائهم البريطانيين للتوصل الى وضع اللمسات الأخيرة على الخطة، وبدا واضحاً ان الانجليز يقبلون بجميع الاقتراحات التي قدمها الاميركيون.تمثل حجر الزاوية في العملية التي أعدها رجال الظل، وهي تقوم على فكرة بسيطة قوامها انه لايزال يوجد داخل الجيش ضباط وجنود مخلصون للشاه، مهما كانت التقلبات التي يمور المجتمع الايراني بها. فإذا قبل الشاه اقالة رئيس الوزراء وتعيين آخر بدلاً عنه فإن هؤلاء الرجال والوحدات الموالية سيتحركون ويحتلون النقاط الحساسة التي تضمن لهم السيطرة المطلقة على العاصمة وعلى الوضع. كان من المطلوب إذن اقناع محمد رضا بهلوي، لكن قول ذلك أسهل من عمله إذ ان الشاه كان معادياً بعمق للبريطانيين. وكانت «ضربة العبقرية» التي قام بها كيرميت روزفلت هو انه أرسل له الجنرال نورمان شوارزكوف (والد قائد قوات التحالف الدولي اثناء حرب الخليج) الذي كان قد قاد المهمة العسكرية الأميركية في طهران اثناء الحرب العالمية الثانية، وهو رجل كان يحظى بتقدير خاص من قبل الشاه.لقد قبل الجنرال تلك المهمة الدقيقة وحيث كان مشهوراً عنه انه يقول أمام الشاه الأمور المزعجة التي كان الآخرون يخفونها عنه وانه قادر على الحصول منه على التعاون الذي يرغبه. هكذا تم تكليف شوارزكوف بمهمة «تغطية» تتمثل في قيامه بجولة قصيرة في لبنان وباكستان ومصر، وبحيث تبدو زيارته لطهران بعد ذلك باعتبارها وقفة قصيرة في الطريق. وطار شوارزكوف الى بيروت في 21 يوليو 1953 وكانت مهمته المحددة هي ان يحصل من الشاه على عدة وثائق تتمثل في أمر بتعيين الجنرال زاهدي رئيساً للأركان، وأمر ثان يطلب من الضباط والجنود اطاعته، وأخيرا رسالة تتيح للجنرال زاهدي اقناع زملائه الضباط بالسير وراءه، لكن سرعان ما ظهر الجنرال الأميركي قد ضخّم من امكانياته. وبعد عدة لقاءات مع شوارزكوف ومبعوثين أميركيين آخرين من بينهم كيرميت روزفلت لم يقدم الشاه سوى تنازل واحد، إذ قبل بأن يقابل عدة ضباط نافذين وان يؤكد لهم شفهياً انه يثق تماماً بالجنرال زاهدي الذي يتحرك باسمه. كان ذلك قليلاً، الأمر الذي دفع الاميركيين الى زيادة ضغطهم، إذ نقل عملاؤهم في البلاط الشاه انه إذا لم يقبل بصورة قاطعة وحازمة التغيير فإنه سوف يفقد أي دعم اميركي. في 10 أغسطس خضع الشاه وقبل ان يوقّع قرارين يقضي الأول منهما باقالة د. محمد مصدّق والثاني بتعيين الجنرال زاهدي بمنصب رئيس الوزراء. أيام هزت ايران في 15 أغسطس وبحوالي الساعة الخامسة بعد الظهر عرف مصدّق عبر معلومات تم تسريبها له بجميع تفاصيل المؤامرة، فما كان من الجنرال طاهي رياحي رئيس أركانه إلا ان أعلن التعبئة في وحدة عسكرية موالية لمصدق. وفي حوالي الحادية عشرة ليلاً بدأ العسكريون الذين اختاروا اتباع زاهدي بالقاء القبض على المقربين من رئيس الوزراء بمن فيهم حسين فاطمي وزير خارجيته، كما تم قطع الخطوط الهاتفية. لكن قبل الساعة الثالثة فجراً بقليل، ورغم تشوش الوضع، بدا واضحاً ان القوات لا تطيع الاوامر، وان كل شيء قد ضاع، وان قادة المؤامرة قد تبعثروا وانتقلوا الى العمل السري.في الساعة الخامسة وخمس واربعين دقيقة اعلنت الاذاعة بأن الانقلاب قد فشل، وعرف بعد ذلك بقليل بأن الشاه قد هرب. حاشية رئيس الوزراء جهدت من اجل التقليل من اهمية الاحداث، بل وان الادوار التي اصدرها الشاه كانت مزورة، او انها لا تتمتع بأي شرعية. لقد لعب فرع وكالة الاستخبارات الاميركية عندئذ ورقته الحاسمة وقرر ان ينشر نسخا من الوثائق التي كانت موجودة في احدى خزائن السفارة الاميركية، بتوزيعها على صحافيين اميركيين وايرانيين، فما كان من المتآمرين المتطوعين عن الضباط الذين كانوا يتعاملون معهم ومع وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية الا ان فبركوا من جهتهم مقابلة مزيفة لزاهدي يشرح فيها معنى عمله ويؤكد ان الامر لم يكن يتعلق بمحاولة انقلاب، وانما جاء تنفيذا لاوامر امبراطورية، لقد فشلت العملية لكن حكومتي واشنطن ولندن رفضتا التدخل بأي شكل كان، بل ورفضت الخارجية الاميركية اقتراحا تقدمت به وكالة الاستخبارات المركزية بأن يتم الاتصال بالشاه الذي لجأ الى بغداد كي يدلي بتصريح عبر الاذاعة. لكن فرع الوكالة في طهران لم يتخل عن مهمته ففي ليلة 16 ـ 17 اغسطس وصلت له اخبار تعيد الامل للاميركيين وتفيد بأن العسكريين، وامام مظاهرات الشيوعيين، اصطدموا مرات مع دكتور مصدق على الرغم من ولائهم له، ان كيريت روزفلت وجورج كارول اللذين كانا آنذاك في السفارة لم يغمض لهما جفن تلك الليلة. كانت الحرب النفسية هي التي يمكن ان تجعل الجيش ينتقل من موقع الى آخر.كان اليوم التالي هو اليوم الحاسم، واليوم الذي اقترف فيه دكتور مصدق اكبر خطأ سياسي له، لقد ركزت الصحف الموالية له على موضوع واحد، هو ان سلالة بهلوي بتورطها في مؤامرة حيكت في الخارج انما وقعت قرار موتها وان ساعة الجمهورية قد حانت، مع ذلك عندما وصل الشاه الى روما ادلى بتصريح قصير تم بثه مرارا من قبل الاذاعات التي تلتقطها ايران، حيث اكد على ثلاث نقاط هي ان قراره بالتخلي عن دكتور مصدق وتعيين زاهدي انما كان يتطابق مع الصلاحيات التي يمنحها له الدستور، وانه لا ينوي التخلي عن العرش ابدا، ثم انه واثق بولاء الشعب له، وانفجر العنف في شوارع طهران طيلة الليل، وهاجم المتظاهرون الشيوعيون كل رموز حكم الشاه وسلبوا المتاجر حيث اصطدموا بقوة مع رجال الأمن. في صبيحة 19 اغسطس التقت مجموعات مخلصة للشاه في «البازار» وقد وجد بينهم ممثلون عن التجار وعن الطبقات الوسطى التي كانت قبل يومين قريبة من مصدق، لكنها صدمت من تصرفات حزب «ثورة» اي الشيوعيين، وبدأ الجيش بالتردد والانتقال الى صفوف الشاه، عند منتصف النهار احتلت جماهير غفيرة المحاور الرئيسية، وهتفت «الشاه منتصر» بينما لم يتحرك الجيش، امام مثل هذا الحياد بادر بعض الضباط المتآمرين الذين لم يتم اعتقالهم بالخروج الى الشوارع وقيادة مجموعات عمل صغيرة واحتلال مراكز حساسة كان قد تم تعيينها في خطة «اجاكس». عند الساعة الواحدة ظهراً تم الاستيلاء على البريد المركزي ووزارة الخارجية مع حصار مقر الشرطة الرئيسي، وعند الساعة الثانية والدقيقة الثانية عشرة من بعد الظهر تماما علم فرع وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية بأنه بعد صدام قصير سقط فيه ثلاثة قتلى استولى المتمردون على مبنى الاذاعة وبعد ثماني دقائق سمع كيريت روزفلت احد المذيعين وهو يتلو عبر الإذاعة الرسمية الاوامر التي وقعها الشاه ليلي ذلك تأكيد عدد من ضباط الجيش ولاءهم لآل بهلوي، ولم يتردد ايضا رجال وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية والاستخبارات البريطانية في ان يهتفوا مأخوذين بالفرحة، بأن «الشاه انتصر» لقد عاد الشاه ليقيم نظامه التسلطي المزود بجهاز الشرطة السرية الرهيب المعروف بـ «السافاك» والذين قام بملاحقة القوميين والشيوعيين والمعارضين الديمقراطيين. ومنذ خريف 1978 شهدت ايران مظاهرات كبيرة شارك فيها الطلبة «المتطلعون للحرية» وتجار البازار القلقون من بعض الاصلاحات الاقتصادية الجارية ورجال الدين الذين قمعهم النظام بشدة . اي ما يمكن ان يشكل مختلف مكونات المجتمع الايراني الاساسية، وبعد ان حاول الشاه ان يتصدى للمظاهرات بالقمع اضطر للهرب لتقوم الجمهورية الاسلامية. جاسوس سوفييتي في طهران عايش ليونيد تشيرباشين، ضابط الاستخبارات السوفييتي الاحداث السابقة عن قرب وكان قد تخرج من معهد العلاقات الدولية (قسم الشئون الشرقية) عام 1958 وبدأ حياته كدبلوماسي حيث أمضى اربع سنوات في باكستان، وفي عام 1962 اقترح عليه جهاز الـ «كي. جي. بي» ان يكون احد اعضاء الادارة الرئيسية الاولى في الجهاز وقد قبل هذا الاقترح بـ «متعة وانفعال» على حد قوله ليعمل في باكستان والهند واعتبارا من مطلع عام 1979 في طهران حيث يؤكد ان «فرع الاستخبارات السوفييتية لم يفاجأ بالثورة على عكس وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية التي لم تر ما هو آت، ان رجالنا فهموا منذ زمن ان ايام الشاه كانت قد غدت معدودة لكن تكشف بسرعة بأن موقف النظام الجديد هو سلبي جدا حيال الاتحاد السوفييتي، فاذا كانت الولايات المتحدة هي «الشيطان الاكبر»، فقد فهمنا بسرعة ان الاتحاد السوفييتي وكذلك فرنسا يمثلان «الشيطان الاصغر». لكن كان البعض يرى فينا بسبب الموقف من الدين في الفكر الماركسي، العدو الرئيسي، وقد رأينا مرات كتابات على الجدران تضم شعارا مفاده «اميركا أسوأ من بريطانيا وبريطانيا اسوأ من اميركا، لكن روسيا هي اسوأ من هذه وتلك» ويشير تشيرباشين ايضا الى ان احد القادة الاسلاميين الرئيسيين قد حذر اثناء احدى الندوات العامة من «سفارة تقع جنوب سفارة الولايات المتحدة الاميركية، اي السفارة السوفييتية».لقد حاول تشيرباشين ان يعيش بشكل طبيعي في هذا السياق، وبالقدر الذي يمكن ان يفعله ضابط استخبارات من مستوى عال عندما يواجه وضعا ثوريا، وكان يخرج الى الشوارع كلما سنحت الفرصة كي «يستنشق رائحة ما يجري» ويلاحظ الوضع شخصيا حيث كان الاقتصاد يدور ولو كان ذلك ببطء كبير، وكانت المخازن مفتوحة، وخاصة في اسواق الاثاث القديم، حيث قام البعض بعمليات تجارية مربحة اذ كان المقربون من الشاه يبيعون ممتلكاتهم من اصص واثاث وسجادات ثمينة بأبخس الاسعار قبل ان يأخذوا طريق «المنفى» بنفس الوقت خسرت الاستخبارات السوفييتية عدة مصادر في ظل النظام الجديد لا سيما بسبب الرقابة المشددة لحراس الجمهورية ولمختلف الاجهزة بل وحتى لجماهير المتطوعين الذين كانوا يراقبون كل شاردة وواردة يقوم بها الغرباء، وفي عام 1983 غادر تشيرباشين طهران من دون اية نية للعودة. عندما غادر محمد رضا بهلوي طهران في يناير 1979 وعاد آية الله الخميني بعد خمسة عشر عاما من المنفى بدأت صفحة جديدة من العلاقات بين الشرق الاوسط والعالم، وبعد فترة من الاضطرابات شهدت احتجاز الرهائن الاميركيين في 4 ديسمبر 1979 والذي استمر لفترة اشهر طويلة اسس النظام اجهزته السرية، وقد شكل «حراس الثورة» قلب سلطة الظل وكان يقودهم رفيق دوست احد الحراس الشخصيين سابقا للامام الخميني. لكن الاجهزة الايرانية اثبتت ايضا انها قادرة على القيام بعمليات استخبارية «كلاسيكية» ناجحة، هكذا استطاعت ان تجند السيدة الفرنسية، «ماريز فيلار» التي كانت تعمل سكرتيرة ادارية في الخلية الدبلوماسية لرئاسة الحكومة الفرنسية، هذا ما اكتشفه جهاز مكافحة التجسس الفرنسي في شهر يونيو 1986، وقد كانت هذه السكرتيرة تسلم بعض الوثائق السرية الدفاعية لصديقها الايراني المقيم في المانيا كممثل لشركة بترولية، وقد سلمته «ماريز فيلار» تحليلات فرنسية تخص الامكانيات العسكرية العراقية، وقد كان ذلك اثناء الحرب العراقية ـ الايرانية وفي عام 1992 اكتشف الالمان وجود «مخبر» ايراني في اطار مصلحة الصحافة التابعة للحكومة. باسم هوليوود عندما تم احتجاز الرهائن في السفارة الاميركية بطهران استطاع ستة دبلوماسيين من القسم القنصلي والملحقية التجارية النجاة واللجوء الى السفارة الكندية، مباشرة بدأت وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية بوضع الخطط من اجل «تهريبهم» من طهران.لقد تمثلت المهمة الاولى في تقديم وثائق مزورة للمعنيين، لم يكن مثل ذلك العمل سهلا، لا سيما وان الدبلوماسيين لم يكونوا تابعين لاجهزة الاستخبارات وبالتالي لم يكونوا متعودين على العيش بهوية مزورة، وقد تم تكليف: انطونيو . ج. منديز، بتنفيذ المطلوب واستطاع خلال شهر ونصف الشهر فقط ان يقوم بعملية معقدة اذ كان عليه ان يعرف اجراءات خروج الاجانب من ايران واختيار «الغطاء» الذي سيستخدمه الدبلوماسيون وجوازات سفرهم، هذه النقطة الاخيرة كانت الاكثر سهولة، اذ ان القوانين الكندية تسمح بمنح «جوازات صحيحة ـ مزورة» لمواطنين اجانب وذلك لاسباب انسانية، لكن بالمقابل لم يكن ممكنا تقديم التسهيلات نفسها لاعضاء وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية الذين سيقومون بمهمة اخراج الدبلوماسيين.ان المعلومات التي توفرت سريعا لدى «منديز» جعلته يدرك انه على الرغم من تشوش العلاقات والقطيعة بين طهران وواشنطن، استمر عدد من الاميركيين بالذهاب الى ايران كمتعاونين او رجال أعمال او مهندسين او تقنيين في ميدان البترول، وكانت الفكرة الأولى هي ان يتم اعتبار الدبلوماسيين الستة كمدرسين يبحثون عن عمل في الخارج، او عاطلين عن العمل يقومون بجولة حول العالم. لقد استبعد منديز هاتين الفكرتين، واعتمد فكرة ان يجعل من الستة فريقا سينمائيا يقوم بتحقيقات وبعمليات استطلاع لاعمال فنية، وخلال اربعة ايام فقط اسس شركة انتاج سينمائي في هوليوود بحيث يتم انتاج فيلم تجري بعض احداثه في ايران في 23 يناير 1980 اعطى الرئيس كارتر الضوء الاخضر للقيام بالعملية وبتاريخ 28 يناير خرج الدبلوماسيون من ايران من دون ان يواجهوا اي مشكلة برفقة «منديز» وأحد عناصره اللذين كانا قد وصلا الى ايران في اطار المشروع «السينمائي» المزعوم. ثم خرج بعدهما سفير كندا كين تايلور وموظفوه وبواسطة رحلات طيران مختلفة تجنبا لاثارة الشكوك وقد تم الاحتفاء بالجميع عند وصولهم الى الولايات المتحدة.